العراق بین مطرقة الجهل وسندان المجهول

وفاة أشهر منفذي أحكام الإعدام في مصر

لقد نبه رئیس إقلیم کوردستان في أکثر من مناسبة، بغداد والتحالف الدولي ضد داعش، من خطورة استعادة الأخیر لقوته، لاسیما في وجود الفجوة الأمنیة الحاصلة في المناطق المعروفة بالمتنازع علیها، التي باتت ممراً مظلماً لعملیاته الإرهابیة التي یشنها هنا وهناك، وآخرها الهجوم الإرهابي الذي شنه لیلة أمس علی قوات البیشمرکة، غرب کرکوك، حیث خلّف ضحایا من شهداء وجرحی، متزامناً مع هجمات أخری شنها في الوقت عینه.

وعلی أثرها شدّد الرئیس نیجیرفان بارزاني، الیوم، (الأول من نیسان) في بیان له علی مناشدته لمجلس النواب والحکومة العراقیة والتحالف الدولي للإسراع بتشکیل قوات مشترکة من البیشمرکة والجیش العراقي، في تلك المناطق، مشدداً علی استعداد إقلیم کوردستان لکافة أنواع التعاون والتنسیق لهذا الغرض من أجل محو هذا الخطر الذي یهدد أمن إقلیم کوردستان والعراق معاً، بل والعالم برمته.

لیس بخافٍ علی بغداد، قبل أي طرف، أنّ ما حصل وما یحصل من خروقات أمنیة من قبل داعش في المناطق المتنازعة علیها هو تحصیل الحاصل لما خلفته أحداث تشرین الأول ٢٠١٧، حیث ترکت علی أثرها أکثر من فجوة أمنية، وأثبتت العملیات الإرهابیة المتلاحقة لداعش علی صعوبة، إن لم نقل استحالة، السیطرة علیها من قبل القوات الأمنیة العراقیة، في غیاب تعاون وتواجد قوات البیشمرکة في هذه المنطقة.

لقد شدد رئیس إقلیم کوردستان، مراراً وتکراراً، علی ضرورة وصول بغداد وأربیل إلى تفاهم مشترك لحل کافة المشاکل والملفات بینهما، ونبه الجمیع من خطورة العواقب المترتبة علی عدم اتخاذ خطوات عملیة، بنیة وقناعة صادقتین. لکن من المٶسف حقاً أن هذا النداء الوطني والعقلاني لم یجد صدی له لا في بغداد ولا حتی بین الأطراف السیاسیة العراقیة النافذة لحد الآن. فحتی اتفاق سنجار الذي کان یٶمل لە أن یکون بمثابة الخطوة الأولی والأرضیة المتینة للخطوات العقلانیة الأخری التي تنحو منحی ما دعا ویدعو إلیه رئیس الأقلیم للتفاهم والاتفاق التام بین بغداد وأربیل لحل کافة المشاکل والقضایا العالقة بینهما، حتی هذه الاتفاقیة لم تتخذ لتنفیذها أية خطوة عملیة وجدیة من قبل بغداد.

فما یحصل یجعل المرء یسأل باستغراب وقلق شدیدین: کیف یا تری یفکر الساسة والأطراف العراقیة المتنفذة حول مصیر العراق الذي یأنّ تحت وطأة ألف مأزق ومأزق سیاسي واقتصادي وأمني؟حقاً کیف یرون ویفهمون الواقع العراقي والمشهد السیاسي الذي لا یحسد علیه؟ فقد بات البلد یسیر شیئاً فشیئاً صوب مصیر أشبه ما یکون بالمجهول. فاستشراف ما یمکن أن یقبل علیه العراق في ظل هذا الواقع الکارثي، لیس بحاجة إلی ذکاء خارق کي یتیقن أن ذلك المجهول سوف لن یأتي إلا بما لا یحمد عقباه. وإذا کان خلف هذا الركض الأعمی نحو المجهول هو الجهل السیاسي، فهذه مصیبة، وإن کان نهجاً سیاسیاً عالماً بما هو سائر علیه وإلیه، فالمصیبة أکبر.

إنّ إخراج العراق من مأزقه، بل من مآزقه الحالیة، لا یحتاج لا إلی عصا سحرية ولا إلی معجزة، فکل ما یحتاجه هو إرادة وقناعة مبدئیة لإیجاد الحلول مع حکمة ورؤیا واضحة لدی الساسة، لاسیما من هم في مراکز القرار في بغداد، أو الأصح –عراقیاً- أن نقول في مراکز القوة، فالتأرجح بین الدولة واللادولة هو الحقیقة المرة لما یشهده العراق. فالحل علی غرار ما یراه الرئیس نیجیرفان بارزاني، لابد وأن یأتي من الداخل بقناعة وإرادة شتی الأطیاف السیاسیة والمکونات العراقیة.

قد آن لبغداد أن تخطو عملیاً وجدیاً لما دعا إلیه رئیس الإقلیم حول تشکیل قوات مشترکة من البیشمرکة والجیش العراقي للحیلولة دون تکرار ما حدث لیلة أمس، وما یمکن أن یحدث إن غضوا النظر عن خطورة عدم الأخذ بعين الاعتبار بیان رئیس إقلیم کوردستان الیوم.

بقي القول إن التحالف الدولي ضد داعش أیضاً، علیه أخذ دور فعال أکثر لتحقیق ما ناشد إلیه رئیس الإقلیم في بیانه، فالخطر الداعشي لیس خاصاً بالعراق أو بمنطقة معینة فحسب، فهو حین یهاجم ویدمر هنا الیوم، نراه غدا یفجر ویسفك هناك في عقر دارهم. إنە بحق خطر عابر للقارات.

إنّ التریث أکثر وعدم اتخاذ القرار وتنفیذه بجد، هو الجهل السیاسي بعینه ولا یسیر بالعراق إلا إلی مصیر مجهول، مجهول من اللون الأسود الداکن الذي یجعل من العراق بلداً مبنیاً للمجهول.

العراق بین مطرقة الجهل وسندان المجهول

ليفانت – آراس عبد الكريم