نهاية الشرق الأوسط الذي نعرفه

داليا زيادة
داليا زيادة

لقد بدأت ملامح الشرق الأوسط الجديد تتشكل بفعل التغيرات الحادة التي تجري الآن ضمن التحالفات التقليدية التي هيمنت على المنطقة لعقود طويلة، وهو أمر وضع شعوب المنطقة وأنظمتها الحاكمة أيضاَ في حالة من الارتباك والقلق تجاه ما يعنيه هذا التغيير تجاه مستقبل المنطقة. سيحاول هذا التحليل رسم خريطة تقريبية للتحالفات التي بدأت تتشكل حديثاً في منطقة الشرق الأوسط، في محاولة لفهم إلى أين تتجه المنطقة، وكيف سيتأثر العالم ككل بهذه التحولات.

على مدار العام الماضي، شهدت منطقة الشرق الأوسط تحولات غير مسبوقة في توازن الائتلافات ومراكز السيادة الإقليمية التي احتفظت بقوتها طيلة عقود مضت، حتى عندما مرت بعض الدول المهمة في هذا الائتلاف بزلازل سياسية حادة، ولا يشمل ذلك التحالفات السياسية والجيوسياسية في المنطقة وحسب، بل يشمل أيضاً العلاقات الثنائية بين دول المنطقة القائمة على الروابط الأخوية، لا سيما في منطقة الخليج العربي التي نشأت دولها على الأعراف القبلية. الجيد في الأمر أنّ كل هذه التغييرات تحدث بشكل طوعي وتستند إلى رؤية برجماتية مدفوعة بتمحور كل دولة حول اهتماماتها ومصالحها المباشرة. ربما يؤثر انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط، المتمثل في اللامبالاة التي تبديها إدارة بايدن تجاه مشكلات المنطقة، وكذلك القرارات الأخيرة بسحب القوات الأمريكية من العراق وأفغانستان، بشكل واضح في تسريع عملية إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط خلال السنوات القليلة القادمة.

يحلو لأصحاب نظريات المؤامرة الادّعاء بأنّ الولايات المتحدة هي القوة الخفيّة وراء ثورات الربيع العربي، التي اندلعت ضد الأنظمة الديكتاتورية العربية منذ أكثر من عشر سنوات، حيث يزعمون أنّ هدف الولايات المتحدة، من تلك الثورات، كان هو تدمير نظام التحالفات وتوازنات القوى القائمة منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط، وبناء منطقة جديدة أكثر تقبلاً لسياسة الولايات المتحدة ومصالحها، ولعلّ الخطاب الشهير لوزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، كوندوليزا رايس، عام ٢٠٠٦ حول “الفوضى الخلاقة” التي سيولد من خلالها “شرق أوسط جديد”، كان سبباً في تعزيز وتبرير هذه الادّعاءات. إلا أنّ التطورات التي جرت في المنطقة على مدار العقد الماضي قد أثبتت بطلان نظريات المؤامرة هذه. على الرغم من أنّ ثورات الربيع العربي قد نجحت في الإطاحة ببعض الأنظمة الديكتاتورية في بعض الدول، إلا أنّها في حقيقة الأمر لم تغير النظام العام الذي يحكم المنطقة. كما حافظ الوجود الأمريكي الطويل في الشرق الأوسط على بقاء هذا النظام العام، بغض النظر عما يحدث من تطورات داخلية في كل دولة، وهو ما يجعلنا نتوقع أنّ الانسحاب الأمريكي من الشرق الأوسط، الذي يجري حالياً، هو ما سيؤدي لكسر هذا النظام، وبالتالي سيغير كثيراً من ملامح الشرق الأوسط التي ألفناها.

بدأ التغيير من شرق الشرق الأوسط، حيث حررت دول الخليج العربي نفسها من ثقل الروابط القبلية التي تحكمت في تحركاتها وقراراتها الجماعية والأحادية، على مدى قرون. وخلال العقدين الماضيين، تحولت الدول المهمة في منطقة الخليج العربي، مثل السعودية والإمارات وقطر، إلى دول براغماتية مهتمة بمواكبة الحداثة أكثر من التمسك بالتقاليد القديمة، وطامحة في مستقبل تتسع فيه ثرواتهم وتزيد قوتهم. أدى ذلك إلى خلق حالة من التنافس، وصلت في بعض الأحيان للخصومة، فيما بينهم، وأصبح هذا التنافس الآن هو الذي يشكل معظم القرارات السياسية والاقتصادية والأمنية لدول الخليج.

تنفق السعودية والإمارات وقطر مليارات الدولارات على تطوير قوتها العسكرية، بشكل يتجاوز أحياناً المساحة الجغرافية والتهديدات المحتملة التي قد تواجهها دولهم. وفقًا لمؤشر جلوبال فاير باور لأقوى جيوش العالم، للعام ٢٠٢١، صٌنفت السعودية والإمارات بين أفضل ستة جيوش في منطقة الشرق الأوسط، جنباً إلى جنب مع أقوى وأقدم جيوش المنطقة في تركيا ومصر وإيران وإسرائيل. يطلق العديد من المحللين العسكريين على دولة الإمارات لقب “إسبرطة الصغيرة” بسبب إمكانياتها الفائقة في التسليح العسكري، مقارنةً بعدد سكانها الصغير ومساحتها الجغرافية، كما توشك الإمارات على أن تصبح أول دولة عربية، وثاني دولة في الشرق الأوسط بعد إسرائيل، تمتلك طائرات F-35 المقاتلة، في إطار صفقة أسلحة بقيمة ٢٣ مليار دولار، كانت قد أبرمتها الإمارات، في عام ٢٠٢٠، مع إدارة ترامب.

وقد انعكست أصداء هذه المنافسة المتزايدة بين دول الخليج على الساحة الاقتصادية أيضاً، بشكل قد يهدّد على المدى الطويل تماسك واستمرار مجلس التعاون الخليجي. لقد اعتمدت اقتصادات دول الخليج، بشكل شبه كامل، منذ فترة السبعينيات، على الثروة النفطية في تأمين عيش ورفاه المواطنين، وساعد قلة عدد السكان بها مقارنة بالدخل الكبير الذي تحققه من إنتاج النفط، في زيادة نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، دون أن تبذل الدولة جهداً كبيراً في ذلك، وبالتالي أدّى ذلك إلى رفع معدلات رضاء المواطنين عن حكامهم، وتمتع الخليج ككل بحالة من الاستقرار السياسي، لم تحظَ بها غالبية الدول في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، لا سيما أثناء حقبة الربيع العربي.

لكن في السنوات القليلة الماضية، بدأت دول الخليج، خصوصاً السعودية والإمارات، في البحث عن سبل لتنويع اقتصاداتها المعتمدة على النفط، وقد أدّى ذلك إلى دخول البلدين في منافسة على جذب الاستثمارات والشراكات في الدول الغربية. وقد حققت الإمارات تقدماً كبيراً في هذه المنافسة الاقتصادية مقارنة بالسعودية ودول الخليج الأخرى. وفقًا لمؤشر ممارسة الأعمال، للعام ٢٠٢٠، احتلت الإمارات المرتبة الأولى على مستوى الشرق الأوسط، والمرتبة ١٦ على مستوى العالم، من حيث سهولة ممارسة الأعمال التجارية بها، وذلك مقارنة بالسعودية التي احتلت المرتبة ٦٢، وقطر التي احتلت المرتبة ٧٧.

وعلى الصعيد السياسي، فإنّ كل من السعودية والإمارات وقطر هي الدول الأكثر نشاطاً سياسياً في محيطهم الإقليمي والدولي، من بين كل دول الخليج الأخرى. الكويت وعُمان، على سبيل المثال، ليستا نشيطتين سياسياً خارج حدودهما، على الرغم من أهميتهما الاقتصادية والسياسية لاستقرار منطقة الخليج والمشرق العربي. في هذا الصدد، اتخذت المنافسة السياسية بين السعودية والإمارات وقطر أشكالاً متنوعة على مر السنين، حيث تراوحت بين الترابط الأخوي القبلي القوي والمقاطعة الدبلوماسية والحروب الإعلامية المتطرّفة التي امتدت إلى الضغط السياسي في عواصم العالم ضد مصالح بعضهما البعض. وقد تطورت هذه المنافسة السياسية الحادة بين الدول الخليجية الثلاث، في العام الماضي، بصورة غير مسبوقة، كانت سبباً في إعادة تشكيل التحالفات، ليس فقط في منطقة الشرق الأوسط، ولكن أيضاً في شرق المتوسط وأوروبا.

في أغسطس ٢٠٢٠، اتخذت الإمارات خطوة تاريخية بإقامة علاقة طبيعية كاملة الأركان مع إسرائيل، بعد التوقيع على اتفاقية سلام عرفت باسم “اتفاقيات إبراهيم”. على عكس الدول العربية التي قامت في السابق بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، قررت الإمارات تفعيل الاتفاق على أرض الواقع بأسرع ما يمكن. بعد توقيع اتفاقية التطبيع بين الدولتين مباشرةً، قامت الإمارات بتنفيذ حملة توعية ودعاية ضخمة ساعدت على تعريف الشعبين ببعضهما وهدم العديد من المحظورات والصور النمطية الموروثة. ومن خلال تعزيز علاقتها مع إسرائيل، على هذا المستوى العميق خلال هذه الفترة القصيرة جداً، نجحت الإمارات في إعادة تقديم نفسها إلى الولايات المتحدة وأوروبا كشريك سياسي وتجاري موثوق به؛ أو بالأحرى كدولة عربية ليست مثل أي دولة عربية أخرى.

من هنا، بدأت الإمارات في التقارب مع دول أوروبا، لا سيما دول الجنوب المتنازعة مع تركيا، التي يراها المسؤولون في أبو ظبي كدولة عدو. في الصيف الماضي، أثناء الصراع المحتدم بين تركيا واليونان، تواصلت الإمارات مع اليونان من أجل توقيع اتفاقيات تعاون عسكري واقتصادي، ثم أجرت الدولتان معاً تدريبات عسكرية مشتركة في المياه المتنازع عليها في بحر إيجة وشرق المتوسط لزيادة الضغط على تركيا. وبينما أخذت الإمارات تميل أكثر نحو الغرب، بدأت السعودية في التركيز أكثر على تعزيز مكانتها في الشرق الأوسط من خلال إصلاح العلاقات مع الدول التي كانت تجافيها في السابق، وأهمها قطر وتركيا. كما ذكرت بعض التقارير الإعلامية المنشورة مؤخراً، أنّ السعودية بدأت محادثات مع عدوها التاريخي إيران، وتلعب الحكومة العراقية دور الوساطة في هذه المحادثات. وربما أيضاً يساهم إحياء السعودية لعلاقاتها مع تركيا وقطر، اللتين تتمتعان بعلاقة جيدة مع إيران، في فضّ الصراع القائم بين السعودية وإيران في اليمن، والذي يهدّد الأمن القومي السعودي بشكل متواصل.

على مدار السنوات الثلاثة الماضية، تمكنت تركيا وقطر من إنشاء تحالف خاص بهما، كان له دور كبير في تحدى التحالف الذي قادته كل من الإمارات والسعودية في المنطقة، وقد ساعدت المقاطعة الدبلوماسية لقطر من قبل دول الرباعي العربي، المكون من السعودية والإمارات والبحرين ومصر، عام ٢٠١٧، في زيادة التقارب بين قطر وتركيا. ومن خلال تعاونهما، تمكنت قطر من معالجة تداعيات المقاطعة العربية، واتخاذ الخطوات الأولى نحو بناء قوة عسكرية وطنية يعتدّ بها، لأول مرة في تاريخها. وفي نفس الوقت، ساعدت الاستثمارات الضخمة التي ضختها قطر في تركيا على إنقاذ الاقتصاد التركي المتعثّر عدة مرات، كما قدمت تمويلاً لبعض العمليات العسكرية للجيش التركي خارج حدوده.

انتهت مقاطعة الرباعي العربي لقطر رسمياً، في يناير، بموجب توقيع الدول الأربعة وقطر على بيان العلا، دون أن يؤثر ذلك على متانة العلاقة بين قطر وتركيا. منذ ذلك الحين، تعمل قطر بنشاط ملحوظ على تحسين علاقتها مع مصر والسعودية، بينما توسطت قطر أيضاً في المصالحة بين تركيا ومصر والسعودية. من جانبها، قطعت الدبلوماسية التركية أشواطاً من أجل تنفيذ هذه المصالحات، خاصة مع مصر التي تمثل أهمية استراتيجية لتركيا في البحر المتوسط. وفي الوقت الحالي، باتت مصر تفكر بجدية في الانضمام إلى هذا التحالف الجديد الذي يتم تشكيله فيما بين السعودية وتركيا وقطر، مدفوعة بشكل رئيسي بحالة عدم اليقين التي أصابتها تجاه تحركات الإمارات، الحليفة الأقرب لمصر من بين كل الدول العربية الأخرى.

لطالما نظرت مصر إلى الإمارات على أنّها دولة شقيقة وحليف موثوق، ولطالما وقفت الإمارات إلى جانب مصر، لا سيما خلال فترة الربيع العربي العصيبة وما تلاها من تقلبات سياسية. لكن التحركات الإقليمية الأخيرة لدولة الإمارات، مع تجاهلها المتعمد لمصالح مصر الإقليمية، بدأت تثير الكثير من علامات الاستفهام بين المصريين. على سبيل المثال، الشهر الماضي، رفضت الإمارات إظهار الدعم لمصر في نزاعها مع إثيوبيا على نهر النيل، مثلما فعلت معظم الدول العربية الأخرى. وقبل بضعة أشهر، بدأت الإمارات تخطط لمشروع مشترك مع إسرائيل لنقل النفط من الخليج إلى أوروبا عبر الموانئ الإسرائيلية في البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط​، بشكل يُعتقد أنه سيضرّ بالقيمة الاستراتيجية لقناة السويس، والتي تعدّ أحد المصادر الرئيسة للدخل بالنسبة لمصر. وقبل أيام، قامت الإمارات بتشكيل تحالف إقليمي جديد مع إسرائيل وقبرص واليونان للتعاون في القضايا الإقليمية في البحر المتوسط ​​والشرق الأوسط، ولم يتم دعوة مصر للمشاركة في تأسيس هذا التحالف مع الدول الأربعة رغم كونها من أكثر الدول المؤثرة في كل الملفات الإقليمية المرتبطة بالمنطقتين.

الآن، السؤال هو: ماذا تعني هذه التحولات بالنسبة لمستقبل الشرق الأوسط والعالم؟ من ناحية، فهي تشير إلى أنّ الإمارات ستستمر في البحث عن تحالفات وشركاء غربيين، بينما تحرر نفسها من التورّط في مشاكل جيرانها من العرب، حتى تتمكن من تحقيق طموحاتها الخاصة بشكل أسرع ودون أن تثقل كاهلها بقضايا دول أخرى. ونظراً لما هو معروف عن مهنية حكام الإمارات وتفانيهم، فليس هناك شك في أنّ الإمارات ستحقق نجاحاً باهراً في هذا الصدد. من ناحية أخرى، سيتم تشكيل تحالف عربي جديد يضم كل من السعودية وقطر ومصر وتركيا. هذا الرباعي الجديد، لو تم تشكيله بنجاح، سوف يتمكن من إدارة كافة التفاصيل في الشرق الأوسط لعقود قادمة، وسوف يتأسس على يديه النظام العام الجديد الذي سيحكم الشرق الأوسط في المستقبل. فبالرغم من تباين مواقفهم السياسية، بإمكان هذا التحالف أولاً، أن يحتوي إيران ويخفف من تهديدها؛ ثانياً، يشكل تحالفاً عسكرياً تعززه المواقع الجغرافية الاستراتيجية للدول المكونة له في أوروبا أفريقيا وآسيا؛ وثالثاً، إدارة حركة التجارة العالمية المتدفقة عبر البحر الأحمر والبحر المتوسط.

باختصار، قد تكون هذه هي نهاية الشرق الأوسط كما نعرفه. لكنها ستكون بداية منطقة أقوى وأكثر استقراراً وقوة. وقد تكون التحولات الحالية في التحالفات السياسية التقليدية في المنطقة، والمبنية على أسس برجماتية وليست عاطفية، بداية لإرساء السلام وتحقيق استقرار طويل الأمد في المنطقة التي عانت طويلاً من صراعات ليس لها نهاية. وهذا ممكن بشكل خاص في ضوء الخطوات الأخيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة وحلفاؤها للانسحاب التدريجي من الشرق الأوسط. دعونا لا نخشى التغيير، إذاً، عادةً ما يؤدي التغيير إلى نتائج إيجابية، خاصةً عندما يحدث طوعاً وليس بضغط من قوى خارجية.

داليا زيادة

ليفانت – داليا زيادة