دجلة و الفرات هي ميادين الصراع القائمة في الشرق الأوسط

دجلة و الفرات

منذ أن أطلق الدكتور بطرس غالي، السكرتير العام السابق للأمم المتحدة، نبوءته المشهورة في مطلع التسعينات من القرن العشرين، أنّ حروب العالم المقبلة ستكون حول مصادر المياه والدراسات الدولية حول مشاكل نقص المياه في العالم، وما تثيره من نزاعات لا تتوقف.

وأحدث هذه الدراسات، ما صدر عن معهد وورلد ووتش الأمريكي في واشنطن، بقلم واحدة من أكبر باحثات المعهد، وهي ساندرا بوستل، وعنوانها تقسيم المياه، وتحدّد الدراسة نتيجتها من أول سطر، وهي أنّ النقص المتزايد في موارد المياه في العالم بصفة عامة مقابل التزايد المطرد في تعداد السكان، يشكل تهديداً خطيراً للإنتاج الغذائي والاستقرار الاجتماعي والسلام العالمي بين الدول والشعوب، يضاف إلى نقص موارد المياه وتزايد السكان أنّ هناك 214 نهراً على مستوى العالم، يمر كل منها في أكثر من دولتين في ظل غياب قانون دولي حتى الآن، ينظم توزيع واستخدام مياه الأنهار مما يفتح الباب واسعاً أمام احتمالات الصراع.

المشكلة إذا عالمية، فسكان العالم سيزيدون خلال الثلاثين سنة المقبلة بمقدار 2,6 مليار نسمة، بينما لن تزيد موارد المياه، بل ربما تتناقص، لكن قارتي أفريقيا وآسيا ستكونان الأكثر معاناة من مشكلة نقص موارد المياه، بينما لن يكون لهذه المشكلة وجود في ثلاث قارات، هي الأمريكتان وأستراليا، وستكون أوروبا أقل معاناة من المشكلة، ففي حين تستحوذ أمريكا الجنوبية على 26% من موارد المياه العالمية، ولا يزيد تعداد سكانها على 6% من إجمالي سكان العالم وتستحوذ أمريكا الشمالية والوسطى على 5% من مياه العالم مقابل 8% من سكانه وأستراليا على 1% من مياه العالم مقابل أقل من 1% من سكانه.

إنّ نصيب آسيا من مياه العالم لا يتجاوز 36% بينما يعيش فيها 60% من سكان العالم، وأفريقيا 11% من المياه مقابل 13% من السكان، أما أوروبا ففيها 8% من مياه العالم، و13% من سكانه، وبين آسيا وأفريقيا يتصدر الشرق الأوسط المناطق الأكثر معاناه في القارتين والعالم من نقص المياه واحتمالاته، وبالتالي الأكثر تعرضاً للحروب والصراعات الدموية بسببها، فالحد الأدنى لنصيب الفرد من المياه المتعارف عليه عالمياً لا يجب أن يقل عن 1700 متر مكعب لكل فرد، وقد ثبت في عام 1995 أنّ هناك 44 دولة في العالم يقل نصيب الفرد فيها من المياه عن هذا المعدل، وأنّ أكثر من نصف هذه الدول يقلّ في الشرق الأوسط وأفريقيا، وقد أدّى نقص المياه في خمس دول من دول الشمال الأفريقي، وهي: مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، والمغرب، إلى أن أصبحت هذه الدول تستورد ثلث احتياجاتها من الحبوب من الخارج بكل ما يمثله ذلك من أعباء مالية وما تتعرّض له بسبب ذلك من ضغوط سياسية أحياناً مشكلة أخرى، وهي أن هناك خمس دول عربية يقع أكثر من نصف مواردها المائية خارج حدودها، حيث تتدفق عليها عبر دول أخرى، وبالتالي تتراجع سيطرتها عليها ويضاعف ذلك من احتمالات نشوب الصراع حولها، فمصر تحصل على 97% من مواردها المائية من خارج حدودها عبر نهر النيل، وموريتانيا 95%، وسوريا 79%، والسودان 77%، والعراق 66%، فأحواض أنهار دجلة والفرات واليرموك هي ميادين الصراع القائمة في الشرق الأوسط والعالم، ولاتحتاج الدراسة إلى جهد كبير للتدليل على ذلك بالشواهد، فالصراع قائم فعلاً في أحواض هذه الأنهار بصور مختلفة، بين دول حوض نهر النيل، حول اتفاقية تقسيم مياهه المبرمة من عام 1959، والتي تطلب بعض دول الحوض إعادة النظر فيها بين دول نهر الأردن: الأردن، إسرائيل، سوريا، لبنان، فلسطين، والتي كانت المياه أحد عناصر الصراع المسلّح العربي الإسرائيلي في هذه المنطقة، وهي الآن، أي المياه، عنصر من أهم عناصر التسوية النهائية الشاملة وبين دول حوض دجلة والفرات: تركيا وسوريا والعراق.

وتكشف الدراسة أنّ المعاهدة الأردنية الإسرائيلية المبرمة عام 1994، واتفاقية الحكم الذاتي الفلسطيني الموقعة في أيلول 1993، قد تطرقتا إلى تنظيم موارد المياه جزئياً، بين كل من الأردن وإسرائيل في الأولى، وإسرائيل والفلسطينيين لأول مرة، أن لهم حقوقاً في المياه الجوفية للضفة الغربية، ونصت اتفاقية الحكم الذاتي على تشكيل لجنة فلسطينية إسرائيلية مشتركة لإدارة المياه في الضفة، فإن الأرقام تؤكد أنّ المستوطنين الإسرائيليين في الضفة يستهلكون أربعه أضعاف ما يستهلكه الفلسطينيون من المياه،

ومع تزايد الهجرة اليهودية والاستيطان سوف تتفاقم مشكلة المياه بالنسبة للفلسطينيين، يضاف إلى ذلك أنّ اتفاقية الحكم الذاتي نصت على أن يحصل الفلسطينيون خلال الفترة الانتقالية على 70 إلى 80 مليون متر مكعب من المياه سنويا، وهذا القدر لا يكاد يغطي فقط الاستهلاك المنزلي للفلسطينيين من المياه، ومع تأخر التسوية النهائية بين الفلسطينيين وإسرائيل وتعثر المفاوضات على المسارين، السوري واللبناني، سيظل حوض نهر الأردن مشكلة تقسيم المياه فيه عنصراً مستقلاً في منطقة لا ينقصها المزيد من عناصر الاشتعال.

يقول الأستاذ محمد أبو الحديد: “إذا كانت الحروب المقبلة ستشتعل حول موارد المياه، فإنّ المؤكد أن السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط هو الطريق الوحيد للوصول إلى تسوية لقضية المياه تضمن من خلال التعاون وحسن النوايا نصيباً عادلاً لكل دولة من دول المنطقة، وتضع من خلال التعاون وحسن النوايا أيضاً ما يلزم من خطط فردية وجماعية لتعظيم هذه الموارد وتنميتها”.

ليفانت – محمد داود داود