قوى الواقع أم قوى الأمر

غسان المفلح
غسان المفلح

ظاهرتان انبثقتا من فضاء الثورة وروحها، الأولى هي ظاهرة التنسيقيات، والثانية هي ظاهرة الجيش الحر. الأولى انتهت بنهاية التظاهرات بحكم القمع الوحشي الأسدي والإيراني وميليشياته، بغطاء دولي. الثانية انتهت برفع الراية السوداء في سوريا كتعبير عن إدخال سوريا في بؤرة عنف مزمن، كي يتم احتلال الثورة لاحقاً بشكل كلي. تتوّج ذلك طبعاً بدخول الروس إلى حلب. مما يعني نهاية ظاهرة الجيش الحر بقرار دولي شارك فيه إسلاميو سوريا.

على صعيد المعارضة السياسية التقليدية، كانت أوج لحظة انطلاق الثورة. حاولت أن تحصل على شرعية الثورة ولو نسبية، هذا حدث لأشهر قليلة مع المجلس الوطني السوري. تم إنهاء المجلس لأسباب دولية وإقليمية بالتواطؤ مع قيادة هذا المجلس ذاته في حينه.

حيث تم تأسيس الائتلاف. لم تستطع المعارضة التاريخية للنظام الأسدي أن تقود الوجه السياسي للثورة، ولا أي وجه من وجوهها، فشلنا كمعارضة ببساطة، لكن هذا أيضاً لا يعني أنّ طريق النجاح كان وارداً، لكن كان يمكن أن نخفف من هذا التشرذم القاتل.

لسنا بوارد الدخول إلى أسباب ذلك الآن. ما كان ممكن أن يتم هذا السيناريو لولا عاملين:

الأول- القمع المتواتر والكثيف والدولي على كافة الصعد.

الثاني- فتح باب التمويل على الاستراتيجية الأوبامية.

هذا لا يعني أبداً أنّ من استقبل التمويل غير مسؤول. لكن هذا ملف يحتاج لوحده إلى أبحاث. المقابل هنالك من استخدم التمويل بنزاهة.

في مجال التمويل، لدى البنك الدولي تعريف: تأتي «حكومة الأمر الواقع» أو تبقى في السلطة، عن طريق وسائل لا ينصّ عليها دستور البلاد، مثل الانقلاب أو الثورة أو السلب أو الإلغاء أو تعليق الدستور.

ما لم يذكره البنك الدولي هو سلطة البنك الدولي نفسه. سلطة البنك الدولي التي تشكل تحدياً لأي دولة في حال قررت تجاوزها. تحدٍّ يمكنه أن يفتح مصير هذه الدولة على تبعات مخيفة أحياناً. حتى البنك الدولي نفسه يموّل سلطات أمر واقع انقلابية وليست ديمقراطية ولا دستورية أيضاً في كثير من دول العالم، ويقدّم لها القروض المريحة السداد.

لماذا أوردت مسألة قوى الأمر الواقع من زاوية رؤية البنك الدولي لها والتعامل معها؟ ببساطة لأنّنا في الحالة السورية نعيش وضعية مشابهة لما قام ويقوم به البنك الدولي ذاته.

حيث التمويلات هي من فرضت الخطة السياسية ذات الجدوى لهذه التمويلات التي ما تزال مستمرّة وفقاً لنفس الخطة. لا تعني الخطة مؤامرة كما يوحي الأمر، بل هي وفقاً لسياق لم يرفع الغطاء عن الأسد وجرائمه من جهة، ومن جهة أخرى تحويل سوريا إلى حالة عنف مستدام، تحويلها إلى ساحة صراع لا أحد يعرف نتائجه أو يضمنها سوى الأمريكان بالمعنى النسبي للعبارة. هذه الفسحة التي تنفس فيها المجلس الوطني لأشهر قليلة، لأنّ كثيرة هي الدول، ومنها المانحة، لم تكن تعرف بعد التوجه الحقيقي للإدارة الأمريكية.

كان الائتلاف وتأسيسه بداية معروفة للشرذمة على كافة المستويات. هذا ما عبّرت عنه حينها. بغض النظر عن أداء المجلس الوطني السابق. عندما يدعم البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أنظمة أمر واقع. لا يعني أنّه يريدها أن تخرج من قوى أمر واقع إلى الشرعية الدستورية.

المانح لكافة المشاريع المسلحة والمدنية والحقوقية والإعلامية وحتى الإغاثيّة وغيرها، بعد عام 2012 كان يعرف ويدرك أين تسير الأمور في سوريا، لأنّ أوباما دخل ولاية جديدة.

واتّضحت سياسته تجاه المنطقة وتجاه إيران وموسكو وسوريا. يمكننا القول براحة ضمير إنّ كل القوى التي طفت على السطح منذ ذلك التاريخ هي قوى أمر واقع، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو حقوقية أو إعلامية. المؤشر من حيث الادّعاء الديمقراطي أو الحقوقي العام أو الحقوقي النسائي لا يجعلها قوى شرعية، ولا حتى عسكريتها أو سلميتها يجعلها شرعية.

لهذا أجد من المناسب ألا يزايد أحد على الآخر. من وافق على الانخراط مع ديمستورا المبعوث الأممي هو أو هي جزء من قوى الأمر الواقع، حيث بمجيء ديمستورا تم إغلاق الأفق السياسي للتغيير العام في سوريا. لهذا أتت “تفريخات” قوى الأمر الواقع. أتت لتعيث فساداً سياسياً وحقوقياً وجندرياً وشرذمة وهجوماً على مجتمع لم يلتقط أنفاسه بعد من هول المقتلة.

علمانياً وإسلامياً، منظمات مجتمع مدني وغيرها، الجميع يعرف أنّ الأفق السياسي للتغيير في سوريا قد أغلقه أوباما. هم جزء من هذا الإغلاق. لا أستثني أحداً حتى نفسي. رغم أنّني رفضت الاندراج في أياً من هذه القوى والمسميات. كان يمكن للمعارضة التقليدية أن تنجو من هذا الاندراج في سياق قوى أمر واقع. لكنها فشلت في ذلك أيضاً.

تم إقصاء غالبية أسمائها. البراميل تتساقط بالمئات يومياً على شعبنا كي يتم اقتلاعه نهائياً من أرضه، والمنح والتمويل قائم على قدم وساق تحت عناوين براقه مدنية وحقوقية وسياسية وغيرها. معارك فساد وإفساد داخل صفوف المعارضة، معارك جندرة وذكورة، معارك علمانية وإسلامية. معارك نخب. كلنا شركاء بهذا الشكل أو ذاك في إعادة إنتاج دورنا كقوى أمر واقع فقط. لا تملك سوى صرف تمويلها على معاركها الزائفة، في ظل غياب الأفق السياسي للتغيير. إن لم تكن هذه هي الهزيمة فماذا تكون؟.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح