المدُّ السنّي… وسياسةُ الخنقِ الناعمة

عبير نصر
عبير نصر

منذ وصوله سدّة الحكم نجح حافظ الأسد في استخدام سلطته السياسية لتأميم السلطة الدينية، ودأبَ على تصدير رواية الرعب الطائفي وانعدام الأمان، كوسيلةٍ لتحقيق الأهداف الاستراتيجية وتقديم (خدمات جليلةٍ) من قبيل كبح جماح العناصر الإسلامية المتطرفة، التي يكون هو من أطلقها في المقام الأول. وبالفعل نجح الأسدان في استخدام المنابر ورجالات الإسلام الرسمي لتثبيت شرعيةٍ دينية على حكمهما، في ظلّ غيابِ قيادةٍ وطنية فاعلة تعمل على إزالة الاستبداد الحاكم. وما زاد الطين بلّة أنّ الهجمةَ الدينية اكتسبت تدريجياً أرضيةً متينة، ضاربةً بمشروع الدولة العلمانية عرض الحائط، فمفردة العلمانية لم تكن يوماً على أجندة البعث.

وخلال سنوات الأزمة، تفكك النسيجُ المجتمعي السوري، ووقع السوريون بين نيران التهجير والتدمير. في هذا الجوّ فتح النظام السوري بابَ الفعل السياسي لمصلحة الأنانية الأيديولوجية الإسلاموية، في ظلّ دولة بوليسية لا تحتمل أساساً ثقل الغزو الديني، هي التي تعاني من انعدام الحياة السياسية، وموضة تقديس العروش، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وانعدام الكرامة والمساواة، وتفشي الظلم والفساد، وتغوّل الأجهزة الأمنية وسحقها للمواطن. وفي ظلّ القمع الدموي الكبير الذي واجه النظامُ السوري به الفئات الشعبية المنتفضة، وترويجه أنّ ما يجري في البلاد هو مواجهة لقوى إرهابية ذات اتجاه إسلامي راديكالي، وعليه فالمستهدف هو “الأقليات” و”الدولة العلمانية”، كبرت هواجس الخوف في البيئة الاجتماعية المنهارة في الأصل، ما أتاح الفرصةَ للنظام لإعادة تدوير منابع قوته عبر تشريعاتٍ (ناعمة) من على منبر المؤسسات الدينية.

واليوم يشعر السوريون بالإحباط والخذلان من جميع الأطراف، فلا المعارضة العلمانية استطاعت أن تفي بوعودها، ولا النظام بسياسته الحالية المتّسمة بمدّ الإسلام السني يشكّل طوق نجاة لهم، فهم بانتفاضتهم كانوا يأملون في دستور علماني، وقانون أحوال شخصية يتعامل مع الجميع على أساس المواطنة، دون أي تُعطى أفضلية لطائفة بحجة أنها الأكثرية على حساب بقية الطوائف. كما باتوا يشعرون بالغبن من أي تشريع ينصّ على الإنفاق من مستحقات الشعب على مشروع أسلمة الدولة، أكثر بكثير مما يُصرف على البحث العلمي والتطوير، ويشعرون بالحنق على ما تتّخذه وزارة الأوقاف من إجراءات من شأنها أن تساهم في مدّ سيطرتها بتوجيهاتٍ من القيادة السياسية للنظام الحاكم، مستغلّة خلو الساحة من أيّ منافس لها على إدارة الشارع السوري، الذي نما على تربة الاستبداد السياسي، والقهر الاجتماعي، والصراعات الطائفية.

ولم ينسَ السوريون بعد المرسوم التشريعي رقم /16/، الذي وسّع نفوذ وزارة الأوقاف، والذي لم يُنشَر كما جرت العادة في وسائل الإعلام بداية، واقتصر نشره في الجريدة الرسمية. وقد أثار هذا المرسوم الذي يمنح وزارة الأوقاف صلاحيات واسعة لجهة الإفتاء، ومختلف أوجه النشاط الديني في البلاد، كذلك التحكم بمؤسساتٍ مالية وتربوية، ومؤسساتِ الإنتاج الفني والثقافي، أثار جدالاً مجتمعياً واسعاً، خصوصاً في الأوساط المؤيدة للنظام السوري، أكثر من تلك المعارضة له، ووصل الأمر إلى حدّ الدعوة إلى وقفةٍ احتجاجية أمام مجلس الشعب، قبل أن تخفّ وطأة الهجوم على “الصكّ التشريعي” بعدما تبيّن للمعترضين أنّه مرسومٌ صادر عن رأس النظام نفسه، وبالتالي فإنّ مهاجمته تعني ضمنياً رفض من أصدره.

ولم يكد السوريون يتناسون المرسوم، آنف الذكر، حتى تداولت مؤخراً عدّة صفحات سورية على وسائل التواصل الاجتماعي منشوراً يتحدث عن وضع عقوبة الحبس من شهرين إلى سنتين لكل من يسبّ الدين، أو الذات الإلهية، أو يحقّر الشعائر الدينية. وبينما قالت بعض تلك الصفحات إنّ القرارَ جديد وتم إصداره مؤخراً، فإن العودة للقانون السوري تبيّن أن النصَّ ليس بجديد، حيث تقول المادة (462) من قانون العقوبات السوري الصادر بالمرسوم رقم (148) لعام 1949، بأنّ من عمل بإحدى الطرق المنصوص عليها في المادة 208، على تحقير الشعائر الدينية التي تمارس علانية، أو حثَّ على الازدراء بإحدى تلك الشعائر، عوقِبَ بالحبس من شهرين إلى سنتين. والمادة 208 توضّح ما هي وسائل العلنية في ارتكاب المخالفة، وتقول إنها تشمل الأعمال والحركات إذا حصلت في محل عام، أو مكان مباح للجمهور، أو معرض للأنظار، أو شاهدها بسبب خطأ الفاعل مَن لا دخل له بالفعل. كما تشمل العلنية بحسب القانون، الكلام أو الصراخ، سواءً جهر بهما أو نقلها بالوسائل الآنية، إضافة إلى الكتابة والرسوم والصور اليدوية والشمسية، والأفلام والشارات والتصاوير على اختلافها، إذا عرضت للبيع، أو وزّعت على شخص أو أكثر.

في هذا الوقت قامت وزارة الأوقاف السورية، وعبر صفحتها على فيسبوك أيضاً، بالردّ بشكلٍ رسمي على الانتقادات الموجهة لدورها المتصاعد في البلاد، وبلهجةٍ تهديدية أكدت أنّ “التهجم على الدين والمقدسات والاستهزاء بها، والتجريح بالسمعة والكرامات الشخصية، وتناول الأفراد بالقدح أو الذم هو فعل مخالف للدستور، ويعاقب عليه القانون إضافةً لكونه تحريضاً على الفتنة وتخريباً للمجتمع، وخروجاً عن أصالة المجتمع السوري وأعرافه وأخلاقه”. وفي الحقيقة لا يمكن اعتبار هذه “المعارك الزرقاء” بمثابة معارك حقيقية بين العلمانيين (القلّة)، والمتدينين (الكثرة)، بقدر ما هي مناوشات متكررة في ظل حكم البعث للبلاد البائسة، مع التذكير أنّ الدستورَ لا يعلن سورية دولة علمانية، في وقت يعتمد التشريع الإسلامي كأحد مصادر التشريع الرئيسية، كما يحصر دين رئيس الدولة في الإسلام. وربما لا يختلف النظام السوري في سياسته الناعمة عن العقلية الوحشية لتنظيم الدولة الإسلامية المتطرّف الذي كان يسيطر على مناطق واسعة في سوريا، والذي سبق له أنْ نفّذَ إعدامات وحشية بحقّ أشخاصٍ بتهمةِ سبّ الذات الإلهية.

والنظام السوري لم ينجح في إنقاذ عرشه بنفسه، لكنه لا شكّ نجح في خلق الاستعصاء الذي تعيشه البلاد اليوم، والذي لا يسمح بتوقّع انتصارِ الثورة رغم تهلهل قوة السلطة، واعتمادها على قوى خارجية، والنظام الذي عمل على أسلمة الثورة يعمل جاهداً على أسلمة الدولة، إذ إنّ التحالف بات واضحاً بين النظام والمشيخة السنيّة في سوريا، وتعاونهما المشترك على إصدار قرارات تزيد من رقعة الانتشار الديني، لقدرةِ الحقل الديني على احتضان قاعدةٍ شعبية كبيرة، وهو ما تعجز عنه التيارات العلمانية. في وقتٍ لا يمكن فيه تحميل المسؤولية لوزارة الأوقاف وحدها، بل أيضاً للقيادة الإيرانية التي تطرح بشكلٍ غير مباشرٍ مشروعاً إسلامياً في المنطقة، ونفوذها امتد إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية والسياسية، كما اعتمدت في تصدير مشروع ثورتها الإسلامية إلى سوريا، على تحالفها مع مجموعة من الشخصيات الدينية السورية. لذلك فإنّ العملَ وفق منطق أيديولوجي ديني هو إحلال بالضرورة للمفهوم الأيديولوجي بدلاً من المفهوم السياسي، والذي يقف سدّاً منيعاً أمام حلّ مأزق انسداد التطور الاجتماعي والفكري والثقافي. وفي الحقيقة إنَّ انهيار الدولة السورية حدث من خلال عملية التفكك التدريجي بدلاً من الانهيار المفاجئ، بعد تراجع المعارضة العلمانية، ليس بسبب قمعها من النظام فقط، بل بسبب تخليها عن قضيتها الحقيقية في رسم خارطةٍ جديدة لسورية، وسعيها من أجل الوصول إلى السلطة بأيّ ثمن، ما جعل السوريين يبتعدون عن دعمها، متّخذين من النظام سنداً لهم في حمايتهم مما يعتبرونه تطرّفاً دينياً زاحفاً عليهم.

ليفانت – عبير نصر