حليفتا الرئيس السوري تنتخبانه

عمار ديوب
عمار ديوب

للرئيس السوري أنصاره، والخائفين منه، وأصحاب المصالح، والقانعين بأنّه أنقذهم من حكم “السُنة” لو نجحت الثورة. هؤلاء سينتخبونه، وسيرقصون في “العرس الوطني” وهم يقفون على طوابير الخبز أو الوقود… لساعاتٍ وساعات؛ لا مشكلة في ذلك، المهم ألا يتغيّر السيد الرئيس؛ طبعاً التذمر الاجتماعي يزداد حدّة في مناطق النظام. روسيا أيضاً، وقد اتصل قيصرها بالرئيس السوري لتأكيد أهمية الانتخابات، وكرسالةٍ للعالم، أنّ الانتخابات الرئاسية هذه من أجندة روسيا، وتكملة لمسارات أستانا وسوتشي واللجنة الدستورية وسواها.

أن توافق روسيا على الانتخابات، وربما هي من أعطى إشارة البدء فيها، يعني أن هناك خلافات مستعصية مع أمريكا بخصوص الحل السياسي. لاحظنا ذلك عبر رفضٍ أمريكي وأوروبي لها، بل إن مؤسسات الأمم المتحدة أخذت الموقف ذاته، بحجة أنها تتنافى مع وظيفة اللجنة الدستورية، التي وافق عليها النظام وروسيا. هذا يعني أنّ كافة مخططات روسيا نحو تعويم النظام السوري، في المحيط الإقليمي لسوريا أو عالمياً، لن تفضي إلى نهاية سعيدة. مشكلة الموقف الأمريكي والأوربي والأمم المتحدة، أنه لا يتقدم بخطةٍ لإنهاء الوضع السوري، ويكتفي برفض الخطوات الروسية والاعتراف بها لاحقاً. وبالتالي لن يتغير موقف العالم المتقدم من النظام السوري بعد الانتخابات، وسيظلّ الاعتراف به قائماً. منطقياً، هذا التحليل يقود، ولا سيما بعد عشر سنوات من الثورة والحرب، أن روسيا والحلف المضاد لها متفقان على ضرورة تدمير وتخريب سوريا، والفتك بالسوريين وعلى كافة المستويات، وليس فقط تهجيرهم في جهات الأرض.

أن تشرعن روسيا الانتخابات السورية، ليس نهاية المطاف بالطبع، ويمكن في أية لحظة، وحينما تحصل التسوية الخارجية أن تَسحب شرعنتها؛ الوضع على الأرض يستدعي تلك التسوية، سيما أنّ روسيا ليس من مصلحتها مناوشة أمريكا أو تركيا، وهناك ضغوط مستمرة لفك علاقتها بإيران في سوريا. غياب أفق التسوية، وهذا احتمال ممكن كذلك، يعني أنّ الوضع السوري سيدخل بحالة استنقاع كبيرة، وقد يشهد حراكاً “إرهابياً”، سيما أنّ أمريكا وروسيا خبيرتان فيه، وقد تلجأان إليه لضرب الأخرى في الأراضي السورية، ولأمدٍ طويل، وبذلك تتهالك سوريا أكثر فأكثر.

لن تغيّر الانتخابات شيئاً في موقف الشعب من النظام، وأغلب الظن لن تَنتخب المناطق الواسعة الخارجة عن النظام، لدى فصائل “تركيا” أو هيئة تحرير الشام، وهناك مصاعب شتّى مع الاتحاد الديموقراطي، وقد لا ينتخب “شعب الأخير” الرئيس السوري، وهناك تذمر كبير في درعا والسويداء من سياسات النظام، وعدا ذلك فهناك شعور كبير في أغلبية المدن الواقعة تحت النظام، أن الأوضاع التي حاول النظام تحسين شروط الحياة فيها قليلاً، ستعود إلى ما هو أكثر سوءاً بعد الانتخابات، من انخفاض قيمة العملة وتدهور الأجور وارتفاع في أسعار الوقود من جديد، وهذا يعني جنون الأسعار في الأسواق وزيادة الضرائب، كما جرى منذ بداية 2021.

إنّ الأوضاع العامة في سوريا وصلت إلى ضرورة التسوية، وستزداد سوءاً واستنقاعاً في حال ترسّخت مناطق النفوذ للدول المتدخلة في سوريا. هنا ماذا سيحصل بالبنية الاجتماعية؟ طبعاً لن تتدقرط مجموعات الأمر الواقع، وتأخذ مصالح الشعب هنا وهناك بعين الاعتبار! حيث سيحصل تجذّر أكبر في الانقسامات القومية والطائفية والمناطقية والعائلية وستتراجع العلاقات “الوطنية” والحديثة. تجذّر الانقسامات، سيرافقه انغلاق المناطق الثلاث على ذاتها وتبعيتها للخارج، وستتعفن، وسيزداد الفساد والنهب. التجذّر هذا، لم يعد فعل الداخل السوري، الذي يغيب عنه المشروع الوطني، بل أصبح فعل الخارج، وذلك منذ أن أجمع أغلبية المعنيين بالشأن السوري، أن هذا الشأن أصبح ضمن أوراق الدول الخارجية.

روسيا وإيران بشكل خاص، تنتهجان استراتيجية إبقاء الأوضاع على حالها، ريثما يسيل لعاب الشركات الكبرى للإعمار “النهب” أو تحدث مفاجأة ما، تخفف عنهما العقوبات، ويتم تشريع النظام السوري عالمياً. قطاع ليس بقليل من المحللين يؤكد أن اختلاف المصالح بين الدولتين قائم في سوريا، وهناك استراتيجية أمريكية أوربية تخيّر روسيا بين تسليمها سوريا شريطة ابتعادها عن إيران وطردها من سوريا أو تفشيل كافة مساراتها، ولنقل حدوث استنقاع في مناطق سيطرة النظام إن ظلّت الأوضاع دون حل. الأوضاع حالياً لصالح الاستنقاع وتتفيه كافة العلاقات بين السوريين؛ يحصل لك على أرضية الإفقار الشديد، وغياب الهوية الوطنية، وانهيار قيمي يفكك العلاقات المجتمعيّة وسواها.

سينتخب الروس والإيرانيون والموالون بشار الأسد، ولكن لن يتمكنوا من إعادة تعويمه، ولن تتغير العلاقات بين الخليج وإيران، رغم الإشارات الأخيرة أنّ هناك إمكانية نحو ذلك، حيث تتبادل إيران والسعودية الأحاديث الإعلامية بضرورة إقامة علاقات متوازنة بينهما. لا تمتلك إيران لسوريا مشروعاً خارج التشيّع والتطييف ونهب ثرواتها، وكذلك روسيا، لا تملك مشروعاً آخر خارج السيطرة على سوريا كقاعدة استراتيجية لها في المنطقة والبحر المتوسط والاستيلاء على ثرواتها واقتصادها، كما فعلت عبر الاتفاقيات مع النظام منذ 2015. ما تفعله الدولتان لن يصب في النهاية لصالحهما؛ ولست ممن يَخلد للأفكار السائدة بأنّ التغيير الطائفي في سوريا، أخفض عدد السنة ورفع من أعداد الشيعة والأقليات، وأن أية تسوية لن تغير الوضع العام، وكذلك أن حزب الاتحاد الديموقراطي أصبح حقيقة واقعية، ولن تتغير، وأيضاً أنّ فصائل تركيا وهيئة تحرير الشام لن تشطبا.

ما أراه أن وضع سوريا سيعود إلى سابقه حينما تحصل التسوية، فالتشتت والاستنقاع الحالي يعزّز من بقاء قوى الأمر الواقع، بينما أيّة صفقة ستستفيد منها روسيا خاصة، وهي المرشحة لإدارة شؤون سوريا، وهذا سيفرض عليها شكلاً أوّليّاً من الدقرطة، والهوية الجامعة، ولن تكون خارج سياق شطب قوى الأمر الواقع، وإجراء تغيير كبير في النظام بالضرورة. المقصد هنا، أنّ روسيا لن تستمر في تعويم النظام، أو شرعنة الانتخابات الأبدية التي ستجري بعد حين، فهذا ضد مصلحتها، وكذلك هناك تضخيم بقوى الأمر الواقع بما فيها قوى النظام نفسها!.

سوريا التي ستنتَخب أيها السادة هي سوريا النظام، وسوريا الأخير ليست كذلك إلّا بقوّة الروس والإيرانيين، وهذا سيتغير في أية تسوية قادمة، والأخيرة ستكون في الأعوام القادمة، ومهما قرأنا عن خلافاتٍ كبرى بين الروس والأمريكان.

عمار ديوب

ليفانت – عمار ديوب