هل نجح “ممثلو” الثورة السورية في إنتاج خطاب يعبّر عنها؟

طارق عزيزة
طارق عزيزة

لإنتاج خطاب يعبّر عن ثورة شعب يطلب تغييراً جذرياً، ليس كافياً هجاء النظام الذي ثار الشعب ضدّه، ولا شتمه ليل نهار أو فضح جرائمه (على أهمية توثيق الجرائم لمحاسبة المسؤولين عنها)، ولا ينفع استجداء العالم للتدخّل من أجل وقفها، كما لا يكفي تكرار الشعارات البرّاقة والعبارات الجاهزة، عن الحرية والعدالة والتغيير والمستقبل المشرق. الثورة السورية

ما سبق يلخّص أبرز عناصر خطاب المتحدثين باسم الثورة السورية، ووثائق هيئات المعارضة طيلة السنوات العشر الماضية، فهل يكون الخطاب سياسياً وثورياً، ما لم يقدّم تحليلاً للواقع والتحديات التي كانت تنتظر الثورة وسبل التعامل معها، وما لم يضع تصوّرات لأهداف مرحلية وكيفية تحقيقها على طريق الهدف الكبير (إسقاط النظام)، في ضوء عناصر القوة والضعف الذاتية، وموازين القوى الموضوعية؟

استبداد نظام الأسد وإجرامه حقيقة واقعة، لكنها لا تكفي لتفسير كل شيء، وإسقاطه هدفٌ سامٍ ولا مستقبل لسوريا ما لم يتحقق هذا الهدف، وهذه أيضاً حقيقة. لكن هاتين الحقيقتين تقتضيان من الساعين إلى التغيير فهم الواقع الذي أنتجه استبداد النظام وإجرامه طيلة عقود من الحكم التسلّطي الممسك بمفاصل الحياة كافّةً، أي فهم ميدان الصراع الاجتماعي والسياسي، للتمكن من التعامل معه. فالوصول إلى هدف، يتطلّب فهم شروط الواقع والإمكانات الذاتية، ومواطن القصور التي تعيق تحقيقه. هذه من عناصر الخطاب الثوري الرئيسية لكي يفهم الناس واقعهم وظروف الصراع، وحجم التحديات التي تنتظرهم، ويتهيّؤا لها.

إنتاج هذا الخطاب لا يقع على عاتق عامّة الثوار، وإنما في صلب مهام المشتغلين في الفكر والسياسة والإعلام، وليس لهم تبرير التقصير بقمع النظام وحربه المفتوحة على الشعب، لأن كثيرين منهم وجدوا طريقهم باكراً إلى ملاذات آمنة. قلّة فقط اجتهدت في تحليل الواقع وطرح الأسئلة الثورية ومحاولة الإجابة عنها، من موقع نقدي/ ثوري، فيما اكتفت غالبيتهم باجترار الشعارات و”الكلام الكبير” الذي لا يقول شيئاً.

يعلم المتابعون لخفايا تشكيلات “المعارضة والثورة”، أنها أنفقت وقتاً وجهداً في صراعاتها ومماحكاتها ومحاصصاتها التافهة، أكثر بكثير مما فعلت لوضع وتنفيذ تصوّرات ومهام تخدم الثورة وتعالج انحرافاتها، ولم تدرك أهمية الإعلام ودوره، أو تحسن استخدامه والاستفادة منه. في المقابل تنبّه نظام الأسد لخطورة الإعلام وأهميته منذ اليوم الأول للثورة، فكان النشطاء الإعلاميون على رأس قائمة أهدافه. وإذا كانت تغطية ما يجري في سوريا جرت، بدايةً، عبر بعض القنوات الكبرى التي اعتمدت على مصادر ومتحدثين ينتمون لمختلف فئات المعارضة، لكن الوقت لم يطل حتى بدأت تتدفّق التمويلات وتظهر إذاعات ومواقع إلكترونية ومحطات تلفزيونية، تتحدث جميعها باسم الثورة. تلك الطفرة الإعلامية، وتعدّد المنابر وتنوّعها، كان يُفترض أن تشكّل دليل حيويّة وعافية، خاصّة وأنّ هدف الثورة إسقاط النظام الاستبدادي والتأسيس لنظام ديمقراطي تعدّدي يقوم على التنوّع ويغتني بالاختلاف، لكن النتائج جاءت مخيبة عموماً.

لم يعد الإعلام ومحتواه مقتصراً على نقل الخبر أو المعلومة، وإنما بات جزءاً من آليات الصراعات وعلاقات القوة والهيمنة في المجتمع، وانعكاساً لها في الوقت نفسه، عبر الكيفية التي يقدّم بها الواقع، وتمثيل الهويات أو حتى صناعتها، وما يتداوله ويكرره من ألفاظ وتعابير، يظهر أثرها التراكمي في الأوساط الشعبية تدريجياً، فتتكرّس أو تتلاشى قيم وأخلاقيات معيّنة. رغم أهمية ذلك، ورغم الإمكانات المالية الضخمة التي تدفّقت على من ساءت الأقدار وشاءت الدول أن يُنصَّبوا ممثلين عن الشعب السوري وثورته، افتقرت الثورة السورية إلى استراتيجية إعلامية واضحة المعالم، وتميّز خطابها الإعلامي والسياسي، بالارتجال والعفوية وتغليب المشاعر والعواطف، فضلاً عن المصالح الفئوية والحزبية الضيقة.

في بداية الثورة كان أداء كثير من الناشطات والنشطاء مبدعاً وخلّاقاً، وعبّر عن القيم والأهداف التي رفعها الشارع المنتفض، بالرغم من ضعف الإمكانات ومخاطر العمل من داخل سوريا. لكن الحال اختلف بعد ظهور “الإعلام الثوري” المموّل، والمرتبط بأجندات حزبية أو بسياسات الممولين المتغيّرة. والأخطر أنّه سرعان ما ظهرت ملامح شبه بين كثير منه وبين إعلام النظام، فتكاملت “استراتيجية النظام” و”لا استراتيجية” المعارضة لتشويه الثورة. وبدلاً من الدعاية المضادة التي تفنّد دعاية النظام، تضمّنت دعاية المعارضة كثيراً مما يتثبت دعايته، خصوصاً مع سيطرة التيارات الإسلامية على المشهد. وبما أنّ الخطاب السياسي والإعلامي لا ينفصل عن السياق (صفة المتكلم وموقعه، والفئات التي يتوجّه لها)، فإنّ الأخطاء والسقطات التي يتكرر صدورها عن سياسيين وإعلاميين يتحدثون باسم الثورة وعبر منابر تنتسب لها أو تؤيّدها، تخرج من نطاق المواقف الفردية أو أنّ المتحدث يمثّل نفسه، لتصبح لصيقة بالثورة وخطابها.

على ما سبق، ليس من المبالغة القول، إنّ من تصدّروا مشهد تمثيل الثورة السورية العظيمة والمحقّة، فشلوا في إنتاج خطاب سياسي وإعلامي يعبّر عنها. وأعراض الاستبداد المزمن ظهرت جليّةً في بؤس “القوى السياسية” وترهّلها وتأخّر خطابها عن مواكبة الواقع وتحوّلاته، وظهرت في الأمّية السياسية والحقوقية لدى كثيرين ممن ابتليت بهم الثورة، لاسيما في ميدان الإعلام الخطير والحساس. الثورة السورية

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

لإنتاج خطاب يعبّر عن ثورة شعب يطلب تغييراً جذرياً، ليس كافياً هجاء النظام الذي ثار الشعب ضدّه، ولا شتمه ليل نهار أو فضح جرائمه (على أهمية توثيق الجرائم لمحاسبة المسؤولين عنها)، ولا ينفع استجداء العالم للتدخّل من أجل وقفها، كما لا يكفي تكرار الشعارات البرّاقة والعبارات الجاهزة، عن الحرية والعدالة والتغيير والمستقبل المشرق. الثورة السورية

ما سبق يلخّص أبرز عناصر خطاب المتحدثين باسم الثورة السورية، ووثائق هيئات المعارضة طيلة السنوات العشر الماضية، فهل يكون الخطاب سياسياً وثورياً، ما لم يقدّم تحليلاً للواقع والتحديات التي كانت تنتظر الثورة وسبل التعامل معها، وما لم يضع تصوّرات لأهداف مرحلية وكيفية تحقيقها على طريق الهدف الكبير (إسقاط النظام)، في ضوء عناصر القوة والضعف الذاتية، وموازين القوى الموضوعية؟

استبداد نظام الأسد وإجرامه حقيقة واقعة، لكنها لا تكفي لتفسير كل شيء، وإسقاطه هدفٌ سامٍ ولا مستقبل لسوريا ما لم يتحقق هذا الهدف، وهذه أيضاً حقيقة. لكن هاتين الحقيقتين تقتضيان من الساعين إلى التغيير فهم الواقع الذي أنتجه استبداد النظام وإجرامه طيلة عقود من الحكم التسلّطي الممسك بمفاصل الحياة كافّةً، أي فهم ميدان الصراع الاجتماعي والسياسي، للتمكن من التعامل معه. فالوصول إلى هدف، يتطلّب فهم شروط الواقع والإمكانات الذاتية، ومواطن القصور التي تعيق تحقيقه. هذه من عناصر الخطاب الثوري الرئيسية لكي يفهم الناس واقعهم وظروف الصراع، وحجم التحديات التي تنتظرهم، ويتهيّؤا لها.

إنتاج هذا الخطاب لا يقع على عاتق عامّة الثوار، وإنما في صلب مهام المشتغلين في الفكر والسياسة والإعلام، وليس لهم تبرير التقصير بقمع النظام وحربه المفتوحة على الشعب، لأن كثيرين منهم وجدوا طريقهم باكراً إلى ملاذات آمنة. قلّة فقط اجتهدت في تحليل الواقع وطرح الأسئلة الثورية ومحاولة الإجابة عنها، من موقع نقدي/ ثوري، فيما اكتفت غالبيتهم باجترار الشعارات و”الكلام الكبير” الذي لا يقول شيئاً.

يعلم المتابعون لخفايا تشكيلات “المعارضة والثورة”، أنها أنفقت وقتاً وجهداً في صراعاتها ومماحكاتها ومحاصصاتها التافهة، أكثر بكثير مما فعلت لوضع وتنفيذ تصوّرات ومهام تخدم الثورة وتعالج انحرافاتها، ولم تدرك أهمية الإعلام ودوره، أو تحسن استخدامه والاستفادة منه. في المقابل تنبّه نظام الأسد لخطورة الإعلام وأهميته منذ اليوم الأول للثورة، فكان النشطاء الإعلاميون على رأس قائمة أهدافه. وإذا كانت تغطية ما يجري في سوريا جرت، بدايةً، عبر بعض القنوات الكبرى التي اعتمدت على مصادر ومتحدثين ينتمون لمختلف فئات المعارضة، لكن الوقت لم يطل حتى بدأت تتدفّق التمويلات وتظهر إذاعات ومواقع إلكترونية ومحطات تلفزيونية، تتحدث جميعها باسم الثورة. تلك الطفرة الإعلامية، وتعدّد المنابر وتنوّعها، كان يُفترض أن تشكّل دليل حيويّة وعافية، خاصّة وأنّ هدف الثورة إسقاط النظام الاستبدادي والتأسيس لنظام ديمقراطي تعدّدي يقوم على التنوّع ويغتني بالاختلاف، لكن النتائج جاءت مخيبة عموماً.

لم يعد الإعلام ومحتواه مقتصراً على نقل الخبر أو المعلومة، وإنما بات جزءاً من آليات الصراعات وعلاقات القوة والهيمنة في المجتمع، وانعكاساً لها في الوقت نفسه، عبر الكيفية التي يقدّم بها الواقع، وتمثيل الهويات أو حتى صناعتها، وما يتداوله ويكرره من ألفاظ وتعابير، يظهر أثرها التراكمي في الأوساط الشعبية تدريجياً، فتتكرّس أو تتلاشى قيم وأخلاقيات معيّنة. رغم أهمية ذلك، ورغم الإمكانات المالية الضخمة التي تدفّقت على من ساءت الأقدار وشاءت الدول أن يُنصَّبوا ممثلين عن الشعب السوري وثورته، افتقرت الثورة السورية إلى استراتيجية إعلامية واضحة المعالم، وتميّز خطابها الإعلامي والسياسي، بالارتجال والعفوية وتغليب المشاعر والعواطف، فضلاً عن المصالح الفئوية والحزبية الضيقة.

في بداية الثورة كان أداء كثير من الناشطات والنشطاء مبدعاً وخلّاقاً، وعبّر عن القيم والأهداف التي رفعها الشارع المنتفض، بالرغم من ضعف الإمكانات ومخاطر العمل من داخل سوريا. لكن الحال اختلف بعد ظهور “الإعلام الثوري” المموّل، والمرتبط بأجندات حزبية أو بسياسات الممولين المتغيّرة. والأخطر أنّه سرعان ما ظهرت ملامح شبه بين كثير منه وبين إعلام النظام، فتكاملت “استراتيجية النظام” و”لا استراتيجية” المعارضة لتشويه الثورة. وبدلاً من الدعاية المضادة التي تفنّد دعاية النظام، تضمّنت دعاية المعارضة كثيراً مما يتثبت دعايته، خصوصاً مع سيطرة التيارات الإسلامية على المشهد. وبما أنّ الخطاب السياسي والإعلامي لا ينفصل عن السياق (صفة المتكلم وموقعه، والفئات التي يتوجّه لها)، فإنّ الأخطاء والسقطات التي يتكرر صدورها عن سياسيين وإعلاميين يتحدثون باسم الثورة وعبر منابر تنتسب لها أو تؤيّدها، تخرج من نطاق المواقف الفردية أو أنّ المتحدث يمثّل نفسه، لتصبح لصيقة بالثورة وخطابها.

على ما سبق، ليس من المبالغة القول، إنّ من تصدّروا مشهد تمثيل الثورة السورية العظيمة والمحقّة، فشلوا في إنتاج خطاب سياسي وإعلامي يعبّر عنها. وأعراض الاستبداد المزمن ظهرت جليّةً في بؤس “القوى السياسية” وترهّلها وتأخّر خطابها عن مواكبة الواقع وتحوّلاته، وظهرت في الأمّية السياسية والحقوقية لدى كثيرين ممن ابتليت بهم الثورة، لاسيما في ميدان الإعلام الخطير والحساس. الثورة السورية

طارق عزيزة

ليفانت – طارق عزيزة ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit