تعزيز تقسيم الأمر الواقع

بسام سفر
بسام سفر

يستمرّ النظام السوري بالسعي لتأكيد أنّ لا شيء تغيّر في سوريا منذ تشرين الثاني عام 1970، عبر سلوك انتقائي ينفي الوقائع الجديدة المتراكمة في الحياة السياسية السورية، هذا الأسلوب يعتمد على ما يحتاجه النظام لاستمرار الهيمنة والسيطرة في حكم سوريا، سواء كانت “23” مليون أو 7 مليون سوري، كل ذلك غير معني به.

المهم بالنسبة له الاستمرارية في الحكم بعيداً عن كل الديماغوجيات الشكلية، فالقوة العارية هي الأساس في ممارسة الحكم الذي يرضى ويرغب به، ولغير الراغبين من السوريين، وكل التغيرات تأتي لاحقاً في استمرار الحكم بما يخدم وجوده بحيث لا وجود لقوة سياسية أو هيئة أو حزب أو تكتل قادر على الوصول إلى السلطة في سوريا، بوجوده أو في انتخابات شرعية.

لذلك كان سعي النظام لطلب التدخل من الدول الداعمة له مثل “إيران، روسيا، وميليشيا حزب الله، وغيرها من الميليشيا المأجورة لإيران”. لكن كل هذه القوة العارية غير قادرة على إعطائه شرعية ودستورية يحلم بها منذ الحركة التصحيحية 1970، فكل الدستوريات التي عاش بها هي محطات في مسيرة حكمٍ انقلابي عسكري، اعتمد على انقلاب الثامن من آذار للعام 1963، واستمرّ حتى هذه اللحظات، رغم كل محاولات إصباغ شرعيّة ما على حكم العسكر في سوريا.

وتأتي عدم شرعيّة كل ما يقوم به من لحظات نزع الشرعيّة التي قام بها الشعب السوري ما بعد آذار 2011، وما طلب المساعدة من الدول التي تدخلت إلا للحفاظ على كرسيه، وبذات الوقت هناك العديد من الدول نزعت شرعية استمراره في الحكم ولم تفرض تغيّراً ما، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية والتحالف الغربي، لكنها رفضت نزع هذه الشرعية والدستورية بالقوة كما كان في ليبيا والعراق، وتركت هذا مفتوحاً أمام السوريين الذين طلبوا المساعدة، فأرسلوا كل ضباع العالم إلى الأرض السورية لتصفيتهم عليها، تنظيمات وأفراداً، بحيث تصبح سوريا وأرضها وشعبها جزءاً من فعل الإرهاب العالمي المطلوب تصفيته دولياً على الأرض السورية، وجعل سوريا عبرة لكل طالب ثورة وحق من شعوب المنطقة والعالم.

وبعد النجاح في تصفية الكم الأكبر من الإرهاب والتنظيمات الإرهابية على الأرض السورية، وأخذ الطالح بالصالح في الوضعية السورية، جاء زمن محاولات الدسترة والشرعنة من قبل الدول المتدخلة في سوريا، فالنظام والدول الداعمة له تعتقد أنّ في الاستحقاقات الدستورية التي وضع روزنامتها النظام والأفعال الشكلية للدسترة هي جزء من إعادة الشرعية المفقودة، بعيداً عن الاستحقاقات الأممية والدولية المطلوبة لفتح الملف والقضية السورية أمام طريق وفعل واضح يبدأ من بيان جنيف 2012، إلى القرار الأممي 2254، ويفتح عملية الدسترة والشرعنة على كافة المستويات، ويعيد المهجرين واللاجئين عن طريق قرارات فردية وطوعية آمنة، وعودة الأرض المسيطر عليها من قبل الدول وأدواتها وتنظيماتها المحتلة إلى مسار تسوية سياسية (سورية- سورية) بإشراف أممي وبرعاية دولية تحافظ على وحدة سوريا، أرضاً وشعباً. ويكون لكافة السوريين رأي سياسي مشارك وحضور واضح في العملية التفاوضية والسياسية التي تشرف عليها الجهات الأممية.

إنّ ما يقوم به النظام من محاولات دسترة وشرعنة وجوده فقط من خلال انتخابات مجلس الشعب السابقة والرئاسية خلال هذا الشهر، قد يدفع القوى والتنظيمات والأطراف المدعومة إقليمياً نحو حالة استعصاء بدأها هو على مستوى الفعل الدستوري والعمل التفاوضي نحو إعلان دسترة وشرعنة وهيمنة في المناطق الخارجة عن سيطرته وحلفائه، تنتهي بفعل دسترة وشرعنة وهيمنه أمر واقع يعيد إنتاج تقسيم البلاد وفق ذات المنطق المقر في الأمر الواقع السوري المقسم إلى مناطق ذات نفوذ تركبت في بعد رباعي الأبعاد (النظام ومن يدعمه)، (إدلب والاحتلال التركي)، (الاحتلال الأمريكي الذي يسعى لتعزيز حضور الإدارة الذاتية)، إلى جانب هيمنة مجال (عسكري- جوي) مفتوح في الجولان المحتل لكيان الاغتصاب الصهيوني، ويمتد نحو محاصرة الوجود الإيراني على الأرض السورية.

إن الاستعصاء الذي فرضه النظام في اللجنة الدستورية والعملية التفاوضية منذ فترة زمنية طويلة قد يدفع الطرف الائتلافي بالتنسيق مع المحتل التركي نحو تنظيم انتخابات خاصة به، تبدأ بفرض أمر واقع جديد يسعى إلى دسترة وشرعنة الوجود السياسي الائتلافي كأمر واقع بخاصية تقسيمه، خلفها ضيق أفق (سياسي- وأمر واقع هيمني)، خصيصاً إذا لاحظنا في المرحلة السابقة من سعي رئيس الائتلاف، نصر الحريري، لتشكيل مفوضية عليا خاصة بالانتخابات وفق مسعى إقليمي قاومته بقية (أطراف هيئة التفاوض والمعارضة السورية) لمنع واقع سياسي يعتمد على ركائز إقليمية تثبت وجود المحتل التركي وتكرّس تقسيم الأمر الواقع الذي لا يخدم العملية التفاوضية السياسية الدستورية القائمة، رغم بطء مسارها الإنجازي.

وما المحاولة الرسمية في إعادة قطر نحو الفعل في القضية والملف السوري سوى خطوة لقراءة جديدة روسية تعتمد على التحوّل نحو الدعم القطري بدلاً من الدعم الإيراني الذي استنزف بعد عشر سنوات من التدخل الواضح، وهذا قد يخدم الواقع (السياسي والخدمي) الجديد الذي ترغبه تركيا وتغض البصر عنه روسيا حالياً، لتمرير زمن فيه روسيا ودبلوماسيتها قادرة على فرض معطيات سياسية جديدة، تعزيز زمن دسترة وشرعنة استمرارية وجود النظام بهيكليته الحالية، مع دسترة وشرعنة للائتلاف كما ترغب تركيا، بالمقابل يستمر الاحتلال في تقديم الغطاء لوجوده في سوريا من بوابة محاربة الإرهاب الداعشي.

لكن في ظل هذه الوقائع، تبقى قضيتي الحوار والنقاش والجدل السوري- السوري على الطاولة المفتاح الأساس لحل كل القضايا الخلافية، سواء كانت برعاية أممية، كما في مسار جنيف، التفاوض والدستورية، أو كما تطالب به أطراف سورية- سورية في الإدارة الذاتية مع كافة الأطراف السورية أو في هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغير الديمقراطي أو في منصة موسكو أو القاهرة أو في المجلس الوطني الكردي.

إن العملية السياسية التفاوضية والدستورية تحتاج إلى فعل ضغط دبلوماسي دولي قادر على تحويل جولات الدستورية الجديدة، خصيصاً الجولة السادسة منها، إلى محطة دستورية حقيقية قادرة على إنجاز نصف بنود الدستور السوري، لكي تستعيد اللجنة الدستورية المصغرة الثقة بذاتها وقدرتها على التقدّم نحو إنجاز دستوري واضح يضع الدستور الجديد على سكة إنجاز التفاوض السياسي، وتفتح سلالاً جديدة، منها سلة البيئة الآمنة، لكي لا تقوم الأطراف المشاركة في الدستورية والتفاوضية بالدفع نحو دسترة وشرعنة خاصة ترسم التقسيم الواقعي الحاصل، وتجعل من وحدة سوريا، أرضاً وشعباً، حلماً بعيد المنال.

فكلما طالت وتباعدت الإنجازات في العملية الدستورية والتفاوضية، يكون الفعل الترسيمي للواقع المقسم هو الأقرب إلى الحياة الواقعية، وليس الأماني والآمال التي تعلق مساراتها على الرغبات والأحلام الوطنية البعيدة عن الواقعية السياسية القائمة على تراكم الأفعال، بحيث تجعل من استمرار وحدة سوريا جزءاً من الفعل السياسي الواقعي، لا جزءاً من التنظير الذي لا يرتكز إلى قراءة واقعية جديدة.

وأمام هذه الوقائع العنيدة في الحياة السياسية السورية، المطلوب وطنياً على صعيد الفعل المعارض فتح جميع مسارات الحوارات المعارضة، والابتعاد عن التمترس أمام مقولات وأوهام غير موجودة إلا في العقول، والسعي الاستعدادي إلى حوارات وأفعال مارثونية تخدم العملية الوطنية المعارضة نحو انتقال سياسي قابل وقادر على الحياة لكي يعيد لسوريا هويتها الوطنية والديمقراطية والإنسانية نحو وجود فعلي لكل السوريين في مسارات الحل السياسي التفاوض الدستوري الذي ينهي الديكتاتورية ويضع سوريا وشعبها على سكة الإنجاز الوطني الديمقراطي القابل للحياة، فهل يتعظ السوريون مما حدث مع غيرهم من القوى السياسية العربية الليبية واليمنية والعراقية في أسلوب وطريقة إنجاز حل سياسي ديمقراطي وطني يبعد البلاد عن مزيد من أنهار الدماء التي سالت على أرض تلك البلدان العربية، ويبعد سوريا عن جولات حروب دموية تعيد سوريا إلى المربع الأول في استرجاعها كبلد ودولة قابلة للحياة بدون تقسيم؟.

بسام سفر

ليفانت – بسام سفر