يحق لنا أن نحب كرة القدم

أسامة هنيدي

كتب محمود درويش يوماً في كتابه ذاكرة للنسيان “ونحن أيضاً نحب كرة القدم، ونحن أيضاً يحق لنا أن نحب كرة القدم ويحق لنا أن نرى المباراة، لم لا؟ لم لا نخرج من روتين الموت؟”.

وأضاف: “ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ إلى ذباب مزعج، وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة”.

شيئاً فشيئاً تتقلص مساحة الفرح في هذا العالم، وخاصة في هذا الشرق اللعين الذي أمعن في قهرنا بشتى الوسائل، وأصبحنا معه نشتهي الابتسامات لأن الضحكات أصبحت بالنسبة إلينا ترفاً.

لم تكد تمضي ساعات منذ الإعلان عن فكرة السوبر الليغ الأوروبي، كبديل عن أعرق البطولات الأوروبية في تاريخ اللعبة الأكثر شعبية في العالم، وأقصد كرة القدم، حتى اندلعت (ثورة ناعمة) في العديد من البلدان الأوروبية اعتراضاً على البطولة المذكورة قادتها جماهير تلك الأندية الكبيرة.

وحيث يتجه العالم بأسره للتسليع في ظلّ أزمات اقتصادية عصفت بمعظم دول العالم فاقمتها أزمة اللعين المستجد (كوفيد-19 )، الأمر الذي دفع أندية الصفوة المالية الأوروبية الأكثر عراقة، لطرح فكرة السوبر ليغ، بتمويل من بنك أمريكي وعد بإغداق ملايين الدولارات في صناديق الأندية المشاركة في البطولة الجديدة، تعويضاً عن الخسائر الفادحة التي منيت بها تلك المؤسسات، دون اعتبار لآراء مشجعي تلك الأندية في بلدانها وخارجها، ودون حساب للأندية الأضعف من الناحية المالية، ولكن المجتهدة، وفي ضرب لروح التنافسية العالية التي أثبتتها تلك الأندية، والتي أوصلت ناد، كالنجم الأحمر اليوغسلافي، للتربع على عرش القارة العجوز يوماً ما.

شعر عشاق الساحرة المستديرة حول العالم بخيبة أمل كبيرة، كيف لا وقد حرم الكثيرون منهم حتى من متابعة المباريات، وخاصة في البلدان الفقيرة والمنكوبة كحالنا، بعد لعنة احتكار بعض القنوات التلفزيونية لحقوق بث المباريات، والتي يبلغ رقم اشتراكها السنوي حلماً بعيد المنال بالنسبة لمواطن سوري مثلا.

ولعلّي أذكر هنا موقف الرئيس البوليفي، إيفو موراليس، الذي خصص جزءاً من موازنة الدولة لشراء حقوق بثّ كأس العالم، وجعل شعبه الفقير العالم ثالثي يتابع اللعبة التي يعشق، فكم من موراليس موجود في العالم العربي؟

لكن ردود الفعل القاسية التي صدرت عقب هذا الإعلان، من لاعبين ومدربين ومشجعين وإعلاميين، إنما تحمل دلالات عديدة وتبعث على الأمل من جديد في الانتصار لحقوق الناس، وخاصة في أفراحهم البسيطة، وفي دفاعهم عن حقوقهم في مواجهة التوحش المالي الذي يحاصرهم.

فعندما يصرّح وزير الرياضة البريطاني، أوليفر دودن، أنّ بلاده ستبذل ما في وسعها لعرقلة دوري السوبر الأوروبي، بينما أوضح رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، موقفه بالقول: “إن الحكومة البريطانية ستبذل كل جهد مستطاع لمنع إقامة البطولة”. وأضاف في جلسة عقدت خصيصاً لذلك في البرلمان البريطاني: “أدعوكم للاطمئنان إذا لم يتمكنوا من التحرّك فسنقوم نحن بذلك سنفعل. كل ما يلزم لحماية لعبتنا الوطنية المفضلة”.

لعل ما يجعل المتابع لذلك الحدث يشعر بالقهر مجدداً ولسببين:

الأول: عندما يتابع مجلس نوابه الذين لم يخترهم أحد بطريقة ديموقراطية ليدافعوا عن حقوقه وخدماته الأساسية، بل ويكاد أي شخص يعيش في بلد، كسوريا مثلا، لا يعرف اسماً واحداً من أسماء مجلس نوابه، فمجلس النواب هذا له اختصاص وحيد وهو التهليل والتصفيق ورفع اليد بقصد الإجماع على قرار تم اتخاذه مسبقاً، وبقي أن يصادق عليه بعض الأشخاص الهامشيين ورهط من رجال الأعمال وغيرهم من الأوفياء لسلطة الاستبداد المنتفعين من وجودها، أما من يفكر كيف وأين سيتابع مباراة كرة القدم وهو يتحسس جيوبه الفارغة فهي ليست من اختصاص واهتمام هؤلاء.

والثاني: هو الضاغطة الاقتصادية التي تجعله يضحي بكثير من الأمور التي تشكل شغفه وهوايته واهتماماته في سبيل الأساسيات التي لن يستطيع بأي حال من الأحوال تجاوزها أو إهمالها، لأنّ ذلك سيعني وقوعه في دائرة التقصير تجاه بيته وأسرته وأولاده، الأمر الذي يحمله وزراً لا يستطيع ذو أخلاق التفكير فيه.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو حصلت على حقي في رغيف الخبز، وعن حقي في متابعة كرة القدم.. هل هذا كثير أيها العالم المتحضر؟.

أسامة هنيدي

ليفانت – أسامة هنيدي