المُتاجرة بخاشقجي.. الخيبة تُخرج أردوغان عن اللباقة رفضاً للمُحاكمة السعودية (الجزء 3)

تركيا - خاشقجي

على الرغم من كل محاولات تركيا استغلال قضية الخاشقجي، وعقب تلقي أردوغان صفعة من المجتمع الدولي فيما يرتبط بمزاعمه حول تزويد أطراف دولية تسجيلات تثبت تورّط ولي العهد السعودي، أكد وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، في التاسع من ديسمبر العام 2018، أنّ بلاده لن تسلم أياً من مواطنيها لتركيا، وعلى أنقرة أن تنفذ التزاماتها بتقديم جميع المعلومات التي طلبتها المملكة.

وقال الجبير: “نحن لا نسلم أياً من مواطنينا، وأعتقد أنّ الدستور التركي يمنع تسليم الأتراك إلى جهات خارجية أيضاً”، وأضاف: “نستغرب أن تطالبنا دولة لا تقدم لنا أي معلومات بالطرق القانونية، بإرسال مواطنينا إليها”.. “من اللائق أن تقدم حكومة أنقرة المعلومات التي طلبناها منها بشكل رسمي وقانوني”.

محمد بن سلمان

أردوغان لا يملّ المحاولة

بيد أنّ رجب طيب أردوغان كرر في منتصف ديسمبر 2018، القول بأنّ التسجيلات الصوتية لعملية قتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي داخل قنصلية بلاده في إسطنبول تكشف تورّط مقربين من ولي العهد محمد بن سلمان في القضية، زاعماً في كلمة “مرتكب جريمة قتل خاشقجي بالنسبة لي معروف فأعلنوا عنه”، وكرر الادعاء بأن بعض الأشخاص المقربين من ولي العهد السعودي، كانوا ضمن الفريق الأمني الذي نفذ العملية داخل قنصلية المملكة في إسطنبول ولعبوا دوراً فاعلاً فيها.

ووجه أردوغان انتقادات شديدة اللهجة إلى السلطة القضائية السعودية لكيفية تحقيقها في القضية، قائلاً إن المدّعي العام السعودي، سعود بن عبد الله بن مبارك المعجب، لم يقدم أثناء زيارته إلى إسطنبول، أي معلومات وحقائق إلى نظيره التركي، وتابع أردوغان قائلاً: “غادر المدعي العام السعودي إسطنبول ومعه خمس حقائب من المكسرات، فالأمور التي تهمه ليست تلك التي تهمنا”، ضمن محاولات النيل من عدالة القضاء السعودي.

اقرأ أيضاً: صمام أمان تركيا في مُواجهة مع أحلام أردوغان المُدمرة

وفيما يتعلق بتبني مجلس الشيوخ الأمريكي قراراً يحمل ولي العهد السعودي محمد بن سلمان المسؤولية عن مقتل خاشقجي، قال أردوغان: “الأمر لن يتوقف على ذلك بل سيتواصل وسيتطور، لأننا أمددنا الأمريكيين وجهاز استخباراتهم بكل المعلومات، ومستعدون لتقديمها إلى كل من يطلبها.. وهدفنا تحقيق العدالة، فهي الأساس في كل شيء”، وفق زعمه، لكن ذلك لم يحدث، بل عاد أردوغان أدراجه كما هو معلوم اليوم، برسائل ود وغرام وجهها إلى الرياض عبر الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالين، مما يبرهن أن ملف الخاشقجي لم يكن إلا ملف مُساومة لم تقبله الرياض، وعليه عملت أنقرة على التصعيد فيه إلى الحد الأقصى، قبل أن تتراجع عنه عقب تيقنها من خيبتها فيه.

خروج عن اللباقة

وكعادته، خرج أردوغان عن اللباقة الدبلوماسية التي يجري التعامل بها عادة بين قادة الدول، وهو ما افتقده أردوغان في مواقف كثيرة، ومنها في الثالث من فبراير للعام 2019، عندما اتهم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بـ”الكذب”، وقال أردوغان في لقاء تلفزيوني إنّ ما قاله محمد بن سلمان وعادل الجبير بخصوص خروج خاشقجي من القنصلية والمتعاون المحلي “كله كذب”، وأضاف أردوغان: “لا أستطيع فهم الصمت الأميركي تجاه الوحشية التي قتل فيها خاشقجي بعد أن أسمعنا استخباراتهم التسجيلات”، وتابع أردوغان بالقول إن “السعودية مجبرة على تحديد قتلة خاشقجي والكشف عنهم للعلن إذا كانت لديها عزة”، على حدّ قوله.

لكن محاولات تسيس القضية من جانب أنقرة، والسعي للظهور بدور المدافع عن حقوق الإنسان، لم يكن مؤاتياً بالمرة لتركيا، التي تمتلك سجلاً حافلاً في انتهاكات حقوق الإنسان، سواء على الصعيد الداخلي أو في دول الجوار والإقليم، وهو ما أشارت إليه شبكة نيوزماكس الإعلامية الأمريكية، في الثاني عشر من فبراير العام 2019، عندما نقلت عن محللين تحذيرهم من محاولة أردوغان، التأثير على رد الفعل الدولي بخصوص مقتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، بغرض إلحاق الضرر بالمملكة العربية السعودية، وقال الباحث والمحلل، جيمس فيليبس، لشبكة ”نيوزماكس“ إنّ تركيا تبدو عازمة على استغلال جريمة خاشقجي لإيذاء المملكة السعودية.

اقرأ أيضاً: مُحادثات فيينا.. ما بين استنزاف واستفزاز الخصوم

وأضاف فيليبس: ”الأتراك عمدوا إلى محاولة ذبح السعوديين، من خلال تسريب الكثير من التقارير المثيرة إلى وسائل الإعلام، والتي تبين أنّها غير صحيحة“، وظهرت محاولة أردوغان الأخيرة لاستغلال مقتل خاشقجي، الأسبوع الماضي، عندما قال للتلفزيون التركي الذي تديره الدولة: ”لا أستطيع أن أفهم صمت أمريكا.. نريد أن يتم توضيح كل شيء لأن هناك فظاعة، هناك جريمة قتل“.

وأردف فيليبس إنّ أردوغان ”غض الطرف عن صعود تنظيم داعش في سوريا“، وداعش أحد أهم أولويات الرئيس ترامب، و“سمح الأتراك للمتشددين المعروفين بعبور بلادهم إلى سوريا“، وسمحوا لمقاتلي داعش الجرحى بتلقي العلاج الطبي داخل تركيا، كما أن الكثير من النفط الذي تسيطر عليه داعش كان يمر عبر الحدود إلى تركيا”، وأضاف: ”أحد أسباب توسع داعش بسرعة كبيرة في سوريا هو أنّ الأتراك يرون داعش التهديد الأقل مقارنةً بالأكراد السوريين، وربما يكونون قد اعتبروا داعش وسيلة لمنع الأكراد من الحصول على الحكم الذاتي“.

فيما ذكر أحد كبار المسؤولين في إدارة ترامب حينها، لنيوزماكس: ”أن قضية خاشقجي لن تختفي لأن تركيا لن تسمح بذلك“، وأشار إلى جهود أردوغان لاستغلال القتل كجزء من تحركه لكسب قلوب المسلمين في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وجعل تركيا القوة الإقليمية المهيمنة في المنطقة بدل السعودية.

رفض المُحاكمة السعودية

وفي إطار الدور التركي المُحرّض، اعتبر وزير العدل التركي، عبد الحميد غول، في الخامس والعشرين من ديسمبر العام 2019، أنّ “المحاكمة المتعلقة بجريمة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي لم تجر بشفافية كاملة، ولا يمكن قبولها”، زاعماً أن “العملية القضائية لن تستكمل، من دون إجراء تحقيق شفاف حول الجريمة”، قائلاً: “يجب التحقيق بشكل شفاف في جريمة قتل خاشقجي، وإلا لن تكون العملية القضائية مكتملة، المحاكمة لم تجرِ بشفافية كاملة، ولا يمكن قبولها تماماً”.

فيما وصف رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، قرار القضاء السعودي حول قضية خاشقجي بأنه “مجرد استهزاء بذكاء العالم بأسره”، وذلك عقب أن أصدرت محكمة سعودية حكماً أولياً بإعدام 5 أشخاص دون أن تسميهم، من بين 11 مداناً بقضية خاشقجي، بجانب معاقبة 3 مدانين بأحكام سجن متفاوتة تبلغ في مجملها 24 عاماً.

اقرأ أيضاً: مصر والسودان تحاصران الإخوان.. ودول غريبة تلحق بركبهم

واستمرّت أنقرة بمحاولاتها للتدخل بالسعودية، حيث بدأ القضاء التركي، في الثالث من يوليو العام 2020، محاكمة 20 متهماً سعودياً في قضية قتل الصحفي السعودي، جمال خاشقجي، داخل قنصلية بلاده في مدينة إسطنبول عام 2018، إذ أعدّت النيابة العامة في إسطنبول لائحة اتهام من 117 صفحة بحق المتهمين السعوديين الصادر بحقهم قرار توقيف بقضية قتل خاشقجي، الكاتب بصحيفة “واشنطن بوست”، واحتوت اللائحة على اسم خاشقجي بصفة “القتيل”، وخطيبته خديجة جنكيز بصفة “المشتكي”، وطلبها الحكم المؤبد بحق نائب مدير جهاز الاستخبارات السعودي السابق، أحمد بن محمد العسيري، والمستشار في الديوان الملكي السعودي سابقاً، سعود القحطاني، بتهمة “التحريض على القتل مع سبق الإصرار والترصد والتعذيب بشكل وحشي”، كما طالبت بعقوبة السجن المؤبد بحق الأشخاص الـ18 الآخرين بتهمة “القتل مع سبق الإصرار والترصد والتعذيب بشكل وحشي”.

التقرير تتمة لسلسلة: المُتاجرة بخاشقجي.. مُزاحمة لوريث العثمانية على المكانة الإسلاميّة (الجزء 1)

                              المُتاجرة بخاشقجي.. المجتمع الدولي كذّب أردوغان وأخرجه خالي الوفاض (الجزء 2)

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة