كوردستان والعالم العربي

كفاح محمود كريم

طيلة أكثر من قرن منذ تأسيس مملكة العراق التي ضمت في شمالها كوردستان الجنوبية، ورغم كل الحروب التي شنّتها الأنظمة المتعاقبة على حكمها، مملكةً وجمهوريةً، لم تنجح في تخديش العلاقة بين الشعبين الكوردستاني والعربي العراقي وغيره من عرب البلدان العربية الأخرى، حيث حافظت حركة التحرر الكوردية في جميع مراحلها على الأواصر المتينة بين العرب والكورد، وكانت من أولويات الخطاب السياسي للانتفاضات والثورات الكوردية على مرّ التاريخ، لما يجمع القوميتين من علاقات تاريخية في مختلف مناحي الحياة، وكانت المناطق المحررة من كوردستان دائماً ملجأ للمعارضين والثوار العراقيين على مختلف انتماءاتهم السياسية، بل كانت ساحة لنضالهم ضد الديكتاتورية بدعم لوجستي واستراتيجي من قبل قيادة الحركة التحررية والكوردستانية.

وحينما تمتع الإقليم باستقلال ذاتي إثر انتفاضة آذار 1991م وإعلان الفيدرالية كأول قانون يصدره البرلمان الكوردستاني في أواسط 1992م، تحول الإقليم إلى ساحة لنضال كل العراقيين من مختلف مشاربهم السياسية، حيث فتحوا فيه مقرّاتهم ومكاتبهم وكل ما يتعلق بنشاطهم السياسي والاجتماعي والثقافي والإعلامي، وقد تمتع إقليم كوردستان منذ ذلك الحين بعلاقات طيبة مع الدول المجاورة له، خاصة مع كل من إيران وتركيا وسوريا، والتي تميزت بعلاقات إيجابية وتعاون في كل المجلات نتيجة لنجاح الدبلوماسية الكوردستانية التي قادها الرئيس مسعود بارزاني منذ الأيام الأولى لاستقلال الإقليم عن نظام بغداد، وانبثاق أول برلمان كوردستاني مهد الطريق لتشكيل حكومة ائتلافية، هي الأولى من نوعها في التاريخ الكوردي المعاصر بعد حكومة القاضي محمد في جمهورية كوردستان عام 1946م.

وبعد أن أسقطت الولايات المتحدة نظام صدام حسين وأسست النظام السياسي الجديد إثر اعتماد دستور دائم للبلاد، الدستور الذي أقرّ واعترف بفيدرالية كوردستان وكيانها السياسي ومؤسساته التشريعية والتنفيذية والقضائية، قاد الرئيس مسعود بارزاني وفريقه، منذ ،2006 عملية بناء علاقات دبلوماسية رصينة مع المحيط العربي، بشكل خاص، حيث تم إرساء قواعد متينة للعلاقات الكوردستانية العربية وعلى مختلف الأصعدة، السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، من خلال زيارات رسمية لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت وقطر والأردن وليبيا وجمهورية مصر العربية، والتي أدّت إلى تمتين العلاقة وفتح ممثليات وقنصليات لها في عاصمة الإقليم وبداية انفتاح كوردستاني واسع على المحيط العربي، الذي طالما فعل الإعلام الأسود فعلته في تشويه تطلعات الإقليم الكوردستاني وشعبه نحو الحرية والتقدم، وعلاقته التاريخية بالعرب شعوباً وفعاليات سياسية، عبر موروث كبير من الإيجابية والعلاقة المتميزة بين الشعبين المتداخلين، جغرافياً واجتماعياً واقتصادياً، رغم ما فعلته أنظمة مستبدة تفوح منها رائحة الشوفينية والعنصرية المقيتة وإعلامها الأسود، طيلة نصف قرن، من حروب مدمرة للبلاد والعباد، وتشويه متعمد لقضية شعب شقيق له تاريخ طويل معفر بقوافل الشهداء، من أجل قضايا العرب ونضالاتهم عبر العصور، منذ تشاركوا في الأرض والمصير.

وبإطلالة تاريخية على موروث الزعيم مصطفى البارزاني، قائد حركة النهضة الكوردية المعاصرة، ندرك أنّ أولوية نضاله هو مقارعة الدكتاتورية والعمل من أجل نظام ديمقراطي يرسخ عرى العلاقات التاريخية بين مكونات العراق، العرقية والقومية والدينية، على أسس من العدالة والحرية والكرامة الإنسانية، بعيداً عن أي شعور قومي أو ديني متعصب أو كراهية تمزّق نسيج المكونات العرقية والقومية، سواء في العراق أو سوريا، وفي أدّق مراحل الصراع بين الحركة التحررية الكوردية والأنظمة الدكتاتورية، كانت الثورة تتمتع بعلاقات وطيدة برجالات المجتمع العربي العراقي وغيره، سواء على مستوى الأفراد أو المنظمات أو الأحزاب أو العشائر، ولقد اعتمدت تلك الحركة التحررية، طيلة عقود طويلة من النضال الدؤوب، علاقة خلاقة مع الشعب العربي ووضعت تلك العلاقة نصب أعينها لكي تكون بمنأى عن التخديش أو الإساءة التي حاول النظام الدكتاتوري السابق التثقيف بها وعليها، من أجل تحويل الصراع بينه وبين القوى الديمقراطية إلى صراع قومي أو مذهبي، كما يحاول اليوم البعض من الطائفيين والعنصريين إشاعة الكراهية ضد الكورد وإقليمهم بدعاوى كاذبة وادّعاءات مغرضة للتغطية على فشلهم في بناء عراق جديد مقابل نجاح الإقليم في النقلة النوعية بكافة مجالات الحياة، وتحوله إلى واحة للازدهار والسلام تعيش فيه كل مكونات العراق ويلجأ إليه الهاربين من جور وظلم الفوضى التي خلقتها الميليشيات والجماعات الخارجة على القانون.

 إنّ نجاح الإقليم ومؤسساته في إرساء علاقات طيبة بينه وبين محيطه العربي من خلال علاقات دبلوماسية واقتصادية واستثمارية مهمة، تؤكد صواب النهج الذي يعتمده الإقليم بإقامة علاقات حسن جوار رفيعة أساسها عدم التدخل في الشأن الداخلي، دفع معظم الدول العربية إلى تمتين علاقاتها مع الإقليم وفتح آفاق للتعاون الاقتصادي والصناعي والزراعي، وتوسيع تلك العلاقات بفتح قنصليات دبلوماسية لها في العاصمة أربيل، ناهيك عن تسيير رحلات منتظمة بين أربيل والسليمانية من جهة، وبين معظم العواصم العربية، حيث أصبحت أربيل قبلة المسؤولين العرب في زياراتهم للعراق وكوردستان، أسوة بالزعماء والمسؤولين الأوروبيين وغيرهم ممن يزورون العراق ويعرجون إلى أربيل استكمالاً لزياراتهم.

كفاح محمود كريم

ليفانت – كفاح محمود كريم