مُحادثات فيينا.. ما بين استنزاف واستفزاز الخصوم

أمريكا وإيران - بايدن وروحاني

منذ تقلّد بايدن الرئاسة الأمريكية، في العشرين من يناير الماضي، كانت كل الفرضيات تقول إنه سيتوجه للعودة إلى الاتفاق النووي الموقع مع إيران في العام 2015، والذي انسحب منه سلفه ترامب في العام 2018، وقد رجحت بعض الجهات أن تحصل العودة في وقت قريب عقب تقلّده مهامه الرئاسية بشكل رسمي. مُحادثات فيينا

لكن ورغم مرور قرابة الثلاثة أشهر من الحدث الأهم في تقلده الرئاسة، ما تزال مفاوضات العودة إلى الاتفاق النووي لم تصل إلى نتيجة فعلية، ما يشي بأنّ الطريق إلى العودة للاتفاق ليس معبداً بشكل يتيح ذلك، وقد يعرقلها لفترة زمنية طويلة، في ظل إصرار كل طرف على تحقيق أكبر قدر من المكاسب، على حساب الخصم.

بايدن

مفاوضات استنزافية

ففي منتصف أبريل الجاري، قال مساعد وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، إنّ مباحثات اللجنة المشتركة للاتفاق النووي في العاصمة النمساوية فيينا “جادة وصعبة للغاية”، وأضاف: “مواقفنا بخصوص الاتفاق النووي والعقوبات لم تتغير، وفي هذه المرحلة تقوم الأطراف بفهرسة قائمة العقوبات والإجراءات الإيرانية. لافتاً إلى أنّ “مسار المباحثات ليس سهلاً لكننا متفائلون”، متابعاً: “ليست لدينا فرصة لإجراء مفاوضات استنزافية ولا نريدها”.

لكن بالتوازي مع المفاوضات، لم تكفّ طهران عن محاولات استفزاز القوى الدولية، من خلال الإعلان عن تخصيب اليورانيوم بنسب عالية، إذ قال رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، علي أكبر صالحي، إنّ بلاده تنتج 9 غرامات في الساعة من اليورانيوم المخصب، بنسبة 60% في منشأة نطنز، وأكد صالحي أنّ بلاده قادرة على تخصيب اليورانيوم بأي نسبة تريدها.

اقرأ أيضاً: الموت لإسرائيل.. شعار حوّل إيران إلى جنة للموساد

كما أعلن رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، أنّ علماء إيرانيين تمكنوا من الحصول على كمية “يورانيوم مخصب” بنسبة 60%، ونشر رئيس البرلمان الإيراني، تغريدة على صفحته الرسمية في موقع “تويتر” كتب فيها: “أنا فخور بأن أعلن أنه في تمام الساعة 00:40 ليلة أمس، تمكن علماء إيرانيون شباب وأتقياء من الحصول على منتج يورانيوم مخصب بنسبة 60%”، وأردف قاليباف في التغريدة: “مبارك لشعب إيران الإسلامية الشجاع على هذا النجاح، إرادة الشعب الإيراني تصنع المعجزات وستحبط أي مؤامرة”، وهي عبارات تبرز العقلية التي تحكم طهران، والتي تتعامل مع كل ما هو خارج الحدود الإيرانية على أنه خصم وعدو يسعى للتآمر عليه، في ظل عقلية الاستعداء التي تهيمن على طهران.

تصريحات دفعت الولايات المتحدة للتأكيد على أنّها تأخذ جدياً “تصريحات إيران الاستفزازية”، إذ ذكرت الناطقة باسم البيت الأبيض، جين بساكي: “هذا الأمر يعرض للتشكيك مدى جدية التصميم بشأن المفاوضات، ويشدد على ضرورة العودة إلى الامتثال المتبادل للالتزامات”، فيما اعتبر الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أنّ قرار إيران رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60% لا يسهم في نجاح محادثات فيينا، قائلاً إن خطة إيران لتخصيب اليورانيوم بنسبة 60% “لا تفيد”، كما شدد على أنه من السابق لأوانه الحديث عن أي تنبؤات بشأن نتائج المحادثات.

اشتراطات أمريكية-إيرانية متبادلة

بينما أكدت إدارة الرئيس الأمريكي، جو بايدن، أنّها لا تنوي “تقديم أي تنازلات” لطهران قبل أن تستجيب لمطالب الولايات المتحدة، إذ قال مستشار البيت الأبيض للأمن القومي، جيك ساليفان، في حديث لقناة “فوكس نيوز”، بتاريخ الثامن عشر من أبريل، إنّ “الولايات المتحدة لن ترفع العقوبات” عن إيران قبل التأكد من أنّ الأخيرة “عادت بشكل كامل إلى تطبيق التزاماتها في إطار الصفقة” ونفذت عدة مطالب يطرحها الجانب الأمريكي. مُحادثات فيينا

اقرأ أيضاً: إقليم أكلته الحروب.. الإمارات تسعى لاستعادة سلامه بالحوار

ورغم ذلك، ادّعت الخارجية الإيرانية أنّ مباحثات فيينا تسير على الطريق الصحيح، وأن طهران قدمت مسودة نص اتفاق وطلبت من الطرف المقابل الإسراع في الدخول بالقضايا الهامة والنصوص المشتركة، وجاء في بيان الخارجية: “نحن نسير على الطريق الصحيح، وقد تم إحراز تقدّم، لكن الأمر ليس كما لو أننا وصلنا إلى المرحلة النهائية”.

فيما قال المتحدّث باسم الخارجية الإيرانية، سعيد خطيب زاده: “مستعدون للعودة إلى تنفيذ التزاماتنا ببنود الاتفاق النووي بعد رفع العقوبات الأمريكية والتحقق من مصداقية ذلك”، مدّعياً عدم إجراء الجانب الإيراني أي مفاوضات مباشرة أو غير مباشرة مع الأمريكيين في فيينا، زاعماً أنّ “حضور الوفد الأمريكي في فيينا أمر إيجابي ويمثل إدراك واشنطن لأسس العودة إلى الاتفاق النووي”.

وقت بدل ضائع

وعقب تلك التصريحات، توالت التصريحات من جهات عدة، اتسمت في غالبها بمحاولة كسب النقاط على حساب الطرف الآخر، مع مراوحة المفاوضات على حالها، وعدم تحقيقها نتائج ملموسة، إن لجهة إجبار طهران على التراجع عن خطواتها التصعيدية في الملف النووي، أو على الطرف المقابل من جهة تخفيف العقوبات، والتي ينتظرها الشعب الإيراني بفارغ الصبر، لكن لا يبدو أنّ ذلك يعني السلطة الإيرانية في شيء، إذ قال الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في العشرين من أبريل، أنّ بلاده ليست في عجلة من أمرها بشأن مفاوضات فيينا، مؤكداً على تمسك طهران بموقفها واستثمارها “أي فرصة لرفع العقوبات”.

اقرأ أيضاً: صمويل باتي.. ضحية كــذبة أجّجها التحريض على فرنسا

مشيراً إلى أنّ “مفاوضات فيينا حققت تقدماً بنسبة 60 الى 70 بالمئة”، مضيفاً أنّه “في حال كان الأمريكيون صادقين، يمكن التوصل إلى نتيجة في فترة زمنية وجيزة”، لكن تفاؤل روحاني المفرط، فضحه تشاؤم كبير من عباس عراقجي، مساعد وزير الخارجية الإيراني، الذي قال إنّ “طهران ستوقف المحادثات في حال أدت عملية التفاوض على الاتفاق النووي إلى عرض مطالب مفرطة وإضاعة الوقت ومساومة غير عقلانية”، في إقرار من الجانب الإيراني نفسه، على أن المفاوضات ليست في صالحهم، كونها من المفترض أن تضع حداً لمساعي إيران التخريبية في الإقليم، إن على صعيد الملف النووي أو على صعيد المليشيات والصواريخ.

الخطوة مقابل الخطوة

وبالصدد ذكر مصدر في مدينة فيينا، أنّ الولايات المتحدة تسعى إلى إجبار إيران على قبول رفع تدريجي للعقوبات، إذ نقلت قناة “Press TV” الإيرانية، عن مصدر مطلع على سير عملية التفاوض، أنّ اجتماعات هذا الأسبوع كان من المفترض أن تكون الجولة الأخيرة من المحادثات، إلا أنّ الوفد الأمريكي نجح، بضغط مارسه عبر مجموعة “4+1″، في تشكيل مجموعة عمل ثالثة على جدول أعمالها، اتخاذ إجراءات بين إيران والولايات المتحدة للعودة إلى الاتفاق النووي وفق مبدأ خطوة مقابل خطوة، معتبراً أن الغرض من هذه الخطوة دفع إيران إلى قبول الرفع التدريجي والمؤقت للعقوبات.

اقرأ أيضاً: صمام أمان تركيا في مُواجهة مع أحلام أردوغان المُدمرة

وأوضح المصدر أنّ “الولايات المتحدة تحاول إجبار الجانب الإيراني على قبول رفع العقوبات بشكل مرحلي، كي تتمكن من الحصول على تنازلات إيرانية بالتدريج”، وقال المصدر إنّ تشكيل مجموعة العمل هذه يهدف إلى تحديد العقوبات الأمريكية التي ستتم رفعها وكيفية وتوقيت القيام بذلك، مضيفاً أنّه في المقابل ستحدد مجموعة العمل هذه الخطوات التي ستخفض فيها إيران إجراءاتها النووية والمراحل والآلية التي سيتم فيها ذلك. مُحادثات فيينا

 فيما أفصح مسؤول أمريكي كبير، بتاريخ الثاني والعشرين من أبريل، بأنّ “خلافات مهمة” ما تزال قائمة بين واشنطن وطهران بخصوص كيفية استئناف الالتزام بالاتفاق النووي، وذكر المسؤول الكبير في وزارة الخارجية الأمريكية أثناء مؤتمر صحفي عبر الهاتف، أنّ “المفاوضات ستتطلب جولات عدة على الأرجح، وما تزال أبعد ما تكون عن تحقيق نتيجة وإن النتائج غير مؤكدة”، وهو ما يشير بأن الطريق ما يزال طويلاً للتوافق النهائي، وإن نتائجه لن تكون غالباً على هوى طهران.

ليفانت-خاص ليفانت

إعداد وتحرير: أحمد قطمة