لوبيات.. ثقافة الإلغاء Cancel Culture

تُردّد الحداثة الغربية مقولة لفولتير: “لا أؤمن بما تقول ولكنني سأدافع عن حقك في أن تقول”، فمجرد وجود المصلحين هو عبء ثقيل على المفسدين، فكل مظاهر العنف التي نراها في العالم، سواءً التي يمارسها الأفراد أو الدول تخفي في طياتها الآخر الذي هو امتداد لنا، وإلغاؤه إلغاء لذواتنا، كنموذج حي واقعي لوجود إمكانات أخرى من الفكر المتخفي لفهم حياتنا التي قد تتطابق مع فهمنا وسلوكنا وتجاربنا، وكـأنّهُ ظُلم لذواتنا البشرية في بعد نفسي عميق، متجاوزةً كثرة التفاصيل، التي جمعها كتاب جديد بعنوان بسيط ومباشر هو “ثقافة الإلغاء” للكاتب الأميركي ألكسندر غريفيس، يصف فيه الخلل في المجتمعات التي تقدم على تبني سياسات ثقافة الإلغاء، لنراها في الأدبيات “المؤمن مرآة لأخيه”، يُقابلها الضبابية نتيجة الهواجس الذاتية والرغبات والمخاوف والأحلام والشهوات السلطوية والحسية، وهي حجب تحول دون الرؤية الواضحة والصحيحة.

وفي الوطنيات فنراها بهيئة تختلف في صورة المعارضة، كاختلاف بانٍ للوطن يمنع جحيم الغطرسة والنرجسية والتعالي والسلطوية والتأليه، والنقابات العمالية خير مثال ضد السلطة والأغنياء ولوبيات المال والاقتصاد. فالرأسمالية ذاتها استفادت من الآخر المختلف، فالنقابة هي فكر يساري، فإن همش اليمين الليبرالي الحاكم اليسار فإنّه اغتنى بتجربته ومقولاته، لذا لا يقبل الغربيون بمعارضة تسجن ولا آخر مختلف يقصى.

ولو نظرنا لهذه الظاهرة من الناحية الاقتصادية، لوجدنا أنّها تكلف الحكومات مبالغ إضافية لتغيير الأنظمة عبر الإجراءات والموارد البشرية، وغيرها، لأنّ أي تغيير في نمط العمل أو أساليبه من شأنه أن تترتب عليه تبعات من الجوانب كافة، والعالم الغربي المتطوّر هو ذاته قائم مقام الإلغاء والإقصاء، فالأمريكي مثلا يرى حضارته كل شيء، والحضارات الأخرى لا حق لها في الكلام ولا في الوجود إن إبادتها وشطبها من القائمة هو السبيل لإلغاء صراع الحضارات والعولمة، على الرغم من أنّ العلم الحديث يقرّ بأنّ الحضارات أنظمة مغلقة لا يجوز التفاضل بينها لأنّها خصوصيات إثنية ومكانية وتاريخية من حقّها الوجود ولا تجب المفاضلة بين الشعوب إلا في العلم والأداء السياسي وما غيرهما إلا خصوصيات، جعلت من تلك الثقافة تقتصّ أيضاً من تصرفات تمييزية في التعاملات اليومية على ما يفيد باحثون، أمثال ناكامورا: “إن ثقافة الإلغاء تحصل عندما يقرر ضحايا العنصرية والتمييز الجنسي فضخ المرتكبين”، إلا أنّ كيث هامبتون، أستاذ الإعلام في جامعة ميشيغن، يقول: “إن كانت الحركة تحاول عمداً إيذاء الأفراد فهي تالياً أقلّ إيجابية” كترامب الذي أجج “ثقافة الإلغاء” من خلال مهاجمة أفراد ومجموعات أراد النيل من صدقيتها، مثل حركة “حياة السود مهمة”، وهو ما أدّى إلى ظهور تصرفات مشابهة من قبل مؤيديه اليمينيين ما أدّى بدوره إلى ردّ فعل معاكس من التقدميين.

إذاً التشدّد في “ثقافة الإلغاء “يتسبب في حصر” التبادل الحر للمعلومات والأفكار، بل ومنها ما يُشجع على الاستفزاز والتعبير عن التنديد وغير قادرة على إظهار الفروقات الصغيرة في المواقف كشبكات التواصل الاجتماعي، لشدّ الانتباه بأهمية وجودها رافعةً شعار «هأنا ذا».. عبر محو الآخرين، أي إننا أفضل وأرقى منهم، لتعود سياسة غياب ثقافة المؤسساتية، وثقافة المسؤولية، وثقافة الأنا الجمعي، لتتحوّل وكأنّها مؤسسات خاصة يعبث فيها المسؤول كما يشاء.

لكن ضربت الدولة المصرية، تلك الثقافة الإلغائية في مقتل أثناء المهرجان الاحتفالي الضخم، بمناسبة نقل أكثر من عشرين مومياء من مومياوات ملوك مصر القديمة من العصور الفرعونية، إلى مقرّ جديد ومميز لها نصيباً مستحقاً بجدارة شاهده العالم استثمارياً واقتصادياً، بأيادٍ وجهود وأفكار مصرية خالصة غطت مساحة جغرافية كبيرة للغاية.

وقفة: بقدر دفاعنا عن الآخر المختلف عنا، وما يعيشه المجتمع من انفتاح أو انغلاق، وظاهرة ثقافة إلغاء الآخر، يسبقُها دفاعنا عن وجودنا وهويتنا المُتعددة وعن إنسانيتنا دونما وعي وإدراك لحدود المسؤولية، وبقدر دفاعنا عن معارضينا، وعن المهمشين في مجتمعنا، نبني أوطاننا ونحافظ عليها ونفتح صفحة مشرقة في الارتقاء بالجنس البشري إلى حياة أفضل وعالم أكثر سعادة مع الاختلاف والتباين، في نطاق الحركة التي يمكن أن نتحرّك بها، ووضوح الاختصاصات ومهام العمل، فكثيرُ من المثقفين يترنمون صباح مساء بمقولة فولتير، لكنهم في صميم ذواتهم مُستبدون كلاميون طغاة يمارسون الإقصاء والوصاية، ينتقدون السلطة، وهم جزء منها أو يسعون إلى توسيع دائرتها، لهذا كم من الأفكار الخلاقة غائبة عن ساحتنا العربية بسبب سياسة الإقصاء وبلاغة الإلغاء كما يسميها أدونيس.. لذا يلزمُنا مراجعة الذات في عديد من المرئيات ذات العلاقة، حتى لا تصبح هناك متوالية إلغائية كل يلغي الآخر، وقد يلغي الجميع إن استطاع.. وقد صدق أحد شعراء الجاهلية في تلك النهاية الرمزية المأساوية لثقافة الإلغاء نظماً:

إذا قالت حذام فصدقوها       فإنّ القول ما قالت حذام.

إبراهيم جلال فضلون

ليفانت – د. إبراهيم جلال فضلون