النهضة والرئيس.. جدران سميكة تفصل بين الغنوشي وسعيد

رامي شفيق
رامي شفيق

تصاعد منسوب التوتر في تونس مع إقرار مجلس نواب القراءة الثانية لقانون المحكمة الدستورية، إثر ردّه من مؤسسة الرئاسة اعتراضاً على عدم قانونية تنقيحات البرلمان، وكونها وقعت بعد الآجال الدستورية، وذلك عبر التناقض في شرح النص الدستوري المتعلق بالمحكمة.

إذ تسعى حركة النهضة (فرع تنظيم الإخوان في تونس) نحو تعيين الرئيس قيس سعيد في حيّز تعطيل المسار الدستوري، بتكرار اعتراضه وتأخير المصادقة على التعديلات المقترحة. وهو الأمر الذي يجعل تونس في مواجهة مستمرة بين المؤسسات السياسية، كما يضعها، بنفس الدرجة، في إطار منحدر خطر، لا سيما في ظل اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية، جرّاء تداعيات فيروس كورونا المستجد.

صدق البرلمان التونسي على مشروع قانون المحكمة الدستورية بمائة وواحد وأربعين نائباً، مقابل عشرة متحفظين وخمسة عشر معترضاً، وتباينت كلمات النواب بحسب توجهاتهم السياسية، حيث ركز نواب النهضة وحزامهم البرلماني نحو توجيه الانتقادات للرئيس قيس سعيد. إذ قال النائب عن ائتلاف الكرامة، محمد العفاس: “هل نتعامل مع رئيس جمهورية ضامن لوحدة التراب التونسي، أم مع قائد انقلاب؟”. بينما رد عليه هيكل المكي، النائب عن حركة الشعب، بوصف كتلة ائتلاف الكرامة بـأنّها تمارس “الإرهاب”، وأنهم يدعمون تسفير التونسيين لبؤر التوتر.

واعتبرت سامية عبو، النائب عن الكتلة الديمقراطية، أنّ البرلمان لا يريد المصادقة على المحكمة الدستورية، بل يريد المصادقة على أزمة جديدة، ومن ثم، فمجلس النواب هو من يتحمل مسؤولية هذا التأخير. وقد طالب النائب المستقل، منجي الرحوي، بحلّ البرلمان وإجراء انتخابات برلمانية جديدة، معتبراً أنّ البرلمان أضحى عبئاً على البلاد، وعلى التونسيين التحرّك والضغط بغية حلّه وإعادة الانتخابات البرلمانية.

ينبغي قراءة واقع الصراع بين حركة النهضة وحزامها البرلماني الذي يحوز على أغلبية برلمانية، من جهة، ومؤسسة الرئاسة، من جهة أخرى، وذلك في ما يتصل بقانون المحكمة الدستورية، من خلال تحرك النهضة التي تهدف بشكل محموم إلى الهيمنة والتمكين والاستحواذ على مخرجات القرار السياسي، وبالتبعية، جمع وظائف مؤسسة الرئاسة في قبضتها، إذ إنّها تواصل سعيها لاغتنام تلك الجولة عبر عدد من التعديلات التي حظت بمصادقة البرلمان. وفي المحصلة التغوّل على صلاحيات الرئيس والضغط عليه للدرجة التي تمكنها في ذلك الحين من الهيمنة على الفضاء السياسي في تونس.

يندرج ذلك في حقيقة الأمر عند قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية، مثل إعفاء رئيس الجمهورية، وفضّ بعض التزامات المهام بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، باعتبار أنّ ذلك من المهام المخوّلة للمحكمة الدستورية، ما دفع الرئيس التونسي نحو القول بأنّه يرفض أي تشكيل للمحكمة الدستورية ينتخبه مجلس النواب، فضلاً عن حديثه الذي كرره، غير مرة، خلال الأيام الماضية، عندما شارك الجنود المرابطين في جبل الشعباني إفطارهم، وصرّح قائلاً: “جئت إلى هذا المكان لأنّنا لا نقابل التحدّي إلا بالتحدي وبالانتصار مهما كان وعزيمتكم ستنكسر عليها كل محاولات ضرب الدولة التونسيّة”.

وأضاف سعيد «نحن لا نخاف الإرهاب ولا نخاف الموت ورؤوسنا مرفوعة ونحن لا نخاف هؤلاء الذين يتحركون تحت جنح الظلام. وأضاف الرئيس التونسي  في خطابه أمام الجنود: “سنتصدى لمن يختفون بالجبال ولمن يزودهم بالمؤنة والمعلومات، وهناك رئيس واحد للقوات المسلحة العسكرية والمدنية، ومن يفكر أنّه سيفكك الدولة سيصطدم بنفس العزيمة”.  ولفت إلى أنّ “الخطر الحقيقي على الدولة ليس الإرهاب بل مَن يحاول تقسيم الدولة”.

من الصعوبة بمكان، قراءة تلك التصريحات التي تكررت أكثر من مرة بكلمات وجمل متباينة بينما تحمل المضامين ذاتها، بعيداً عن فهم الرئيس التونسي لماهية وطبيعة وأهداف الصراع مع النهضة ومكوناتها السياسية وحلفائها، وكذا خبيئة توجهات الحركة الإسلاموية في إحكام قبضتها على المشهد السياسي وممارسة أقصى درجات الضغط والتأثير على شخص الرئيس، وتصويره في زاوية ديكتاتور يرغب في الانفراد بالقرار السياسي، وتحوير التوجه الدستوري في تونس لصالح مؤسسة الرئاسة، رغم أنّ كافة مؤشرات الحركة، في السنوات الأخيرة، تشي بكثير من أهداف التمكين التي تسعى من خلالها حركة النهضة لممارسة دور أكبر وأعمق في الحياة السياسية، سواء كان ذلك بتحركات إقليمية لرئيس البرلمان، زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، ومروراً بتحالفها المتكرر مع الحكومات المتعاقبة، وانتهاء بالتصريحات السياسية التي تتناقض مع توجهات وزارة الخارجية التونسية التي تقع مسؤوليتها المباشرة عند الرئيس والرئيس فقط بموجب الدستور.

تأسيساً على هذا الواقع المأزوم، سياسياً، في تونس، تذهب بعض آراء القانونيين والدستوريين إلى أن البرلمان بتصديقه على القراءة الثانية قد وضع الرئيس في ورطة قانونية ودستورية؛ إذ أضحت الرئاسة أمام احتمالين لا ثالث لهما، وهما أن يختم الرئيس بالموافقة على هذه التعديلات أو رفض الختم والإذن بالنشر، ما يضع قيس سعيد في محظور خرق الدستور.

 بيد أن ثمة اشتباكات واجبة وضرورية مع هذين الفرضين، حيث إن الأمر لا يمكن حصره في جانبه القانوني والدستوري، لأنّه، بطبيعة الحال، يتجاوز ذلك، ويستقر عند حدود وأطراف الصراع السياسي القائم، كما أنه يتم توظيف المظهر الدستوري ورهن الوضع السياسي من خلاله، دون الوضع في الاعتبار أنّ المحكمة الدستورية معطلة منذ سبع سنوات تقريباً.

نقطة أخرى في هذا المجال لا ينبغي تفويتها، وهي أنّ الرئيس التونسي أستاذ قانون دستوري ويدرك جيداً ماهية التأويلات الدستورية وحقيقة تمركزها في الفضاء السياسي التونسي، ما بدا واضحاً في خطابه إلى مجلس النواب، حين رد مشروع القانون أول مرة، وكتب خلال ذلك قائلاً: “نرد  إليكم هذا القانون ولن يتم القبول بالختم إلا بعد تحققنا من تغليب أحكام الدستور ومن كان مقصده غير هذا فليعلم أنّ حججنا واضحة جلية وأن مواقفنا ثابتة قوية وإرادتنا في ضمان علوية الدستور وحقوق شعبنا صادقة خالصة سوية”.

حركة النهضة تعي جيداً أنّ التجاذب حول قانون المحكمة الدستورية، لن يمر بسهولة، وتدرك أيضاً أنّ طاقة الصبر عند التونسيين أوشكت على النفاذ، ويستقر يقينها أن جميع مفردات العمل السياسي في تونس من أحزاب وبرلمان وحكومة ومؤسسة الرئاسة أمام جدار صلب لا يصح الاندفاع نحوه، لا سيما وأنّ أزمة تأدية بعض وزراء حكومة هشام المشيشي لم تنتهِ بعد.

ولهذا تعمل النهضة وحزامها البرلماني والسياسي نحو دفع الأمور في عمق الهاوية حتى يستجيب الرئيس للجلوس معهم على طاولة المفاوضات، وحينها خلف الأبواب المغلقة، يتم الاتفاق على آلية العمل المشتركة فيما بينهما، في ظل الدلالات الرمزية التي حملتها الزيارة الرسمية للرئيس قيس سعيد إلى القاهرة، بينما توجه السيد راشد الغنوشي نحو  قطر في زيارة غير معلنة، بحسب وسائل إعلام تونسيّة محلية.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

تصاعد منسوب التوتر في تونس مع إقرار مجلس نواب القراءة الثانية لقانون المحكمة الدستورية، إثر ردّه من مؤسسة الرئاسة اعتراضاً على عدم قانونية تنقيحات البرلمان، وكونها وقعت بعد الآجال الدستورية، وذلك عبر التناقض في شرح النص الدستوري المتعلق بالمحكمة.

إذ تسعى حركة النهضة (فرع تنظيم الإخوان في تونس) نحو تعيين الرئيس قيس سعيد في حيّز تعطيل المسار الدستوري، بتكرار اعتراضه وتأخير المصادقة على التعديلات المقترحة. وهو الأمر الذي يجعل تونس في مواجهة مستمرة بين المؤسسات السياسية، كما يضعها، بنفس الدرجة، في إطار منحدر خطر، لا سيما في ظل اضطراب الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والصحية، جرّاء تداعيات فيروس كورونا المستجد.

صدق البرلمان التونسي على مشروع قانون المحكمة الدستورية بمائة وواحد وأربعين نائباً، مقابل عشرة متحفظين وخمسة عشر معترضاً، وتباينت كلمات النواب بحسب توجهاتهم السياسية، حيث ركز نواب النهضة وحزامهم البرلماني نحو توجيه الانتقادات للرئيس قيس سعيد. إذ قال النائب عن ائتلاف الكرامة، محمد العفاس: “هل نتعامل مع رئيس جمهورية ضامن لوحدة التراب التونسي، أم مع قائد انقلاب؟”. بينما رد عليه هيكل المكي، النائب عن حركة الشعب، بوصف كتلة ائتلاف الكرامة بـأنّها تمارس “الإرهاب”، وأنهم يدعمون تسفير التونسيين لبؤر التوتر.

واعتبرت سامية عبو، النائب عن الكتلة الديمقراطية، أنّ البرلمان لا يريد المصادقة على المحكمة الدستورية، بل يريد المصادقة على أزمة جديدة، ومن ثم، فمجلس النواب هو من يتحمل مسؤولية هذا التأخير. وقد طالب النائب المستقل، منجي الرحوي، بحلّ البرلمان وإجراء انتخابات برلمانية جديدة، معتبراً أنّ البرلمان أضحى عبئاً على البلاد، وعلى التونسيين التحرّك والضغط بغية حلّه وإعادة الانتخابات البرلمانية.

ينبغي قراءة واقع الصراع بين حركة النهضة وحزامها البرلماني الذي يحوز على أغلبية برلمانية، من جهة، ومؤسسة الرئاسة، من جهة أخرى، وذلك في ما يتصل بقانون المحكمة الدستورية، من خلال تحرك النهضة التي تهدف بشكل محموم إلى الهيمنة والتمكين والاستحواذ على مخرجات القرار السياسي، وبالتبعية، جمع وظائف مؤسسة الرئاسة في قبضتها، إذ إنّها تواصل سعيها لاغتنام تلك الجولة عبر عدد من التعديلات التي حظت بمصادقة البرلمان. وفي المحصلة التغوّل على صلاحيات الرئيس والضغط عليه للدرجة التي تمكنها في ذلك الحين من الهيمنة على الفضاء السياسي في تونس.

يندرج ذلك في حقيقة الأمر عند قدرتها على اتخاذ قرارات حاسمة ومصيرية، مثل إعفاء رئيس الجمهورية، وفضّ بعض التزامات المهام بين رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية، باعتبار أنّ ذلك من المهام المخوّلة للمحكمة الدستورية، ما دفع الرئيس التونسي نحو القول بأنّه يرفض أي تشكيل للمحكمة الدستورية ينتخبه مجلس النواب، فضلاً عن حديثه الذي كرره، غير مرة، خلال الأيام الماضية، عندما شارك الجنود المرابطين في جبل الشعباني إفطارهم، وصرّح قائلاً: “جئت إلى هذا المكان لأنّنا لا نقابل التحدّي إلا بالتحدي وبالانتصار مهما كان وعزيمتكم ستنكسر عليها كل محاولات ضرب الدولة التونسيّة”.

وأضاف سعيد «نحن لا نخاف الإرهاب ولا نخاف الموت ورؤوسنا مرفوعة ونحن لا نخاف هؤلاء الذين يتحركون تحت جنح الظلام. وأضاف الرئيس التونسي  في خطابه أمام الجنود: “سنتصدى لمن يختفون بالجبال ولمن يزودهم بالمؤنة والمعلومات، وهناك رئيس واحد للقوات المسلحة العسكرية والمدنية، ومن يفكر أنّه سيفكك الدولة سيصطدم بنفس العزيمة”.  ولفت إلى أنّ “الخطر الحقيقي على الدولة ليس الإرهاب بل مَن يحاول تقسيم الدولة”.

من الصعوبة بمكان، قراءة تلك التصريحات التي تكررت أكثر من مرة بكلمات وجمل متباينة بينما تحمل المضامين ذاتها، بعيداً عن فهم الرئيس التونسي لماهية وطبيعة وأهداف الصراع مع النهضة ومكوناتها السياسية وحلفائها، وكذا خبيئة توجهات الحركة الإسلاموية في إحكام قبضتها على المشهد السياسي وممارسة أقصى درجات الضغط والتأثير على شخص الرئيس، وتصويره في زاوية ديكتاتور يرغب في الانفراد بالقرار السياسي، وتحوير التوجه الدستوري في تونس لصالح مؤسسة الرئاسة، رغم أنّ كافة مؤشرات الحركة، في السنوات الأخيرة، تشي بكثير من أهداف التمكين التي تسعى من خلالها حركة النهضة لممارسة دور أكبر وأعمق في الحياة السياسية، سواء كان ذلك بتحركات إقليمية لرئيس البرلمان، زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، ومروراً بتحالفها المتكرر مع الحكومات المتعاقبة، وانتهاء بالتصريحات السياسية التي تتناقض مع توجهات وزارة الخارجية التونسية التي تقع مسؤوليتها المباشرة عند الرئيس والرئيس فقط بموجب الدستور.

تأسيساً على هذا الواقع المأزوم، سياسياً، في تونس، تذهب بعض آراء القانونيين والدستوريين إلى أن البرلمان بتصديقه على القراءة الثانية قد وضع الرئيس في ورطة قانونية ودستورية؛ إذ أضحت الرئاسة أمام احتمالين لا ثالث لهما، وهما أن يختم الرئيس بالموافقة على هذه التعديلات أو رفض الختم والإذن بالنشر، ما يضع قيس سعيد في محظور خرق الدستور.

 بيد أن ثمة اشتباكات واجبة وضرورية مع هذين الفرضين، حيث إن الأمر لا يمكن حصره في جانبه القانوني والدستوري، لأنّه، بطبيعة الحال، يتجاوز ذلك، ويستقر عند حدود وأطراف الصراع السياسي القائم، كما أنه يتم توظيف المظهر الدستوري ورهن الوضع السياسي من خلاله، دون الوضع في الاعتبار أنّ المحكمة الدستورية معطلة منذ سبع سنوات تقريباً.

نقطة أخرى في هذا المجال لا ينبغي تفويتها، وهي أنّ الرئيس التونسي أستاذ قانون دستوري ويدرك جيداً ماهية التأويلات الدستورية وحقيقة تمركزها في الفضاء السياسي التونسي، ما بدا واضحاً في خطابه إلى مجلس النواب، حين رد مشروع القانون أول مرة، وكتب خلال ذلك قائلاً: “نرد  إليكم هذا القانون ولن يتم القبول بالختم إلا بعد تحققنا من تغليب أحكام الدستور ومن كان مقصده غير هذا فليعلم أنّ حججنا واضحة جلية وأن مواقفنا ثابتة قوية وإرادتنا في ضمان علوية الدستور وحقوق شعبنا صادقة خالصة سوية”.

حركة النهضة تعي جيداً أنّ التجاذب حول قانون المحكمة الدستورية، لن يمر بسهولة، وتدرك أيضاً أنّ طاقة الصبر عند التونسيين أوشكت على النفاذ، ويستقر يقينها أن جميع مفردات العمل السياسي في تونس من أحزاب وبرلمان وحكومة ومؤسسة الرئاسة أمام جدار صلب لا يصح الاندفاع نحوه، لا سيما وأنّ أزمة تأدية بعض وزراء حكومة هشام المشيشي لم تنتهِ بعد.

ولهذا تعمل النهضة وحزامها البرلماني والسياسي نحو دفع الأمور في عمق الهاوية حتى يستجيب الرئيس للجلوس معهم على طاولة المفاوضات، وحينها خلف الأبواب المغلقة، يتم الاتفاق على آلية العمل المشتركة فيما بينهما، في ظل الدلالات الرمزية التي حملتها الزيارة الرسمية للرئيس قيس سعيد إلى القاهرة، بينما توجه السيد راشد الغنوشي نحو  قطر في زيارة غير معلنة، بحسب وسائل إعلام تونسيّة محلية.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit