أردوغان بين التجارة والسياسة.. حسابات الربح والخسارة تدفعه للتخلي عن الإخوان

رامي شفيق
رامي شفيق

ثمة نظرة من الضروري أن تمتد نحو أفق أوسع عند النظر إلى قرار تنظيم الإخوان، في ليبيا، بخصوص تغيير اسم التنظيم إلى جمعية “الإحياء والتجديد”، وفقاً لبيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك”، وهو ما يبرز عدة حقائق لافتة تتصل بأوضاع التنظيم في الداخل، لا سيما وأن العديد من الكتل الوازنة، في ليبيا، تحمل الجماعة قسطاً وافراً من سوء الأوضاع السياسية، خلال السنوات الماضية، ومن بينها انقلابهم على نتائج الانتخابات البرلمانية، عام 2014، بعد حصدهم أربعة عشر مقعداً فقط من أصل مائتي مقعد، ما دفع ليبيا خطوة نحو مخاطر التقسيم والتجزئة.

ويمكننا فهم بيان جماعة الإخوان باعتباره مناورة لفصل التنظيم داخل ليبيا عن بقية التنظيمات في الشرق الأوسط، ومحاولة فك الارتباط عن قيادة التنظيم الدولي للجماعة، الأمر الذي يسمح لها بهامش الحركة داخل الفضاء الليبي بعيداً عن ضغوط التنظيم وسابقة ارتباطه بتأزّم الوضع السياسي، المحلي والإقليمي، فضلاً عن تورّطه في تحالفات مباشرة وغير مباشرة مع التنظيمات الجهادية، والمتورطة هي الأخرى بدوها في عمليات العنف ضد المدنيين الليبيين. وعبر هذه الحيلة تحاول الجماعة تبييض سجلها في الداخل وكذا التحرك نحو القوى الإقليمية الداعمة من خلال جمعية مدنية، ما يسمح لها باستقبال الدعم المادي واللوجيستي الذي يحفزها صوب التحرّك للاستحقاق الانتخابي، نهاية هذا العام.

وهو الأمر الذي نجده واضحاً في تصريحات عضو جماعة الإخوان، وحزب العدالة والبناء، عبد الرزاق سرقن، والذي قال: “إنّ الجماعة رأت أن يكون عملها داخل ليبيا فقط، لهذا انتقلت إلى جمعية الإحياء والتجديد”، وأضاف: “هكذا أصبحت الجماعة لا تتبع أي جهة خارج ليبيا، ولا تتبع جماعة الإخوان المسلمين عالمياً، وإنما صارت جمعية تعمل داخل الوطن فقط”.

بيان جماعة الإخوان، المصنّفة على قوائم الإرهاب، في عدد من البلدان العربية، يحفل بالعديد من الجمل البلاغية التي لا تبني أمامها أي أفق سياسي، وتفضح حالة الضعف والتراجع التنظيمي والميداني، كما تكشف بنفس الدرجة عن فقدانها أي دور بعد نجاح المسار السياسي في ليبيا، بينما تحاول عبر هذه الحيلة الأخيرة مداراة الفجوات والثقوب التي تتسع في جسدها التنظيمي، وقد أشار البيان إلى أنّ “الاجتهاد بالنظر إلى الواقع ومراعاة متغيراته أمر تقتضيه الحكمة ويفرضه منطق العقل فضلاً عن أنه مطلب شرعي لتحقيق الغايات للوصول إلى مرضاة الله تعالى في تبليغ الرسالة وأداء الأمانة”.

وأضاف البيان “إنّ جمعية الإحياء والتجديد ستؤدي رسالتها في المجتمع الليبي، من خلال عملها الدؤوب في شتى مجالات العمل العام، إيماناً منها أن المدخل الحضاري للتغيير والنهضة هو العمل المجتمعي، للإسهام في مجتمع مدني لا يضيق بالنوع والاختلاف، تتمثل فيه القيم الإسلامية، ويسوده العدل وتحترم فيه كرامة الانسان، وحتى تتكاتف الجهود ونبلغ جميعاً الغاية التي نطمح إليها، تدعو جمعية الإحياء والتجديد أبناء وبنات الوطن إلى التعاون والعمل معا لتحقيق ما نصبو إليه جميعا لرفعة الوطن، وترسيخ هويته الجامعة، وحماية أصالته الضاربة في آماد السنين”.

الجانب الخفي والمسكوت عنه في البيان، والذي يبرز بين سطوره، يتجاوز التعقيدات التي باتت مثل ألغام يحملها التنظيم في ظل مقامراته الإقليمية العديدة، والمستمرة على نحو عقد من الزمان، وكذا الاستقالات المتكررة التي تضرب الجماعة، خلال الشهور الماضية، حيث يمتد ويتصل بشكل مباشر بسياق التناقضات الإقليمية والدولية وتداعياتها على الأوضاع في ليبيا التي شهدتها منذ اندلاع ثورة فبراير العام 2011 وحتى اللحظة، وهو ما نجم عنه بالمحصلة تقزيم الدور الوظيفي للجماعة.

ربما، نقطة البدء نحو الاشتباك مع سطور البيان ينبغي أن تكون مع تجاوز الأزمة الخليجية مع قطر، لا سيما فيما بين الرياض والدوحة، وكذا تصريحات الجانب التركي الساعية نحو استئناف العلاقات مع القاهرة التي صاحبتها ممارسة ضغوط من قبل أنقرة ضد الإخوان استجابة لرغبات القاهرة.

والتطورات الإقليمية التي مر بها الشرق الأوسط، خلال الشهور الأخيرة، نجم عنها بالتبعية تراجع الدعم الذي كان يحظى به الإخوان من أنقرة، ما بدت معه علاقات الأخيرة بالتنظيم ووضع قياداته داخل البلاد في لحظة فارقة، خاصة إثر تصريحات كرم الله أوغلو، رئيس حزب السعادة المعارض التركي، والذي أعلن فيه استقبال الحزب لعدد من قيادات جماعة الإخوان المصريين المقيمين بتركيا، ما عزا بنائب المرشد، إبراهيم منير، إصدار بيان تعهد فيه بـ”عدم المساس بأمن واستقرار تركيا”، واحترام الدستور والقانون وتقدير الرئيس التركي والحرص على استقرار الوضع السياسي داخل البلاد.

جاء اللقاء الأخير وسط أجواء سياسية متوترة ومشحونة بالقلق، تضرب نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، فضلاً عن أزمة علاقاته مع واشنطن إثر إعلان الرئيس الامريكي، جو بايدن، اعترافه بمذابح الأرمن.

واللافت أنّ البيان يتزامن ومساعي تركيا نحو إعاده تموضعها في الداخل الليبي، من خلال بروز الجانب الاقتصادي في صدارة المشهد، ودفع تهمة الشروع في تعزيز الاقتتال الليبي من خلال الميلشيات بعيداً عن الجانب التركي، الأمر الذي بدا واضحاً من رد الفعل الذي ظهر عليه وزير الخارجية التركي، مولود تشاويش أوغلو، خلال المؤتمر الصحفي الذي جمعه مع وزيرة الخارجية الليبية، نجلاء المنقوش، إبان زيارته الأخيرة لطرابلس، حيث كررت الأخيرة المضامين ذاتها في تصريحاتها، وقد شددت على حتمية خروج الميلشيات والمرتزقة من “التراب الوطني” تفعيلاً لمبدأ السيادة على الأرض.

وهذه المرة، تحديداً، دعت تركيا إلى معاونة الجانب الليبي في ذلك، ما دفع وزير الخارجية التركي، نحو القول بعصبية واضحة إنّ “القوات التركية كانت في ليبيا كجزء من اتفاق تدريب تم التوصل إليه مع إدارة سابقة في ليبيا”. وأضاف: “هناك من يساوي وجودنا القانوني مع مجموعات المرتزقة الأجنبية التي تقاتل في هذا البلد من أجل المال”.

تصريحات أوغلو، التي رددها داخل طرابلس، خبرت إقدام المرتزقة الأجانب بدعم مباشر من الجانب التركي، كانت مادة خصبة للتقارير الصحفية والحقوقية، المحلية والأممية، التي تحدثت غير مرة عن الدور التركي في نقل ومساندة مرتزقة أجانب من سوريا إلى ليبيا للقتال إلى جانب ميليشيات طرابلس التي كانت تعمل لحساب حكومة الوفاق السابقة.

تركيا التي تقع تحت وطأة توترات عنيفة، ومشكلات جمة، محلية وإقليمية، تجد نفسها مضطرة ولو تكتيكاً إلى بعث رسائل إيجابية للقاهرة والرياض وأبو ظبي؛ إذ تدرك جيداً أنّ معطيات الواقع في هذه اللحظة حسمت أمرها نحو ضرورة خلع سترة الدعم التي تمنحها لتنظيمات الإسلام السياسي بين القاهرة وتونس وليبيا، والاتجاه إلى التجارة والمصالح الاستثمارية في الداخل الليبي الذي بالضرورة يحتاج إلى أن يجنح نحو السلام حتى يتسنّى لمسار البناء وإعادة التعمير أن ينتصب وينطلق في مساره الآمن. وهو ما أكد عليه أوغلو في طرابلس عندما تحدّث عن مشاوراته من أجل عودة الشركات التركية للعمل في ليبيا، وأنه جرى خلال هذه الزيارة بحث التعاون الاقتصادي والاستثمارات في ليبيا.

رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق