تركيا والاختناق السياسي والاقتصادي

خالد الزعتر
خالد الزعتر

يعيش الاقتصاد التركي أزمة مركبة تعود لعدة أسباب، أبرزها تراجع سعر صرف العملة والتضخم بنسبة مرتفعة وتبعات جائحة كورنا، ولكن هذه الأزمة الاقتصادية الخانقة والمتصاعدة تعود جذورها لمرحلة الربيع العربي، حيث انتهجت تركيا سياسة الانقلاب على استراتيجية تصفير المشكلات مع دول الجوار، وتبنّت سياسات تصادمية مع دول الثقل العربي، السعودية ومصر، وهو ما قاد بلا شك إلى التأثير على الاقتصاد التركي وكبده الكثير من الخسائر، خاصة وأنّ الرياض والقاهرة تحتلان مكانة مهمة في العقلية الاقتصادية التركية منذ العام 2002. تركيا 

لو عدنا للخلف، وبالتحديد مع صعود حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، نجد أنّه تولّى قيادة الأمور في تركيا وسط أزمة اقتصادية خانقة، تعود جذورها إلى بداية التسعينات، وكانت تركيا تفتقد لوجود رأس مال جيد، وهو ما قاد إلى إدخال الاقتصاد التركي في مرحلة من الركود بشكل كبير، ولكن الاستراتيجية التي انتهجها حزب العدالة والتنمية بالعمل على تصفير المشكلات مع دول الجوار وتعزيز علاقات أنقره مع الدول العربية كان لها انعكاس جيد على إعادة الحيوية للاقتصاد التركي.  

ولكن جاءت مرحلة الربيع العربي وحدث تغيير جذري في استراتيجيات تركيا الخارجية، حيث سعى النظام التركي إلى تصدير طموحاته التوسعية إلى الواجهة، بتكثيف الدعم لجماعة الإخوان للوصول للسلطة في دول الربيع العربي، وبرغم فشل هذه الاستراتيجيات التي سقطت بثورة الـ30 من يونيو، أصرّ النظام التركي على التصادم مع دول الثقل العربي، السعودية ومصر، وبالتالي نجد أنّ الأزمة الاقتصادية التي تغرق فيها تركيا هي نتيجة حسابات سياسية خاطئة وطموحات توسعيّة فاشلة، ولكن ما أدّى لتعقيد الأمور أكثر هو الإصرار من قبل النظام التركي على مواصلة تنفيذ حسابات السياسية الخاطئة، وذلك برغم الأجواء الملبدة بالاختناق الاقتصادي في تركيا.

وصل النظام التركي، الذي بات يعيش في عزلة سياسية لا تختلف عن العزلة التي يعيشها النظام الإيراني، إلى أن المخرج الوحيد للخروج من حالة الاختناق السياسي والاقتصادي يكون عبر تصدير استراتيجيات بدايات الألفية إلى الواجهة والقائمة على “تصفير المشكلات مع دول الجوار”، ولكن الظروف اليوم تختلف كثيراً عن ظروف العام 2002، بخاصة وأنّ تركيا سعت للانزلاق إلى مستويات عالية من العداء والتصادم مع دول الجوار (السعودية ومصر، سواء بالتشكيك بشرعية النظام المصري، أو التوظيف السياسي لقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي)، وبالتالي تبقى جهود تركيا لتفكيك تعقيدات العلاقات مع هذه الدول أمراً صعباً للغاية ويحتاج الكثير من الوقت من أجل العمل على بناء الثقة السياسية، بخاصة وأنّ أنقره انزلقت كثيراً في طموحات أردوغان وأصبح الطريق نحو العودة ليس من السهولة بالإمكان العمل على تحقيقه وترجمته لواقع.

وبالتالي تحاول تركيا خلق طريق العودة وبناء الثقة عبر كتابة “ورقة الطلاق” مع الجماعة الإخوانيّة، وهي محاولة إيجاد مخرج من حالة العزلة المتصاعدة التي تعيشها تركيا، والأزمات الاقتصاديّة والسياسيّة التي باتت تعيش تحت وطأتها، وبالتالي وجد أردوغان بأنّه لا سبيل من إصلاح علاقات تركيا مع دول الثقل في المنطقة، وهي (السعودية ومصر)، وبالتالي يقدّم الإخوان قرباناً للخروج من حالة التدهور السياسي والاقتصادي التي تعيشها تركيا، وبالتالي فهنا تؤكد تركيا بأنّها ليست ندّاً للدول ذات الثقل في المنطقة حتى تستمرّ في التصادم معهم، وأيضاً هذه الخطوة التركية بالطلاق من الإخوان، هو اعتراف بأنّ بناء سياسات تركيا في الفترة السابقة “بالرهان على الإخوان” جعلها تدفع فاتورة سياسية واقتصادية باهظة جداً. 

لكن “ورقة الطلاق” بين تركيا والإخوان لم تعد هي المخرج الرئيس الذي تعتقد تركيا أنّه سيقود إلى إعادة موضعها كما كانت ماقبل مرحلة الربيع العربي، ولعلّ المتابع لطريقة التعاطي المصري مع هذه التنازلات التي تقدمها تركيا يجد أنّ القاهرة لديها إصرار أكثر على تحجيم دور أنقره في المنطقة، وبخاصة في الملف الليبي، ومن هنا فإنّ سياسات أردوغان التي قادت تركيا لتعيش اختناقاً سياسياً واقتصادياً تفرض على تركيا أن تقدم الكثير من التنازلات التي لا تتوقف على العلاقة مع الإخوان، بل تطال الخروج من ملفات المنطقة، وفي النهاية ستجد تركيا نفسها مجبرة على تنفيذ ذلك، بخاصة وأنها لا تمتلك الكثير من الخيارات وتواجه ضغطاً شعبياً داخلياً بسبب حالة التدهور الاقتصادي. تركيا 

خالد الزعتر
ليفانت – خالد الزعتر  ليفانت