لا عرب من فضلك.. عذراً أيها العالم لن ترهبونا

“لا عرب من فضلك.. رسالة من جُملة واحدة بكلمتين وحرف، خلقت جدلاً واسعاً حول العنصرية في ألمانيا، برسالة صدرت بأسوء رفض يمكن أن تصل المرء على الإطلاق من مكتب هندسي معروف في برلين، فتحت المجال أمام مهاجرين للحديث عن حالات التمييز والعنصرية التي تعرضوا لها في ألمانيا، تلاها زلزال مدوٍّ عبر “بصقة” و”ركلة” و”تحطيم جوال” لسوري شاب عمره 17 سنة من عُنصري زادته الحياة انسلاخاً من إنسانيته.

رغم دعم ألمانيا السخي لللاجئين، وانتقدتها العفو الدولية في تقريرها لسنة 2016، وللآن، بسبب ما أسمته “تراجعاً” في اهتمامها بحقوق الانسان في سياستها تجاههم، وزيادة جرائم العنصرية ومعاداة الأجانب في ألمانيا، خاصة مراكز إيواء اللاجئين، مع تصاعد الخطاب العنصري، وجهت شخصيات معروفة في ألمانيا، من بينها شخصيات دينية وقيادات نقابية ورياضية، نداء يدعو إلى الانفتاح ومناهضة التعصب والعنف والكراهية. لكن اقتراب وشنّ هجمة عنصرية مُرعبة الطراز، بدت بتفاصيل صوّرها، كما صورها “بودو راميلو”، حاكم ولاية “تورينغن”، الذي تأثر بما حدث، فمضى إلى منصّته “التوترية” وبشر باعتقال العنصري المهاجم البالغ 39 سنة، ووصفه بأنه “جبان وعدواني ضد شخص أعزل”.. فهل نُعامل نحنُ العرب ضيوفنا كذلك؟ لا بل لا تجد تلك الصور إلا ببلاد الغرب التي تقدمت على أكتافنا وعلوم حضارتنا التي أهنّاها وسلمناها لهم “لُقمة سائغة”، ولكن المثير ماذا فعل له الشاب السوري الصغير السن والأعزل في براءة المراهقة لينعته بلا مقدمات: “أيها الحقير الصغير، من أين أنت؟” لتكون ترجمة صحيفة Süddeutsche Zeitung  بميونيخ، مؤكدة أنّ العُنصري بصق بحقد في وجه المراهق، الجالس في قطار بمدينة Erfurt عاصمة ولاية Thüringen، صارخاً في وجهه: “جئت إلى بلدي كحيوان أحمق.. عد إلى حيث جئت” ثم بصق في وجهه.. ورغم ذلك استمر السوري جالساً لا يرد عليه، ليُتابع بمُشين الكلام: “اتصل بأمك وأبيك يا صغير (..) احن رأسك إلى الأسفل حين أتحدث إليك” ثُم يركله بالقدم أربع مرات، ولم يكتفِ فحطم هاتفه، ثم خرج (..) مُهرولاً، لولا شهود عيان قاموا بتصويره والاتصال بالشرطة التي أنقذت ماء وجه دولتها واعتقلتهُ.. ولكن هل هي النهاية؟

بدت الرسالة التي تلقاها شاب مصري، وصلته من مكتب “GKK” الهندسي المعروف في برلين، بعد أن تقدم بطلب تدريب لدى المكتب، لتصله رسالة محتواها “لا عرب من فضلك،” لتجد الشركة نفسها في موقف صعب، بعدما انهالت الرسائل والتعليقات ضدها على مواقع التواصل الاجتماعي، ولم لا؟ وقد عانت الكاتبة والأستاذة الألمانية، بهار أصلان، بعضاً من الحوادث العنصرية خلال فترات حياتها في ألمانيا، فكتبت في تغريدة نشرتها على صفحتها بتويتر: “خلال فترة تدريبي المهني، كنت حريصة أن أكون أول من يصل إلى المكتب. لقد أراد والدي ذلك لأنّه كان يخشى أن يتم تصنيفي على أني “المرأة التركية الكسولة وغير المنضبطة”، وكأنّها تصرخ (لا.. لن ترهبوننا أيها النازيون)، لتوافقها الخبيرة الألمانية ومديرة مركز التوثيق والمعلومات لمناهضة العنصرية، كريمة بن إبراهيم، بأنّ العنصرية مشكلة كبيرة ولها تاريخ طويل في ألمانيا، للعرب والمسلمين أو ذوي البشرة السمراء، ليكون المنحى الأخطر هو ممارسة العنصرية وكأنه أمر طبيعي، والأعجب ادعاء الشركة صاحبة الرسالة العُنصرية أنّها تسعى للتنوّع والانفتاح على العالم، ولديها فريق عمل تحت ثلاثين علماً لدول مختلفة مُنذ تأسيسها في عام 2000. والسخرية ها هنا أنه لا يوجد علم لدولة عربية واحدة.. لذلك ما تزال جملة “لا عرب من فضلك” سارية المفعول، وقد أصبح الإفصاح عن عنصريتهم أمراً عادياً مع صعود الأحزاب اليمينية للبرلمان، لتكون ألمانيا بعد أميركا، والأولى أوربياً، وفق أحدث تقرير للوكالة الاتحادية الألمانية لمكافحة التمييز، إذ يبلغ معدل التمييز بحق السكان المنحدرين من أصل أفريقي 9 % في جميع الاتحاد الأوربي، بينما في ألمانيا يبلغ 14 %. وأنّ الأشخاص الذين يحملون أسماء تبدو أنها أجنبية يدعون لإجراء مقابلات شخصية للعمل بنسبة ٢٤ % أقل من هؤلاء الذين يحملون أسماء ألمانية.

إنّ التفرقة العنصرية مرض لا يصيب البشر بل يصيب العقل البشري، وبالتالي فإن الحل للتمييز العنصري والنفور من الآخر وسائر مظاهر عدم المساواة، ينبغي أولاً وقبل كل شيء، أن تُعالج تلك الأوهام العقلية التي أفرزت مفاهيم زائفة، منذُ أمد بعيد، لقتل الفكرة الخاطئة التي بُنيت على أساس أنّ الجنس البشري مكون من حيث الأساس من أجناس منفصلة وطبقات مُتعددة، وأن هذه الجماعات البشرية المختلفة تتمتع بكفاءات عقلية وأخلاقية وبدنية متفاوتة تستوجب أنماطاً مختلفة من التعامل، لذا يُفترض أن العدل يجب أن يكون هو المبدأ الحاكم لمعالجة الغبن العُنصري على كل المستويات، لـ”وحدة العالم الإنساني”، بحسب توصيات مؤتمر دربان Durban وهيئات حقوق الإنسان التي وزّعت جوائزها لمن يقتل بنودها كالأثيوبي أبي أحمد وتوكل كرمان وغيرهما.

إبراهيم جلال فضلون

ليفانت – إبراهيم جلال فضلون