القدس وقصة مدن عدة لا مدينتين وحسب

جمال الشوفي
جمال الشوفي

“كان أحسن الأزمان وكان أسوأ الأزمان. كان عصر الحكمة وكان عصر الحماقة. كان عهد الإيمان، وكان عهد الجحود. كان زمن النور، وكان زمن الظلمة. كان ربيع الأمل، وكان شتاء القنوط”، بهذه الجمل التي تبين حدة التباين بين زمنين، كما حدة التناقض في ذات اللحظة، افتتح تشارلز ديكنز روايته الشهيرة قصة مدينتين، لتصبح الرواية الأشهر التي تدرس مفارقات التحول الأوروبي العام من عصر الظلمات إلى دولة الحقوق والدستور والحريات وليس فقط، بل تنقد عنف وظلم الأرستقراطية للشعب وطبقته العاملة، وتنقد أيضاً العنف العكسي الذي مارسته الطبقة الشعبية ضد الطبقة الحاكمة.

هذا النهج أضاء على العلاقة بين مدينتين شكلتا، ورغم اختلاف نموذج السلطة فيهما، في تتابع مسيرتهما العصرية والثورية مفاهيم الحداثة والحرية والدستورية. وهو ذات النهج الذي ميز بين الحق والحرية وصيرورته الحداثية، وبين الظلم والوحشية والعنف أياً كان من يمارسها، سلطة كان أو معارضون لها.

اليوم القصة تتشكل بين مدن عدة، بين مدن تعاني ذات التناقض اللحظي، بين العنف والعنف المضاد، وذات التباين الممكن بين عصرين.

قد يحلو للكثير من المحللين السياسيين، وخاصة القوميين منهم، اعتبار القدس حدثاً استثنائياً في تاريخ المنطقة، وهذا حق عام دفع ثمنه المقدسيون والفلسطينيون عقوداً طويلة من الظلم والعسف والتسلط الغربي المتمثل بالاستيطان وقوة الاحتلال العسكرية المباشرة الإسرائيلية. لكن اليوم القدس متشابهة من بقية عواصم المنطقة، وليس فقط، تحاكي في تجاربها تجارب ذات العواصم من حيث النقاط الثلاث المحددة:

  • التباين الحاد بين زمن حالي من العسف والتسلط واللا دولة، إلى زمن التحول الممكن إلى الدولة والحقوق والحريات، دولة القانون والدستور.
  • التناقض اللحظي بين حالتين: العنف السلطوي القائم وما يشبهه في نقيضه الميليشوي، وبين الحقوق الشعبية والسلمية التي يمارسها الفلسطينيون تظاهراً واعتصاماً وتوثيقاً وتمسكاً بحقوقهم، وما يتعرضون له من عنف من الطرفين السابقين وان كان بنسب مختلفة.
  • إن كانت النقطتين الأوليتين مشابهتين لمفاصل قصة ديكنز في روايته، فإن ما أضافه العصر الحالي هو عدوى ثورات الربيع العربي في أحقية التظاهر السلمي والتواصل الاجتماعي، وهذه المرة ليس بين مدينتين بل بين عدة مدن تحاكي في نماذجها المتعددة مجريات القرن الثامن عشر وبدايات التاسع عشر، في زمن التحول العصري للحرية والحق والقانون والدولة الحديثة مهما طال زمن التسلط وحكم القوة.

لم تعد القدس استثناءً اليوم، فقد أثبتت السنوات العشر الماضية من عمر الربيع العربي، أنّ القدس هي القاهرة وتونس والجزائر والخرطوم في مكنونها السلمي وترويض حقوقها المدنية بالتدريج، وهي بذات الوقت بغداد وبيروت وطرابلس وصنعاء ودمشق في التنازع العنيف على شكل الحكم والسلطة. فجميع العواصم العربية اجتاحتها موجات الربيع العربي، تباينت في إنجازها للتغير والتحول السياسي من أقل التكاليف البشرية والمادية، إلى أقصى وأقسى أنواع التدمير والتهجير واجتياح قوى العسكر لطبيعتها المدنية وتحولها إلى ركام مهدوم. لتغدو القدس وكأنها خلاصة هذه المدن ومحتواها في مدينة واحدة، تبرز خطوطها العامة في التشابه بين عنف السلطة وسياستها التسلطية الاستحواذية والعنف المقابل الذي تمارسه الفصائل المسلحة، المتخذة ذريعة لمزيد من التدمير والعنف والتغيير الديموغرافي، وكأن فعل العنف والعنف المعاكس “متفاهمان” على تقويض كل الجهود السلمية والمدنية للشعوب! تأكل حقوقها وتقزم من حيويتها وقدرتها على التمسك بحقوقها. لتنقلب اللوحة من لوحة حقوق مدنية سياسية، إلى جملة عنفية يختلط فيها السبب والنتيجة دون أن تجد العقلانية مكان لها بين هذه وتلك، وهذا سواد للحماقة واستمرار للظلمات.

في الجهة الأخرى، يظهر فشل السياسات الدولية في الحسم في القضايا المصيرية لحقوق الشعوب في تقرير مصيرها، بقدر تدوير الملفات أممياً وتحويلها لسلسلة مقايضات جزئية مفككة طويلة الأمد تضيّع الحقوق الجذرية، وتستهلك محتواها القيمي والإنساني والعصري، فلا غرابة أن تجد ملفات القدس وحل الدولتين لليوم موضع تفاوض طويل الأمد، يدلل في طريقته على موضوع الحل السوري التهويمي أو الليبي أو اليمني أو العراقي وهذا استمرار لسوء الزمان!

زمن التحول في المفاهيم من منظومات قبلية سابقة، سواء كانت سلطة استحواذ عنصرية، أو حكومات عسكرية محلية متسلطة، أو طرق العنف الجهادية الثأرية، سيثبت فشله في تحقيق نتائج ترضي القائمين عليه، حتى وإن حققت نتائج مرحلية وآنية. وهو ما أثبتته تجارب التاريخ السابق. فلم تزل أحداث قصة مدينتين، التي ترد أحداثها بين مدينتي باريس، عاصمة فرنسا، ولندن، عاصمة إنكلترا، زمن الثورة الفرنسية، تؤكد تلك الحقيقة، حيث إنه لم تستطع قوى السلطة الثبات في الحكم وقتها رغم كل ما مارسته من عنف تاريخي، كما لم تستطع القوى المقابلة العنفية الاستمرار في الحكم. وحدها الحرية والتداول السلمي للسلطة والعقد الاجتماعي الرضائي وإحقاق العدالة هو من أمنّ الاستقرار والأمان لكل المواطنين من جهة، ومن ثم نقل المجتمع من مفهوم السياسة كاحتراب وتسلط، إلى ممارسة الحقوق والسياسة بطريقة احترام المختلف فكراً ورأياً ومعتقداً، والنتيجة كانت بناء الدولة الحديثة، دولة الكل المجتمعي.

هل يمكن لهذه المشابهة التاريخية، بظروفها العامة وتشابه معطياتها، أن تفتح البوابة لأليات عمل سياسية مختلفة أمام حركة شعوب المنطقة في مدنها الكثيرة؟ وهل يمكن للفلسطينيين وسلطات الحكم الإسرائيلي التوصل لحلول سياسية جذرية تمهد الطريق للعقلانية والحقوق والحريات دون اغتصاب أو عنف وعنف مضاد؟ وهذه قد تبدو فاتحة أمل.

إن كانت معادلة القدس تبدو الأصعب نظراً لوجود خارجي متمثل بالحركة الصهيونية القادمة من كل دول العالم لفلسطين بدعوى أنها أرض ميعاد تاريخية، لكنها مع هذا بدأت ببعض الخطوات العقلانية بموضوع حل الدولتين، وهذا مرهون بقوة الشعوب على الاستمرار في بالتمسك بحقوقها وفق خط الدستورية والقانونية والعصرية، ويتطلب من الإسرائيليين والفلسطينيين خطوات أكثر جدية ومسؤولية فيها. لكن معادلات باقي المدن المفترض أن تستثنى من العامل الخارجي هذا، فهم أبناء بلد واحد، ومستهجن بل غريب ومذهل، ألا يصل المجموع العام لضرورة الحل العقلاني ونبذ العنف وسياسة التسلط والاستحواذ والتهجير والتفرد بالحكم! وأن سلطة القوة ليست سوى وسيلة قابلة للانقلاب بأية لحظة أمام سلطة أقوى، وأن الديمومة والاستقرار تأتي بالسياسة كإدراة للحكم وموارد الدولة لا باغتصابها واستحواذها. فمهما امتد زمنه، لا يمكنه أن يصبح أزلياً. كما لم يستمر سجن الدكتور مانيت للأبد، ولا تسلط نابليون بونابرت للأبد، ولا حرب فرنسا وإنكلترا للأبد، لكن حياة الشعوب والمدن وذاكرتها تستمر ولا تنتهي مهما تقلبت عليها وفيها موازيين السياسة ونماذج الحكم ووهم قوة العسكر وسطلة العنف، وهذه لحظة تعقل وحلم.. فهل تدركها المدن والقدس؟

جمال الشوفي

ليفانت – جمال الشوفي