الحكام بوادٍ والرعية بوادٍ آخر

كمال اللبواني
كمال اللبواني

بدلاً من اهتمام النظم الحاكمة بمواجهة المشاكل والأزمات التي تعصف بالشعوب والمجتمعات العربية، والتي ليست هامة، بل حاسمة في وجود هذه الدول، تقوم النظم بتضييع الوقت وهدر الطاقات ومفاقمة الأزمات، لدرجة تصبح فيها تهمة الخيانة شائعة في كل الخطابات السياسية التي تصف هذه الأنظمة.

أزمة التكاثر السكاني من دون نمو اقتصادي موازٍ يستطيع تحمل تلك الزيادة، وما يترافق معها من أزمة تعليم وإسكان وعمل… مصادر المياه تجف بشكل دراماتيكي، مستوى التعليم والإنتاج يتدهور، فرص العمل تصبح أقل بشكل مضطرد، الأمن وسيادة القانون يتراجع بقسوة، وينتشر الفساد، وتزداد الهوة بين الطبقات، وتتمايز طبقة ترف ماجنة مجرمة وتنهار معظم الطبقة الوسطى لسويا إلى الفقر، بينما ينهار الفقراء لأتون المجاعة والمخدرات والإرهاب والهجرة.  

بذات الوقت، تهتم النخب والنظم الحاكمة فقط في امتيازاتها ومصالحها الأنانية وتسلطها وتبني قصورها ومنتجعاتها في غيتوهات توحي بانقسام كامل وقطيعة تامة بين السلطة الحاكمة وبين الشعب، الذي يدخل مرحلة الفوضى الشاملة والمجاعة. هكذا يبدو المستقبل قاتماً جداً ومن غير أفق.

فالصورة التي ننقلها عن الواقع العربي، بشكل عام، صورة توحي بتزايد عدد الدول الفاشلة وانتقال الفشل والفوضى والمجاعة والتشرد والهجرة لكل ربوع الوطن العربي ومحيطه أيضاً. وهذا ما يؤكد ضرورة البحث عن مسارات مختلفة للأحداث وطرق مختلفة في إدارة هذه البلدان، أقصد تماماً تغييراً جوهرياً في النظم السياسية والثقافة السائدة، وهو ما حاول الربيع العربي فعله، لكن تضامن وتكاتف الدول العربية المدعوم بالمال النفطي هو الذي عمل على حرف الربيع عن هدفه وتحويله لشتاء إسلامي متطرّف لكي تنجو الأنظمة من رياح التغيير، لكن أيضاً لكي تقع هذه البلدان في أتون المجاعة والفوضى والفشل والتدهور نحو الوحشية بحيث تصبح غير صالحة للسكن أو مسرحاً لكل أنواع الجريمة والمجازر.  

لا يستطيع عاقل يشاهد ما يحدث أن يمتنع عن الصراخ والتحذير، فكيف بمن يعيش في أتون تلك الظروف، لا أستطيع إلا تبرير كل أنواع ردود الفعل الواعي أو اللاإرادي حتى، فالظرف القاهر الطارئ هو من يحكم السلوك والهياج هو السمة المنتظرة لردة الفعل الشعبي القادم، الذي سيشكل تسونامي تدميري هائل سيطال كل النظم من دون وجود تأطير سياسي أو منظمات قادرة على قيادة هذا الاندفاع، وهذا ما تعمل عليه أنظمة القمع والتجهيل (أقصد تدمير كل تيار أو قوة منظمة سياسية تستوعب إرادات الجماهير وتؤطرها في صعيد سياسي منتج يحقق هدفها المتجلي في نظام حكم وإدارة مختلف جذرياً).

الشعوب العربية دخلت فعلاً مرحلة الفشل بعد أن دخلت دولها في هذا الفشل، والمزيج المتفجر ينتظر شرارات الصراعات الإقليمية والعالمية التي تهدّد المنطقة، والنتيجة ستكون كارثة بحجم حرب عالمية حتى لو سميت تفكك وانهيارات داخلية.. لكن انعكاساتها على الجوار والعالم تجعل من الضروري للآخرين التنبه ودق جرس الإنذار، بل المسارعة لتقديم مبادرات، فإنقاذ تلك البلدان يمكن فقط في فرض قيادات إصلاحية تريد فعلاً الإصلاح وتسير على برنامج إصلاح ديموقراطي يعيد الاعتبار لسلطة القانون ويعتمد المعايير الديموقراطية في الحوكمة.

ليفانت – د. كمال اللبواني