الوضع المظلم
الثلاثاء ٢٥ / يناير / ٢٠٢٢
Logo

معارضة ستة.. ستة ونص

معارضة ستة.. ستة ونص
مصطفى سعد

لم تكن فكرة توحيد المعارضة السورية الديمقراطية وليدة المرحلة أو اللحظة الراهنة، بل تعود إلى عقود مضت. عام 1979 أعلنت مجموعة من الأحزاب المعارضة (الحزب الشيوعي (المكتب السياسي) وحزب الاتحاد الاشتراكي الديمقراطي وحركة الاشتراكيين العرب وحزب العمال الثوري وحزب البعث الديمقراطي)، لينضم إليهم لاحقاً حزب العمل الشيوعي ولادة التجمع الوطني الديمقراطي.


تميزت هذه الأحزاب والقوى بأنها تتبع لإيديولوجيات مختلفة وليست ذات صبغة واحدة لكن كان الاتفاق فيما بينها على أهمية ترسيخ مبادئ الديمقراطية وعودة الحياة السياسية للشارع السوري بعد أن أنهاها حكم البعث.


لم تنجح تلك القوى في صراعها مع السلطة السورية، وتم زج العديد من كوادرها في السجون لسنوات طويلة. مع بداية الربيع العربي في تونس ووصوله سوريا عبر بوابة درعا، شكلت أحزاب التجمع مع آخرين من شخصيات مستقلة وممثلين عن الحراك الشعبي، هيئة التنسيق الوطنية لقوى التغيير الديمقراطي، وعادت فكرة توحيد المعارضة السورية لمواجهة النظام القائم في دمشق.


كانت أهم المحاولات لتوحيد المعارضة السياسية في العاصمة القطرية عام 2011، الخلاف كان حول كيفية الحل للأزمة السورية. المثلث المعارض في حينها كان إعلان دمشق وجماعة الإخوان المسلمين وهيئة التنسيق. اختلفت الرؤى، فإعلان دمشق والإخوان تبنوا الحل العسكري والتدخل الخارجي، وهذا ما لم تقبل به هيئة التنسيق.


شكل الطرف المتمثل بإعلان دمشق والإخوان ما سمي بالمجلس الوطني الذي ظنّ أنّه باستطاعته تحريك حلف الناتو نحو سوريا على غرار ليبيا، ورأى أنّ إسقاط النظام لن يتم إلا بالعنف والحديد.


المحاولة الثانية لتوحيد المعارضة كانت في القاهرة بإشراف الجامعة العربية، لم تنتهِ المحاولة بعدم التوحيد فقط، بل ذهبت أبعد من ذلك، حيث تم ضرب كل من الدكتور عبد العزيز الخير والمحامي رجاء الناصر بالبيض وشتمهما وتخوينهما لأنّهما طرحا رؤية مختلفة عن المجلس الوطني، المدعوم من قطر وتركيا. استمر تخوين أصحاب الخط التسووي الذين يرون أنّ الحل يكون في تسوية سياسية بين النظام والمعارضة وفق بيان جنيف 1 والقرارات الدولية 2254، وأنّ هذه التسوية تمهد الطريق لانتقال سياسي نحو بلد ديمقراطي.


وكأي نظام تشغيل تنتهي صلاحيته ويتم تحديثه، انتهت صلاحية المجلس الوطني وتم تشكيل الائتلاف السوري المعارض في 2012، بعد ذلك كانت منصّة القاهرة وموسكو والرياض، واجتمعت المنصات الثلاث في الهيئة العليا للمفاوضات واللجنة الدستورية بكيان وظيفي وليس سياسي.


بعد كل هذه التجارب المخيبة للآمال، اتّضح استحالة توحيد المعارضة حتى تلك التي تطالب بالديمقراطية، فكانت فكرة توحيد رؤية المعارضة ضمن إطار جبهة عريضة تضم كل القوى غير الاقصائية التي تؤمن بإنهاء حالة الاستبداد والقمع وتريد بناء وطن حر. هذا الأساس الذي بُني عليه لتشكيل جبهة جود (الجبهة الوطنية الديمقراطية).


أخرجت الورقة السياسية مجموعة من الأحزاب والشخصيات المستقلة، وأعلنوا عن مؤتمرهم التأسيسي نهاية شهر آذار الماضي. الوثيقة التي تم إعدادها للمؤتمر كانت واضحة تماماً، فقد أكدت على أنّه لا حل سياسي إلا بإنهاء حالة الاستبداد وإسقاط النظام الأمني وتطبيق القرارات الدولية.


هذا ما رفضه النظام ومنع المؤتمر بذريعة عدم الحصول على موافقة من لجنة شؤون الأحزاب -علماً أنّ أحزاب هيئة التنسيق غير مرخصة- وهذا المنع متوقع طبعاً. لكن المفاجئ موقف معارضة "الخارج" التي تجيد باحتراف إطلاق التهم الجاهزة والتشكيك بكل عمل سياسي في الداخل وبالقائمين عليه.


أولى تلك التهم أنّ في إقامة مؤتمر كهذا في الداخل السوري ما يخدم النظام بمنحه وجهاً ديمقراطياً مغايراً لواقعه؛ وثانيها أنّه بإيعاز من روسيا وإيران؛ وثالثها بأنّ جود والمشاركين فيها أرادت كسب رضا القوى الدولية بعد استشعارها أنّ النظام شارف على نهايته. وفي كل هذه التهم ما يخدم النظام لا المعارضة. هذه الاتهامات وكأنّها تدعم رواية النظام المزعومة بأنّ أطراف المعارضة آثروا البقاء في الخارج لأنّهم عملاء للخارج، وبالتالي فإنّ من بقي في الداخل السوري ما زال، برغم معاناته للأزمات المعيشية الخانقة كغياب أبسط مقومات العيش وانقطاع الكهرباء والفيول، متمسكاً بولائه للنظام، بحسب الرواية التي يروّج لها النظام نفسه.


أليس الطرح القائل بأنّ كل معارضة الداخل مؤتمرة من النظام وتعمل تحت مظلته هو نصر للسلطة السورية على كل من يهاجمها؟ أليس هذا بدوره تصدير لصورة النظام ككيان مقاوم "للمؤامرة الكونية" بدلاً من إظهاره بوجهه المستبد؟ ألا تقدم هذه الاتهامات دلائل على أنّ أية انتخابات يكسبها النظام هي حرة ونزيهة، وأن هذه البلاد استحقت مجدداً لقب سوريا الأسد وليس الجمهورية العربية السورية؟


ولو كان جود صنيعة النظام ما كان ليتبنّى ورقة تنادي بإسقاطه وتحمله مسؤولية كل ما جرى في البلاد وتطالبه بالإفراج عن المعتقلين. أما أن يكون بطلب روسي أو إيراني فالجبهة الوطنية الديمقراطية كانت واضحة بوصف كل الجيوش والميليشيات المتواجدة فوق الأراضي السورية بأنّها احتلالات ويجب العمل على إخراجها واستعادة السيادة على كافة الجغرافيا السورية.


وننتهي عند الذين قالوا إنّ هدف جود كسب رضا القوى الدولية، فنذكرهم أنّ ما جاء بورقة جود لا يختلف كثيراً عما أُخرج في مؤتمر حلبون عام 2011، يوم تأسيس الهيئة ولم يكتب عام 2021.


ختاماً: أثبتت المعارضة السورية أنّها قدمت الأداء الأسوأ بين معارضات الدول العربية التي شملها التغيير، وأنها جزء من المآسي التي يعيشها السوريون اليوم. بعض تلك المعارضة مرتهنة تماماً للسفارات العربية والإقليمية وتأتمر بأمرهم، وبعضها يغلّب الهوية الأيديولوجية على الهوية الوطنية الجامعة، وقسم منهم تحكمهم الشخصنة، فتبعدهم خلافاتهم الشخصية عن الاتفاق فيما بينهم، بالإضافة إلى أنّ حب الزعامة وتضخم "الأنا" يحول دون قيامهم بأي عمل تنظيمي جاد، وهذه مشكلة أغلب النخب السورية في كافة المجالات وعلى اختلاف مواقفهم السياسية.


لم ينتج الشعب السوري قائداً أو شخصيةً كاريزماتية يلتف حولها الشارع، ولم تنجح _لأسباب عديدة_ الأحزاب والقوى القديمة والجديدة في استقطاب جماهير وأفراد وخلق كيان سياسي يستمدّ قوته من أفراده وبرنامجه السياسي، لذلك وكما علّمنا لينين في موضوعات نيسان 1917، فإنّ تقييم المرحلة الراهنة يقتضي من القوى السياسية التي تؤمن بالحل السياسي وبناء دولة علمانية ديمقراطية وفق أسس علمية حديثة أن توحد رؤاها وتتفق وفق الممكنات على ما يجمعها، وأن تتعالى على كل أسباب الفرقة.


هامش: كمثال على شخصية السوري "النخبوي"


في مونديال 2002، الذي استضافته كوريا الجنوبية واليابان، رافق عرض المباريات برنامج على القناة السورية، يستضيف مقدم البرنامج (إياد ناصر) مدرباً أو حكماً أو لاعباً سورياً ليقيم المباراة.


المباراة النهائية التي جمعت ألمانيا والبرازيل، وانتهت بفوز البرازيل بهدفين مقابل صفر لنظيره الألماني، وبعد انتهائها وتقييم الفريقين ومدربيهما، أشاد ضيف البرنامج (المدرب الذي لا يملك أي إنجاز يذكر) بحسن إدارة المدرب سكولاري لمنتخب البرازيل أثناء المباراة، ولم يعجبه أداء المدرب الألماني، رودي فولر، وأخبرنا عما كان يجب عليه أن يفعل، وما كان عليه ألا يفعل. وحين سئل عن العلامة التي يستحقها من عشرة صفن قليلاً ثمً أجاب بثقة: ستة.. ستة ونص.


مصطفى سعد


ليفانت - مصطفى سعد

facebook
facebook

ابق على اتصال

النشرة الإخبارية

اشترك في قائمتنا البريدية للحصول على التحديثات الجديدة!