النسر العجوز لن يطير من العش

تغيّرت العلاقة المميزة والتي سجلها التاريخ بين دول الحلفاء بعد دخولها متحدة في حربها ضد دول المحور أثناء الحرب العالمية الثانية لمواجهة الخطر النازي لتعيش بعدها العلاقات الأمريكية الروسية وما بينها من الأزرار النووية خطوط متعرجة من السلامة الدولية وحافات الهاوية عن طريق الحروب بالوكالة خلال حقبة الحرب الباردة كأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، والتدخل الروسي في أفغانستان عام 1979، لتصل العلاقة بين القوتين العظمتين في أيامنا هذه إلى حد القطيعة وفقدان الثقة والتربص والنظر إلى بعضها البعض على أنه العدو اللدود نتيجة اختلاف المصالح والمواقف إزاء العديد من القضايا والأزمات الدولية، والتي تمسّ نفوذ كل منهما والذي ينذر ببدء حرب باردة جديدة وربما ساخنة فجأة في القادم من الأيام.

تقاطعت المصالح وتوحدت الرؤى بين الطرفين في الكثير من القضايا على طاولات الحوار التي شهدت الهزل والمواقف الطريفة وبطبيعة الحال الحدة والقبول من الحقبة السوفياتية إلى الاتحاد الروسي حالياً والذي يحاول استرجاع الهيبة المفقودة، فقد تأزّمت العلاقة الروسية الأمريكية على الأرض السورية بوجود قوات من البلدين وتطورت بشكل إيجابي في الملف النووي الإيراني وأثمرت جهود الطرفين بخروج الاتفاق النووي إلى النور واليوم هناك تطور خطير في العلاقة بين القوتين النوويتين بخصوص الأحداث المتسارعة في أوكرانيا، وخاصة بعد قيام روسيا بضم شبه جزيرة القرم وإرسالها الجيوش إلى الحدود مع أوكرانيا في الأيام الماضية، وهذا ما سنركز عليه في السطور القادمة.

يحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استعادة الأمجاد السوفياتية بالتوسع والهيمنة على جمهورياته السابقة، فبعد النجاح في جورجيا وإفشال مشروع انضمامها إلى الناتو والاستيلاء على أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية وضمها إلى الاتحاد الروسي، تكتسب أوكرانيا أهمية خاصة له لوجود جالية كبيرة من الروس تقدر بحوالي الثمانية ملايين، والذين يقطنون في الجنوب الأوكراني، فتدخله في الشأن الداخلي لهذا البلد بحجة حماية الجالية الروسية والمخاوف من التحاق أوكرانيا بالديمقراطية الغربية والفوز بعضوية الناتو في نهاية الأمر، وقيام دولة معادية على حدوده يهدد الاستقرار ونظام الحكم في روسيا، وبالتالي خسارته لهذا البلد والذي لم يعترف بالطلاق الحاصل بينهما منذ العام 1991.

تكتسب أوكرانيا، بلد الـ43 مليون نسمة، موقعاً جغرافياً فريداً، فهي تتوسط بين قوتين عظمتين، الاتحاد الروسي من الشرق، والاتحاد الأوروبي وحليفتها الولايات المتحدة الأمريكية من الغرب، فهي تحت مجهر المعسكرين، لكن التنوع العرقي وانقسام الشعب والنخب السياسية الحالية بين الموالاة لروسيا والالتحاق بركب الاتحاد الأوربي والناتو يجعل التدخل الروسي أمراً محسوماً لحماية الأمن القومي والتدخل الأوروبي الأمريكي لأبعاد الدب الروسي عن البوابة الشرقية لأوروبا ومنعها من الاستحواذ على الموارد المتنوعة والموقع الاستراتيجي لأوكرانيا ولإفشال نواياها لتصبح قوة عظمى من جديد.

السبب الرئيس للأزمة الأوكرانية هو توقيع رئيسة الوزراء السابقة، يوليا توموشينكو، التي قادت الثورة البرتقالية، على مسودة للتعاون وشراكة للتجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي التي رأتها موسكو تهديداً لمصالحها الاقتصادية ومحاولة لقطع الأواصر التاريخية بين الشعبين فضغط بوتين على الرئيس يانكوفيتش الذي هزم توموشينكو في الانتخابات على تجميد الاتفاقية. يانكوفيتش الذي كان من الموالين للجانب الروسي ولديه رغبة قوية في توقيع اتفاقية للتعاون الجمركي مع روسيا، مما أدى إلى احتجاجات واسعة في البلاد وإسقاط يانكوفيتش من قبل الجماهير.

تحركت موسكو سريعاً، واعتبرت الثورة مؤامرة من جانب الولايات المتحدة التي تضامنت مع مطالب الجماهير وقامت باحتلال شبه جزيرة القرم، التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي تحت السيادة الأوكرانية، وشجعت مجموعات انفصالية وأمدتها بالسلاح لتندلع حرب استمرت ست سنوات في جنوب وشرق البلاد، وقامت بنشر قواتها في شبه جزيرة القرم لكي لا تخسر النافذة على البحر الأسود وعززت من أسطولها البحري هناك وطبقت فوراً القانون الذي أصدره الكرملين بضم القرم إلى روسيا نهائياً وأجرت استفتاء في الإقليم وافق فيه أغلبية السكان بنسبة 95% للانضمام إلى روسيا، كل هذه التحركات كانت رسالة للولايات المتحدة بأن أوكرانيا هي مهد العرق الروسي، وأن الثورات الملونة لا جدوى منها. نتيجة للتدخل الروسي وعدم الاستجابة لمطالب ونداء الدول الغربية برفع اليد الروسية عن هذا البلد وضرورة أن يختار الشعب الأوكراني طريقه بنفسه بدأت حرب العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على الاقتصاد الروسي وتم طردها من مجموعة الدول الصناعية الثمان هذه العقوبات كانت لها تداعيات كبيرة على الاقتصاد الروسي وشلته بعض الشيء وخاصة على البنوك والشركات الاستثمارية وشركات الطاقة وخسرت العملة الروسية (الروبل) 11% من قيمتها مقابل الدولار مع انخفاض الناتج القومي وارتفاع الأسعار للمواد الرئيسية بشكل كبير. إلا أنّ روسيا تستطيع النجاة وتستوعب جميع هذه العقوبات فلها الاكتفاء الذاتي وتتمتع بالاستقرار السياسي ولها علاقات جيدة مع جميع دول العالم، وخاصة الهند والصين والبرازيل، ذوات الاقتصادات القوية، وأن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لا تستطيع فرض عقوبات شديدة وقاسية على روسيا، لأن نتائج هذه العقوبات ستلحق خسائر فادحة بدول الاتحاد الأوربي، الشريك الأكبر لروسيا، وبرقم التبادل التجاري الضخم بينهما، والذي يصل إلى 400 مليار دولار، ويكفي فقط أن روسيا تمد الجانب الأوربي بثلث احتياجاتها من الغاز عبر الأنبوب الذي يمتد من الأراضي الأوكرانية.

أعتقد أنّ الرئيس الروسي لن يسمح بسقوط أوكرانيا بيد الغرب بمجرد وصول موالين للغرب إلى مركز القرار والسلطة في كييف، فأوكرانيا تعتبر الفناء الداخلي لروسيا، وأن ضم القرم كانت خطوة استباقية لتفادي تحولها إلى قاعدة عسكرية للناتو بعد اتمام أوكرانيا عضويتها في الاتحاد الأوربي وحلف الشمال الأطلسي. إن سيناريو حل الأزمة الأوكرانية بيد الجانب الروسي وستواجه التحدي الأمريكي، وأن الولايات المتحدة ستركز على الدبلوماسية عبر تحالفات وعقوبات اقتصادية مدروسة، وأنها ستتجنب الاحتكاك العسكري مع الروس وتدعم الحكومة الأوكرانية بالمال والسلاح وستحاول التأثير على مجريات الأحداث هناك للحصول على تنازلات في أماكن متفرقة من العالم، كالشرق الأوسط، وخاصة في الملف السوري والبرنامج النووي الإيراني.

ستظل العلاقات الأمريكية الروسية كما هي في صراع مستمر للهيمنة على العالم، وأن العلاقة أخذت أشكالاً أخرة من التحالفات، فبعد الاتفاق الاستراتيجي بين الصين وروسيا عقدت الصين اتفاقية طويلة الأمد مع الجمهورية الإيرانية لمدة 25 عاماً وربما يتحول إلى تحالف ثلاثي مع اقتراب إيران من الدخول إلى النادي النووي.

إنّ الولايات المتحدة تراقب الوضع عن كثب، فالثقة معدومة بين الطرفين ويستنفر الجانبان لأتفه التحركات، والعلاقة تشهد تاريخاً طويلاً من الاختلاف لا تصل إلى التعاون المستمر ولا الصراع المستمر، نتيجة اختلاف مصالح البلدين ومحاولة كل منها أن تكون القوة المهيمنة على المشهد العالمي. فالأزمة الأوكرانية واحدة من العديد من النقاط الخلافية بين الدولتين ولو اقتربنا من تحليل أي نقطة فربما نشعر بأن الدولتين على وشك الدخول في حرب مدمرة وإشعال الكثير من المناطق في آسيا وأوروبا وحتى البحار والمحيطات. فمع كل هذه الصراعات واختلاف المصالح يبقى الحوار في النهاية الحل الوحيد للوصول إلى إطار لتقاسم النفوذ والمصالح وأن الكثير من القضايا الساخنة، كالأزمة الأوكرانية، قد حلت وجهاً لوجه بين الجانبين -بعد نضوج أسبابها وضرورة إنهائها-على طاولات الحوار مع مواقف غريبة وطريفة ممزوجة بالهزل والنكات تخرج في نهاية المفاوضات توافقات ومخرجات يفاجئ بها الجميع لسرعة الوصول إلى الحلول رغم وصول القضية إلى شفير النزاع المسلح.

وهنا أذكر للقارئ الكريم: في مؤتمر يالطا عام 1945، التقى كلاً من الرئيس الأمريكي، فرانكلين روزفلت، والزعيم الروسي، جوزيف ستالين، ورئيس الوزراء البريطاني، ونستون تشرشل، على طاولة الحوار للتناقش بخصوص احتلالهم لألمانيا النازية وضرورة تقاسم المصالح وخططهم لأوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. هذا المؤتمر الذي عقد بعد مخاوف جميع الأطراف وحلفاء الأمس من بعضها البعض وتجنب اجتياز الآخر عسكرياً وأثناء وجودهم على طاولة الحوار، أخذ روزفلت ورقة صغيرة وكتب عليها جملة وسلمها إلى تشرشل، وبعد أن قرأها قام بإحراقها وأشعل بها غليونه، بعدها أخذ تشرشل قصاصة ورقية وكتب عليها رداً على ما كتبه روزفلت له، فقام الرئيس الأمريكي بقراءتها ومن ثم مزقها قطعاً صغيرة ورماها في سلة المهملات، حدث هذا وستالين ينظر إليهم بدهشة. بعد انتهاء الجلسة مباشرة جاءت عناصر من جهاز الـ(كي جي بي) المخابرات السوفياتية، وقاموا بترتيب القصاصات الورقية التي مزقها روزفلت وجمعها بدقة، وقرؤوا ما فيها، وكان التالي: (لا تخف فالنسر العجوز لن يطير من العش). المخابرات السوفيتية بحثت عن هذا الاقتباس في الكتاب المقدس وعند شكسبير وديكنز ولكن لم يتوصلوا إلى المعنى. ولانعدام الثقة اشتبهت الكي جي بي أن الجملة المكتوبة كود لترتيب محاولة اغتيال لستالين، حيث النسر العجوز هو ستالين والعش هو قصر المحادثات، فقاموا بتغيير الحرس وعززوا المراقبة وجلبوا كل ما يلزم من عتاد وذخيرة يمكن أن تلزمهم في أية معركة، ومع ذلك لم تحدث مفاجآت غير سارة وغادر الزعماء. بعد 80 عاماً كشفت المخابرات الروسية عن وثيقة تفسر ما حدث في ذلك الاجتماع، سئل تشرشل عما كتب فأجاب تشرشل: “في حقيقة الأمر كتب روزفلت لي: سيد تشرشل سحاب بنطلونك مفتوح فطمأنته بأنّ النسر العجوز لن يطير من العش”.

رودوس خليل

ليفانت – رودوس خليل