أنقذوا.. مرة أخرى

مصطفى سعد

قرأت كتاب “التحليل النفسي للجريمة”، وهو يتحدّث عن الفرد المجرم من وجهة نظر علم النفس، ولا يتحدّث عن الجماعات. يؤكد علم نفس بحسب الكاتب على أنّ الجريمة ترتكب بدافع مجموعي بعيداً عن الدافع الشخصي، بما معناه أنّ الفرد ينتمي إلى جماعة هي المسؤولة عن جريمته، السبب في ذلك هو المستوى الفئوي والاجتماعي الذي نعيشه، الجريمة لا تقتصر على القتل طبعاً.

لكن ألا يمكننا القول إنّ الجماعات يصح عليها المقياس ذاته؟ بما معناه أنّنا نستطيع أن نقول إنّ الجرائم التي تتعرّض لها الشعوب من قبل قوى احتلال أو أنظمة تنهب خيرات بلدانها وتفتك بمعارضيها هو أيضاً بسبب الجماعة التي تنتمي إليها هذه الاحتلالات أو هذه الأنظمة؟ وإن المجتمع الدولي والغرب الديمقراطي الذي يدّعي حمايته لحقوق الإنسان لم يتصرّف بشكل جدي وحقيقي للدفاع عن شعوب المنطقة التي تتعرّض لشتّى أنواع الجرائم؟

إن كنّا الأضعف فهل هذا مبرر كافٍ لأكلنا؟ أم أنّ ما يجري في القدس الشرقية ليس فيه انتهاك للإنسانية؟ وأنّ حقوق الإنسان تتمثّل في حقّ الإسرائيلي بتهجير سكان حي الشيخ جراح من بيوتهم والسكن فيها؟

تظلّ فلسطين مؤشراً هاماً على نوعية النظام الذي يحكم العالم بأسره، نظاماً وضعه الأقوياء، ومهما تضمن من قيم أخلاقية وإنسانية، فإنّ فلسطين تظلّ تذكيراً دائماً، بأنّ هذه القيم لا تسري في جميع الحالات، ومثلما إسرائيل (دولة) استثناء في كتب التاريخ، فإنّ فلسطين استثناء في الشرائع الدولية.

ومع كل انتهاك إسرائيلي كبير لبيوت الفلسطينيين يأخذ طابعاً أكثر حدة، وإن كانت هذه الانتهاكات منهجية ولم تتوقف يوماً، تطلق شريحة واسعة من شارع العالم العربي نداء استغاثة “أنقذوا…”، وعلى الرغم من قيمة هذه النداءات الرمزية بعد حملات التطبيع الواسعة التي اجتاحت العالم العربي في الأعوام الأخيرة، وارتفاع صوت مؤيدي التطبيع إلى درجة غير مسبوقة، إلا أنّ لا أحد يعلم لمن توجه هذه النداءات، في عالم يعرف العرب فيه جيداً من خبرتهم أنّ النداءات مهما اشتدّت فلن تحرّك حجراً، ولن توقف رصاصة، وفي دول أقامت السفارات الإسرائيلية داخل شوارعها منذ سنوات، نسمع نداء “أنقذوا…”، وفي دول يحكمها طغاة كان لهم دور أساسي في إخماد حركات المقاومة، نسمع نداء “أنقذوا…”، لم يقل أحد من سينقذ.

وإن كانت هذه الظواهر تبدو ذات جدوى في التعبير عن حوادث مأساوية تجتاح مدن العالم الذي تأخذ سيرورة الحياة فيها نسقاً اعتيادياً، ومفهوم العدو أو “الآخر” محدد بالنسبة إلى مفهوم الوطن بأكمله. فإنّ هذه الضوضاء خرساء تماماً بالنسبة إلى عدو لم يعرف سوى لغة القوة، والسلاح، والقهر.

لكن ولأجل الحقيقة وحدها، ينبغي ألا نستمرّ في لعب دور الضحية والتسليم بنظرية “المؤامرة” التي تحاك للقضاء على العرب والمسلمين، دون أن نشير بشكل واضح إلى أخطاء ترتقي لمستوى الجرائم الموصوفة ارتكبتها الأنظمة والنخب العربية بحق شعوب المنطقة قاطبة، وليس بحق الشعب الفلسطيني وحده. أهمها احتكار القضية الفلسطينية باسم الإسلام تارة، وباسم العروبة تارة أخرى، ليدافع فنان مصري صاحب شهرة واسعة عن لقائه بفنانين إسرائيليين في حفل بقول: “لكم دينكم ولي ديني”.

والحكم على الفعل ليس كفعل، بل بحسب الفاعل أو المفعول به، أي إعادة تأويل الفعل من خلال التهكم على الفاعل أو التقليل من شأنه أو قص جرائمه مرةً تلو الأخرى. إما أن يستنكر ويدين أو يهلل ويبارك، مثل الكثير من السوريين الذين اعتبروا الاحتلال التركي وتهجير السوريين من بيوتهم نصراً مؤزراً، وآخرون رقصوا طرباً عند تهجير أهل الغوطة وحمص وغيرها من المناطق، وكلهم ضد الاعتداء الإسرائيلي على أهالي حي الشيخ جراح. فأي نفاق وكذب وازدواجية تعيشها تلك النخب، وكيف يمكن للشعوب أن تثق بها وتلتف حولها؟!

النخب التي صمتت عن آلاف المعتقلين في بلدانها، أو التي ارتمت في أحضان السفارات الأجنبية، وعملت بإشراف أجهزة استخبارات إقليمية ودولية، لن يصدقها أحد بموقف انتهازي تشبه مواقفها بما يخصّ بلدانهما. أما السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية التي لم تشغلها أي نهضة تنموية، أو ترسيخ مبادئ العدالة والديمقراطية بقدر ما شغلها ضبط الشارع وقمعه للاستمرار في الحكم، وقمع أي صوت ينادي بالحرية والتحرر، أو يتحدّث عن سوء توزيع الثروات أو الإهمال.

المصالح الفئوية الضيقة أو الأيديولوجيات الإقصائية التي مارستها الأنظمة الشمولية والإسلام السياسي بشقيه، السني والشيعي، ألغت حالة المقاومة الشعبية التي ضمت الشيوعي والقومي والبعثي والإسلامي على اختلاف مذاهبه، والأممي والمواطن غير الحزبي أو غير المؤدلج فقط من يريد نصرة مظلوم أو إحقاق الحق، تم إلغاء كل من سبق ليتصدّر المشهد تيار الإخوان المسلمين متمثلاً بحركة حماس، وحزب الله، وانتهت الحالة التي شهدنا بها المناضل الفنزويلي، إلييتش سانشيز، أو الإيطالي، فونتانا، أو الذين أتوا من اليابان لأجل القضية الفلسطينية، أمثال تسويوشي أوكودايرا وكوزو أوكاموتو، ومن ألمانيا أولريكا ماينهوف، ومعهم عرب من المحيط إلى الخليج.

لن تمر عدة أيام حتى تنتهي مسألة حي الشيخ جراح، وبأي نتيجة انتهت ستخفت أصوات النداءات، يوماً تلو الآخر، وسيعود أهل الشيخ جراح إلى عزلتهم، وإن انتصروا وتراجعت إسرائيل ستعم الأفراح الوطن العربي وستتغير النداءات بسرعة، وسينسى كثر أنّ الحكاية لا تقتصر على مشهد الشيخ جراح الذي ألهب حماستهم، بل هي حكاية لها صفحات كثيرة، وستُكتب فيها صفحات غيرها مهما تكررت النداءات.

مصطفى سعد

ليفانت – مصطفى سعد

قرأت كتاب “التحليل النفسي للجريمة”، وهو يتحدّث عن الفرد المجرم من وجهة نظر علم النفس، ولا يتحدّث عن الجماعات. يؤكد علم نفس بحسب الكاتب على أنّ الجريمة ترتكب بدافع مجموعي بعيداً عن الدافع الشخصي، بما معناه أنّ الفرد ينتمي إلى جماعة هي المسؤولة عن جريمته، السبب في ذلك هو المستوى الفئوي والاجتماعي الذي نعيشه، الجريمة لا تقتصر على القتل طبعاً.

لكن ألا يمكننا القول إنّ الجماعات يصح عليها المقياس ذاته؟ بما معناه أنّنا نستطيع أن نقول إنّ الجرائم التي تتعرّض لها الشعوب من قبل قوى احتلال أو أنظمة تنهب خيرات بلدانها وتفتك بمعارضيها هو أيضاً بسبب الجماعة التي تنتمي إليها هذه الاحتلالات أو هذه الأنظمة؟ وإن المجتمع الدولي والغرب الديمقراطي الذي يدّعي حمايته لحقوق الإنسان لم يتصرّف بشكل جدي وحقيقي للدفاع عن شعوب المنطقة التي تتعرّض لشتّى أنواع الجرائم؟

إن كنّا الأضعف فهل هذا مبرر كافٍ لأكلنا؟ أم أنّ ما يجري في القدس الشرقية ليس فيه انتهاك للإنسانية؟ وأنّ حقوق الإنسان تتمثّل في حقّ الإسرائيلي بتهجير سكان حي الشيخ جراح من بيوتهم والسكن فيها؟

تظلّ فلسطين مؤشراً هاماً على نوعية النظام الذي يحكم العالم بأسره، نظاماً وضعه الأقوياء، ومهما تضمن من قيم أخلاقية وإنسانية، فإنّ فلسطين تظلّ تذكيراً دائماً، بأنّ هذه القيم لا تسري في جميع الحالات، ومثلما إسرائيل (دولة) استثناء في كتب التاريخ، فإنّ فلسطين استثناء في الشرائع الدولية.

ومع كل انتهاك إسرائيلي كبير لبيوت الفلسطينيين يأخذ طابعاً أكثر حدة، وإن كانت هذه الانتهاكات منهجية ولم تتوقف يوماً، تطلق شريحة واسعة من شارع العالم العربي نداء استغاثة “أنقذوا…”، وعلى الرغم من قيمة هذه النداءات الرمزية بعد حملات التطبيع الواسعة التي اجتاحت العالم العربي في الأعوام الأخيرة، وارتفاع صوت مؤيدي التطبيع إلى درجة غير مسبوقة، إلا أنّ لا أحد يعلم لمن توجه هذه النداءات، في عالم يعرف العرب فيه جيداً من خبرتهم أنّ النداءات مهما اشتدّت فلن تحرّك حجراً، ولن توقف رصاصة، وفي دول أقامت السفارات الإسرائيلية داخل شوارعها منذ سنوات، نسمع نداء “أنقذوا…”، وفي دول يحكمها طغاة كان لهم دور أساسي في إخماد حركات المقاومة، نسمع نداء “أنقذوا…”، لم يقل أحد من سينقذ.

وإن كانت هذه الظواهر تبدو ذات جدوى في التعبير عن حوادث مأساوية تجتاح مدن العالم الذي تأخذ سيرورة الحياة فيها نسقاً اعتيادياً، ومفهوم العدو أو “الآخر” محدد بالنسبة إلى مفهوم الوطن بأكمله. فإنّ هذه الضوضاء خرساء تماماً بالنسبة إلى عدو لم يعرف سوى لغة القوة، والسلاح، والقهر.

لكن ولأجل الحقيقة وحدها، ينبغي ألا نستمرّ في لعب دور الضحية والتسليم بنظرية “المؤامرة” التي تحاك للقضاء على العرب والمسلمين، دون أن نشير بشكل واضح إلى أخطاء ترتقي لمستوى الجرائم الموصوفة ارتكبتها الأنظمة والنخب العربية بحق شعوب المنطقة قاطبة، وليس بحق الشعب الفلسطيني وحده. أهمها احتكار القضية الفلسطينية باسم الإسلام تارة، وباسم العروبة تارة أخرى، ليدافع فنان مصري صاحب شهرة واسعة عن لقائه بفنانين إسرائيليين في حفل بقول: “لكم دينكم ولي ديني”.

والحكم على الفعل ليس كفعل، بل بحسب الفاعل أو المفعول به، أي إعادة تأويل الفعل من خلال التهكم على الفاعل أو التقليل من شأنه أو قص جرائمه مرةً تلو الأخرى. إما أن يستنكر ويدين أو يهلل ويبارك، مثل الكثير من السوريين الذين اعتبروا الاحتلال التركي وتهجير السوريين من بيوتهم نصراً مؤزراً، وآخرون رقصوا طرباً عند تهجير أهل الغوطة وحمص وغيرها من المناطق، وكلهم ضد الاعتداء الإسرائيلي على أهالي حي الشيخ جراح. فأي نفاق وكذب وازدواجية تعيشها تلك النخب، وكيف يمكن للشعوب أن تثق بها وتلتف حولها؟!

النخب التي صمتت عن آلاف المعتقلين في بلدانها، أو التي ارتمت في أحضان السفارات الأجنبية، وعملت بإشراف أجهزة استخبارات إقليمية ودولية، لن يصدقها أحد بموقف انتهازي تشبه مواقفها بما يخصّ بلدانهما. أما السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية التي لم تشغلها أي نهضة تنموية، أو ترسيخ مبادئ العدالة والديمقراطية بقدر ما شغلها ضبط الشارع وقمعه للاستمرار في الحكم، وقمع أي صوت ينادي بالحرية والتحرر، أو يتحدّث عن سوء توزيع الثروات أو الإهمال.

المصالح الفئوية الضيقة أو الأيديولوجيات الإقصائية التي مارستها الأنظمة الشمولية والإسلام السياسي بشقيه، السني والشيعي، ألغت حالة المقاومة الشعبية التي ضمت الشيوعي والقومي والبعثي والإسلامي على اختلاف مذاهبه، والأممي والمواطن غير الحزبي أو غير المؤدلج فقط من يريد نصرة مظلوم أو إحقاق الحق، تم إلغاء كل من سبق ليتصدّر المشهد تيار الإخوان المسلمين متمثلاً بحركة حماس، وحزب الله، وانتهت الحالة التي شهدنا بها المناضل الفنزويلي، إلييتش سانشيز، أو الإيطالي، فونتانا، أو الذين أتوا من اليابان لأجل القضية الفلسطينية، أمثال تسويوشي أوكودايرا وكوزو أوكاموتو، ومن ألمانيا أولريكا ماينهوف، ومعهم عرب من المحيط إلى الخليج.

لن تمر عدة أيام حتى تنتهي مسألة حي الشيخ جراح، وبأي نتيجة انتهت ستخفت أصوات النداءات، يوماً تلو الآخر، وسيعود أهل الشيخ جراح إلى عزلتهم، وإن انتصروا وتراجعت إسرائيل ستعم الأفراح الوطن العربي وستتغير النداءات بسرعة، وسينسى كثر أنّ الحكاية لا تقتصر على مشهد الشيخ جراح الذي ألهب حماستهم، بل هي حكاية لها صفحات كثيرة، وستُكتب فيها صفحات غيرها مهما تكررت النداءات.

مصطفى سعد

ليفانت – مصطفى سعد

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit