المُتاجرة بخاشقجي.. التخلّي التركي بُرهان جَليّ على زيف المزاعم (الجزء 4)

تركيا وخاشقجي

في مسعاهم المتواصل لإحياء الجرح، وكيّه بالملح، انتقد في الأول من أكتوبر 2020، ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التصريحات السعودية حول مقتل جمال خاشقجي، ومحاكمة المتورطين في قتله، وذلك تزامناً مع الذكرى الثانية لمقتله، زاعماً أن الحادثة عبارة عن جريمة وقعت على الأراضي التركية، وضد شخص تحت الحماية التركية، مدّعياً أنّ أنقرة معنية بها بالدرجة الأولى.

وأردف بالقول: “هذه جريمة مرتكبة ضد تركيا، والمؤسسات التركية تنظر إليها من هذا المنظور”، رافضاً صحة الأطروحات السعودية التي تقول إنّ تركيا غير معنية بالجريمة، لكونها وقعت ضمن مبنى القنصلية التي تعد أرضاً سعودية، وأضاف إن هذا أمرٌ غير مقبول، وتابع بالقول بأنّ خاشقجي قُتل إثر جريمة ارتكبتها بعثة دبلوماسية في مكان حصل على امتيازات دبلوماسية على الأراضي التركية، وبالتالي تركيا معنية بالجريمة بالدرجة الأولى، وأنّ القنصلية العامة تفقد امتيازاتها الدبلوماسية عندما تكون مسرحاً لجريمة قتل إنسان”، (على حدّ زعمه).

اقرأ أيضأً: الموت لإسرائيل.. شعار حوّل إيران إلى جنة للموساد

وتوسع أقطاي في إطلاق التهم ووصلت مجدداً إلى ولي العهد السعودي، فتطرّق مستشار أردوغان إلى دخول فريق تنظيف إلى مبنى القنصلية السعودية، في أعقاب وقوع الجريمة، وقيامه بأعمال تنظيف في الداخل، مستبعداً أن تتم عملية التنظيف داخل القنصلية دون علم السلطات السعودية أو ولي العهد، حيث قال: “حتماً هذه جريمة نفذت حتى النهاية، ضمن علم المسؤولين رفيعي المستوى في السعودية”، وفق قوله.

تركيا - خاشقجي

محاكمات غيابية

فيما عمدت محكمة تركية، بتاريخ الرابع والعشرين من نوفمبر 2020، إلى إضافة ستة متهمين جدد، إلى القضية المرفوعة ضد مسؤولين سعوديين متهمين بقتل خاشقجي، إذ عدّت أنقرة المحاكمة مهمة، لكشف الحقيقة الكاملة وراء جريمة القتل، حيث قامت بإضافة ستة متهمين، إلى قائمة من 20 مسؤولاً سعودياً حوكموا غيابياً بالفعل.

اقرأ أيضأً: إقليم أكلته الحروب.. الإمارات تسعى لاستعادة سلامه بالحوار

ووجهت تركيا بموجب ذلك، لائحة اتهام لنائب القنصل وملحق، بارتكاب “قتل مع سبق الإصرار بنية وحشية”، كما وجهت الاتهام إلى الأربعة الآخرين، وهم مواطنون سعوديون، بتهم “إتلاف، وإخفاء، والعبث بالأدلة”، كما زعمت المحكمة أنّها استمعت إلى شهادة أحد الشهود، وهو الناشط المعارض المصري أيمن نور، الذي كان صديقاً لخاشقجي، قبل تأجيل القضية إلى 4 مارس 2021.

تغيير دراماتيكي بالسياسات التركية

ولأنّ أنقرة وصلت إلى الحدّ الأقصى في مجمل القضايا التي حاولت المساومة عليها مع السعودية ومصر واليونان وقبرص وشمال سوريا وفرنسا وأوروبا وأمريكا وغيرها من الأطراف، يبدو أنها أيقنت أخيراً أن ذلك لن يجلب لها سوى الخسائر على كل صعيد، ومعها بدأ تغيير بوصلة السياسة بزاوية 180 درجة، فأضحى البديل عن لغة التحدي والتصعيد والتكبر والتجبر الساعي لإحياء عثمانية تركية بائدة، هو لغة تدعو للحوار والمهادنة والصلح، تحت وقع الضغوط الاقتصادية والعزلة التي تُعاني منها.

فعلى الصعيد اليوناني، أطلق المسؤولون الأتراك منذ بداية العام الجاري 2021، دعوات لحل الخلافات عبر الحوار، مع إبداء الجاهزية لاستئناف المحادثات الرامية لحل الخلافات مع أثينا، وهو ما تكرر على الصعيد الأوروبي، من خلال العودة إلى مُغازلة بروكسل والحديث عن العضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، أما فرنسياً، فقد أشار مسؤولو أنقرة إلى خارطة طريق لتطبيع العلاقات الثنائية.

اقرأ أيضأً: صمام أمان تركيا في مُواجهة مع أحلام أردوغان المُدمرة

وعلى الصعيد العربي، كشف وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، منتصف يناير الماضي، عن جاهزية أنقرة لتحسين العلاقات مع مصر والإمارات على أساس متبادل، وكرر في العاشر من فبراير، الحديث عن استعداد بلاده لتفعيل التعاون مع منطقة الخليج بأكملها والبناء على شراكة استراتيجية مع مجلس التعاون الخليجي، وتم الحديث عن علاقات جيدة مع السعودية، بعد كل تلك القطيعة والعداء التي مارسها النظام التركي خلال السنوات الثلاث السابقة بحق المملكة العربية السعودية.

التخلّي عن التجارة بخاشقجي

وعقب أن تكفل أردوغان بمسؤولية الكشف عن حقيقة مقتل خاشقجي، وترويج الإعلام التركي لروايات مُختلقة كثيرة، واتهام مسؤولين أتراك لولي العهد السعودي محمد بن سلمان بالتورّط بالقضية، وحديث أردوغان عن تقديمه تسجيلات مقتل خاشقجي إلى الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وخروجه عن اللباقة الدبلوماسية مع ولي العهد السعودي، بجانب اتهام أنقرة المُحاكمة السعودية بأنها لم تجر بشفافية كاملة، ولا يمكن قبولها، ووصف قرارات القضاء السعودي بأنها استهزاء بذكاء العالم بأسره، وإطلاق أنقرة مُحاكمة غيابية لـ20 متهماً سعودياً، جاءت ساعة الحقيقة في يوم السادس والعشرين من أبريل الماضي.

اقرأ أيضأً: مُحادثات فيينا.. ما بين استنزاف واستفزاز الخصوم

عندما أثنى الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم قالين، على المحاكمة التي نظمتها السعودية حول خاشقجي وقضت، العام الماضي، بسجن ثمانية متهمين، وذلك في تخلٍّ كامل لأنقرة عن كل ما كانت تتبجح به، ما وضع الموقف التركي أمام أحد الاحتمالين:

الأول، إنّ كل ما كانت تدّعيه من امتلاكها تسجيلات تثبت تورّط ولي العهد السعودي في مقتل خاشقجي كان صحيحاً، لكنها قررت التخلي عن القضية لصالح مصالحها، وهو ما يؤكد أن أنقرة لم تسعَ من متابعة القضية إلا إلى مُساومة الرياض على مكاسب لمجموعة من الأصعدة المرتبطة بالمكانة الإسلامية والعالمية، وإنها مستعدة للتخلي عن أي قضية عندما يتعارض ذلك مع مصالحها، من خاشقجي إلى فلسطين إلى القدس إلى النبي محمد إلى المسلمين الإيغور في الصين، وهي كلها قضايا لطالما تاجرت بها أنقرة تارة، وأحجمت عن الدفاع عنها تارة أخرى، وفقاً للوضع المناسب لمصالحها.

اقرأ أيضأً: مصر والسودان تحاصران الإخوان.. ودول غريبة تلحق بركبهم

أما الثاني، فهو إن كل ما كانت تدّعيه من امتلاكها تسجيلات تثبت تورّط ولي العهد السعودي في مقتل خاشقجي كان كذباً وافتراءً، ولم يكن إلا من باب استغلال القضية للنيل من السعودية ومكانتها وقيادتها، وهو ما يذهب إليه المنطق والعقل، إذ لم تنجح كل المساعي التركية في برهان أي اتهام على القيادة السعودية، رغم محاولاتها ذلك، الأمر الذي أكدته دول، كفرنسا والولايات المتحدة، اللتين شددتا على عدم تزويدهما بما تذرّعت به أنقرة من إثباتات، كما أنّ إحجام أنقرة عن عرض تلك الوثائق (فيما لو كانت موجودة حقاً)، للرأي العام، يبرهن من جديد على زيفها، وخلوها من أي إشارة حقيقة لما كانت تزعمه على مدار ثلاث سنوات، من المُتاجرة بدماء خاشقجي.

التقرير جزء من سلسلة: 

المُتاجرة بخاشقجي.. مُزاحمة لوريث العثمانية على المكانة الإسلاميّة (الجزء 1)

المُتاجرة بخاشقجي.. المجتمع الدولي كذّب أردوغان وأخرجه خالي الوفاض (الجزء 2)

المُتاجرة بخاشقجي.. الخيبة تُخرج أردوغان عن اللباقة رفضاً للمُحاكمة السعودية (الجزء 3)

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة