أسئلة تبحث عن الخلل

كفاح محمود كريم

في المعتاد الأسئلة تبحث عن الإجابات، لكن الأمر هنا لا يتعلق بإجابة ووجهة نظر، بقدر ما يبحث عن خلل بنيوي يتعلق بجملة من المرتكزات في البناء والأسس والتركيبات التربوية والاجتماعية وربما العقائدية وما يلحق بها ممن عادات وسلوك متوارث، ناهيك عن التأويلات والتفسيرات لكثير من النصوص والعقائد والنظريات في مجتمع قبلي وأسري يرتبط عضوياً بالبداوة والزراعة وما يتعلق بهما من قوانين وضوابط وارتباطات، ولذلك ذهبنا إلى محاولة لمقاربة مجتمعات هي الأقرب في ظروف تكويناتها وطبيعة تركيباتها الاجتماعية والاقتصادية.

ففي عام 1949م سجل التاريخ السياسي والاجتماعي للشعوب حدثاً مهماً في قارة آسيا، وهو انطلاق الثورة الصينية العارمة بقيادة الزعيم الشيوعي ماو تسي تونغ، ولم تمضِ إلا ثلاث سنوات حتى سجلت قارة أفريقيا حدثاً كبيراً قاده أحد الضباط الثوريين في تموز 1952م، في واحدة من أقدم ممالك العالم ألا وهي مملكة مصر وارثة ممالك الفراعنة التي أسقطها الزعيم القومي جمال عبد الناصر، في ثورة غيرت وجه الشرق الأوسط برمته، بل وجه أفريقيا وحركاتها التحررية فيما بعد، والمثير أنّ الثورتين الصينية والمصرية تصنفان على يسار الحركة السياسية في العالم آنذاك، وهناك الكثير من التشابهات بين الدولتين والشعبين فيما يتعلق بالتاريخ والحضارة التي تمتد في كليهما إلى عدة آلاف من السنين، إضافةً إلى التشابه في نسبة الأمية والفقر العالية قياساً لكثافة السكان، مع انخفاض مريع لإنتاجية للفرد والمجتمع إبان قيام الثورتين، وربما بعدهما بسنوات ليست طويلة ما حدث في كوريا ثم قيام الثورة العراقية في تموز 1958م والكثير من التشابهات بين هذه الدول وأنظمتها الاجتماعية المحافظة وما جرى فيها خلال عدة عقود من الزمن المزدحم بالإنجازات في بعضها والمتقهقر في بعضها الآخر.

لقد خاضت حكومات وشعوب تلك الدول حروباً وصراعات وانقسامات وانقلابات وثورات كثيرة متشابهة أحياناً ومختلفة إلى حدّ ما في أحيان أخرى، لكنها رغم ذلك وبعد ما يزيد على سبعين عاماً بقليل استطاعت أن تُحدث تغييراً نوعياً كبيراً في مسار تقدمها وشكل ومضمون حضارتها، وبالذات في الصين العظمى والصغرى في تايوان والأصغر في هونغ كونغ، وما حصل من تطور مذهل في كوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورا، وإزاء ذلك علينا أن نتساءل عن الفروقات بينهم وما حصل خلال ذات الحقبة الزمنية من تقهقر مريع وحصاد هزيل في بلداننا، وكيف غدت دول مثل مصر والعراق وسوريا ومن ماثلهم من أنظمة ودول بقياسات زمنية واجتماعية وسياسية متقاربة قياساً إلى ما حدث في الصين الصغيرة منها والعظمى، وما نتج في كوريا وكثير من بلدان جنوب شرق آسيا التي لا تختلف كثيراً عن دولنا وشعوبنا.

أين مراكز القوة في المجموعة الأولى لكي تقدم هذا المنتج المذهل خلال هذه السنوات وتصل إلى ما هو عليه الآن من تقدم مبهر في كل من الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة؟ وفي الطرف الآخر، أي في مجموعتنا هنا في الشرق الأوسط عموماً، وحصرياً في دول الحضارات القديمة مصر والعراق وسوريا، أين تكمن نقاط الضعف والخلل التي تسببت في هذا الانهيار والتقهقر والانكفاء؟

الأسئلة كثيرة ومؤلمة لكنها مثيرة أيضاً رغم آلامها، فهي تبحث عن تحديد مكامن الخلل بجرأة وشفافية، وكما يقول الأطباء فإن التشخيص نصف العلاج، خاصة عند إجراء مقارنة بين الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا وبقية هذه المجموعة مع مصر والعراق وسوريا التي تتشابه كثيراً في طبيعة المجتمعات وأوضاعها ونقطة الشروع فيها، وبذلك ربما ننجح في وضع خارطة طريق للأجيال القادمة لا تعتمد ذلك الكم الهائل من الموروث المربك والمعيق وما يلحقه من عادات وتقاليد ونظريات وتأويلات اجتماعية ودينية أثبتت فشلها على أرض الواقع، بل كانت السبب الرئيس لفشل كل أنظمتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم