انتفاضة المقدسيين وذكرى “نكبة” فلسطين

طارق عزيزة
طارق عزيزة

تتصاعد وتيرة الاحتجاجات الشعبية في الأراضي الفلسطينية وفي القدس على نحو خاصّ، على خلفية الأحداث التي يشهدها حي الشيخ جرّاح في القدس الشرقية، فيما تعمل السلطات الإسرائيلية على قمع المحتجين السلميين بالقوة، مما أدى لإصابة واعتقال أعداد كبيرة منهم. على هامش المشهد، يبدو أن حملات التضامن على مواقع التواصل الاجتماعي مع الفلسطينيين وانتفاضتهم الشجاعة في وجه الانتهاكات الإسرائيلية، لم ترُق لبعض من يرون في إسرائيل “واحة للعدالة والديمقراطية”، ممن لم يكلّفوا أنفسهم عناء التساؤل: أيّ “ديمقراطية وعدالة” هذه التي تتشدّق بها دولة تحتل أراضي الغير، وتنتهك حقوقهم ليلاً نهاراً؟

هذا يبيّن إحدى أهمّ الخدمات التي قدّمتها أنظمة الاستبداد العربية لإسرائيل. فهي بوصفها أنظمة فاجرة وقحة في توحّشها، ولا تأبه لشكلها وصورتها أمام العالم، أعطت “أفضلية” نسبية لإسرائيل التي تحرص على توضيب انتهاكاتها في أطر قانونية مخادعة. ويمكن القول، إنّ تغطية الانتهاكات بالقوانين وعبر مسارات وإجراءات “العدالة الإسرائيلية”، يساعد المعجبين بإسرائيل على دعم موقفهم المضلَّل والمضلِّل، عبر حصر المسألة في “نزاع قانوني” بين عائلات فلسطينية وجمعيات يهودية حول ملكية عقارات، والقرارات الصادرة عن القضاء الإسرائيلي بطرد الفلسطينيين المعنيين من بيوتهم بقوّة القانون الإسرائيلي!

لا جديد في القول، إنّ سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وإجراءاتها على الأرض تتناقض مع موقف “الشرعية الدولية” من مسألة “الصراع العربي – الإسرائيلي”، وهو موقف واضح صاغته وعبّرت عنه عشرات القرارات الأممية ذات الصلة، سواء الصادرة عن مجلس الأمن الدولي، أو الجمعية العامة للأمم المتحدة. على ذلك، كان من المنطقي دعوة مجلس الأمن للاجتماع وبحث التطوّرات الأخيرة، وأن يعبّر الأمين العام للأمم المتحدة “عن قلقه العميق إزاء استمرار العنف في القدس الشرقية المحتلة وأيضاً إزاء احتمال طرد عائلات فلسطينية من ديارها”، وأن يحثّ السلطات الإسرائيلية على وقف عمليات الطرد والهدم.

على مستوى آخر، لنتذكّر، ونحن على مشارف الذكرى الثالثة والسبعين لـ”النكبة”، أنّ سيرة القضية الفلسطينية ومآلاتها هي تجسيد لسيرورة انحدارٍ وتقهقرٍ عربيٍّ سبقت الهزيمة الكبرى، المتمثّلةً في ضياع فلسطين وإعلان قيام “دولة إسرائيل” عام 1948، ويبدو أنّ نهاية سيرورة الانحدار هذه ما زالت بعيدة. فالثابت تاريخياً وما يتأكّد مجدّداً، أنّ قوّة إسرائيل لم تكن وحدها العامل الحاسم في نجاح مشروعها على أرض فلسطين، بقدر ما يعود الفضل الأكبر في نجاحه إلى تردّي أحوال العرب، وهو ما أدركه جيّداً مؤسسو إسرائيل وخلفاؤهم.

يروى أنّ (ديفيد بن غوريون) أول رئيس إسرائيلي، قال في خطاب له أمام ضبّاطه بعد توقيع آخر اتفاقيّات الهدنة مع العرب عام 1949: “إنّ ما تحقّق لنا نصر تاريخيّ عظيم للشعب اليهوديّ كلّه، كان أكبر ممّا تصوّرناه وتوقّعناه. ولكن إذا كنتم تعتقدون أنّ هذا النصر قد تحقّق بفضل عبقريّاتكم وذكائكم فإنّكم على خطأ كبير. إنّي أحذّركم من مخادعة أنفسكم. لقد تمّ لنا ذلك لأنّ أعداءنا يعيشون حالة مزرية من التفسّخ والفساد والانحلال”. كان (بن غوريون) محقّاً في تحذيره، والأجيال التي تلته لم تكتفِ بنشوة التفوق الناتج عن ضعف الخصم، وإنما شرعت في عملية تحديث وتصنيع شاملة، الأمر الذي مكّن إسرائيل من احتلال مواقع متقدّمة عالميّاً في البحث العلمي وفي الصناعات والتقنيّات المتطورة، عدا عن المنافسة في سوق السلاح، وامتلاك التكنولوجيا النووية.

في المقابل، ماذا فعل العرب؟ الهزائم المتلاحقة أمام إسرائيل تقدّم الجواب. فهزيمة الخامس من حزيران (يونيو) 1967، مثلاً، كانت بمثابة “فاتورة” أو “كشف حساب” لما أُنجز خلال عقدين أعقبا هزيمة 1948، وفق تعبير المفكر الراحل (ياسين الحافظ). وعلى المنوال نفسه جاء “الانتصار” في حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973 مكلّلاً بمشاريع التسوية غير المتكافئة ولا العادلة، وكذلك الحال عند اجتياح لبنان عام 1982… وهلم جرا.

إنّ استنقاع الأحوال العربية في التفسّخ والفساد والانحلال هو ما جعل من الهزيمة المستمرة أمام إسرائيل لا مجرّد هزيمة سياسية وعسكرية تخصّ أنظمة الحكم القائمة فحسب، وإنّما هزيمة شاملة للمجتمعات التي أنتجت وتنتج السطح السياسي والنخب والأيديولوجيات التي هيمنت، وما تزال تهيمن بأوجه مختلفة، على المجتمعات العربية. وهي إذ تحصّن نفسها ضدّ النقد عبر القمع وضجيج الشعارات القومية والدينية الموشّحة بالقداسة، تعاود إنتاج الخسارات والأوهام، ملقيةً بشعوبها على هامش التاريخ. وبالتالي، فإنّ ما حصل ويحصل لفلسطين وفيها وباسمها، هو أحد تجلّيات حالة التأخّر التاريخي للعرب، بما يعنيه من انحطاط حضاري على المستويات كافة.

وبالنظر إلى استمرار عصر انحدار الشعوب العربية، فإنّ البشائر والآمال التي تراءت مع انطلاق ثورات “الربيع العربي”، ذهبت أدراج الرياح، ولم تكن الحصيلة سوى مزيد من التعفّن والاحتضار، وأنظمة القمع المهزومة، أمّ الهزائم وابنتها، تواصل مسيرة “انتصاراتها”.. لكن على شعوبها فقط.

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة