قول في المعارضة السورية

غسان المفلح
غسان المفلح

منذ سنوات أتجنّب الخوض في ملف المعارضة السورية من داخلها. أكتب عن مواقف هذا التجمع المعارض أو ذاك، في لحظات أعتبرها مهمة. لكنني أحاول الابتعاد عن تناول أوضاع المعارضة السورية من داخلها لسببين رئيسين: المعارضة 

الأول- إنني خارج أطر هذه المعارضة منذ تسع سنوات، بالتالي الحديث عن ملف المعارضة من داخلها، بات أمراً يحتاج لعملية توثيقية من داخلها. هذا لم يعد متوفراً لي ولا أريد الحديث عن هذا الموضوع كمراقب خارجي.

الثاني- بعد المخاض الذي عاشه المجلس الوطني السوري، منذ لحظة تأسيسه، 23 أغسطس 2011، وحتى ضمّه عنوة للائتلاف المعارض، الذي تأسس في 11 تشرين الثاني 2012. خلال هذه المخاض وصلت لنتيجة، وكنت كتبت عنها في حينها، أنّ المعارضة السورية باتت محمولة على العامل الدولي. هذا العامل هو سبب رئيسي فيما عاشه المجلس الوطني السوري وما عاشته هيئة التنسيق الوطنية. بالتالي تحولت المعارضة التي من المفترض أن تكون معبّراً عن تطلعات الثورة إلى معبّر عن طرق معالجة الدول الفاعلة في الملف السوري لقضية الثورة. بالتالي لم يعد مهماً الحديث عن هذا المعارض أو ذاك، أو الدخول في مشاحنات مع هذا المعارض أو ذاك. المعارضة 

أذكر أنّني أول ملف في المجلس الوطني خضت نقاشاً حوله وكتبت عنه، هو الملف الإغاثي، واستمريت في خوضه حتى بعد تشكّل الائتلاف. كان رأيي أنّ المجلس الوطني هيئة سياسية، وليس هيئة إغاثيّة. هذا الرأي أكدته للائتلاف أيضاً. وكتبت لعدّة أصدقاء في المجلس والائتلاف أن يبتعدوا عن ملف الإغاثة، لكن لا حياة لمن تنادي. هذا الملف شكل مساحة شقاقية مخيفة، حيث احتلّ مساحة من مداولات ونقاشات وسجالات المعارضة وفضائح فيما بينها، كلها كانت بالنسبة لي كما يقول المثل الشعبي “فت برات الصحن”، كان يجب ترك الملف لمنظمات مدنية فقط. حتى ملف المعتقلين كنت ضد أن يتصدّى له أي كيان سياسي، سواء المجلس الوطني أو الائتلاف لاحقاً. ترك الملف لهيئات حقوقيّة سورية.

كانت البداية في هيئة التنسيق والمجلس الوطني، بداية التدخل الدولي الكثيف في جسم المعارضة. توّج هذا التدخل، بعد مؤتمرات فرعيّة هنا وهناك من مجموعات معارضة إلى إنتاج ما سمي الائتلاف المعارض. بعدها استمرّ التدخل على الغارب، وتشكّلت منصّات هنا وهناك برعاية دول، حتى وصلنا إلى خاتمة التدخل بتشكيل الهيئة العليا للمفاوضات وأعقبها تشكيل اللجنة الدستوريّة. المعارضة 

كثر من الأصدقاء والمتابعين ينتقدون موقفي في أنني أدافع عن المعارضة، عندما أتحدّث عن التدخل الدولي الاحتلالي للثورة، وأحمله مسؤولية ما جرى للثورة من احتلال. منذ جنيف 1، اتضح لكل من يريد أن يرى، أنّ ما يسمى مجموعة أصدقاء الشعب السوري، بالتوافق أو بالتشارك أو بالصراع مع حلفاء الأسد المباشرين، أرادوا معارضة تبرّر موقفهم، وتعمل من أجل تمريره. هنا سأكتفي في هذا المقال بمعالجة ما أريد قوله من خلال موقف جماعة الإخوان المسلمين في سوريا، كأكبر تنظيم معارض وأكبر مؤسسة معارضة.

للإخوان حليفان واضحان، تركيا وقطر، ليس لدي أدنى شك أنّ القيادة القطرية والتركية لو أتيح لهما ميزان قوى يسقط الأسد لفعلا. هذا ما أزعمه وفقاً لمعطياتي المتواضعة. كان من الواضح أنّه يتم إبعاد قطر بالتدريج عن الملف السوري. بالمحصلة نستطيع القول، إنّ الإخوان المسلمين اندرجوا في السياق التركي. ووفقاً لميزان قواه في المعادلة الدولية المتحكمة بالملف السوري، تالياً، باتت حركتهم كإخوان تبرير الموقف التركي من جهة، والعمل وفقاً لأجندته وحجمه في ميزان القوى المذكور. فوافق الإخوان على الاندراج في مؤتمرات أستانا وسوتشي واتفاقيات الثلاثي، التركي الروسي الإيراني. ليس أدلّ على ذلك سوى الموافقة على المضي بموضوع اللجنة الدستورية. بات للإخوان شركاء في الائتلاف يندرجون وفقاً لهذا المعطى. هذا لا يعني أنّ تركيا كفت عن محاولتها. من الجهة المقابلة كل من شكل مع الإخوان والائتلاف هيئة التفاوض كان أيضاً بنفس السياق ونفس الاندراج. لهذا ليس الإخوان وحدهم من يتحمل المسؤولية، بل كل طرف شكل هيئة التفاوض ووافق على اللجنة الدستورية. هيئة تنسيق ومنصّات ومستقلين. الاندراج التركي هذا متحالف نسبياً مع الروس ومنسّق نسبياً أيضاً مع الأمريكان. المعارضة 

كل ما جرى منذ تأسيس المجلس الوطني الذي بفضل قيادته لم يستطع الإفلات من السياق الدولي التزميني للثورة السورية، كما أسميته، آنذاك، من أجل إفشالها واحتلالها إن اقتضى الأمر، وهذا ما حدث. جلّ ما فعله الإخوان بعد تشكيل الائتلاف هو أن يكونوا مع تركيا على السرّاء والضرّاء، تماماً كقسد ضد تركيا أيضاً على السرّاء والضراء. حيث صارت تركيا جزءاً من الوضع الداخلي السوري. لم يأخذ الطرفان في الحقيقة حجم تركيا في ميزان القوى المتواجدة في الملف السوري. الإخوان اعتبروه حاسماً وقسد اعتبرته ضعيفاً. ثم أتى احتلال عفرين، وفيما بعد رأس العين وتل أبيض. كان الإخوان غطاء سيئ الأداء على هذا الصعيد. وما تزال جماعة قسد أو قنديل، لمن يتابعهم يشعر أنّ تركيا قاب قوسين أو أدني من الانهيار.

ما كان ممكناً للإخوان أن يقوموا بهذا الدور لولا الموقف الأمريكي الداعم لتعفين الوضع السوري وتزمينه إلى مدة زمنية لا أحد يعرف متى تنتهي. رغم أنني كنت كتبت في هذا الموقع عدة مقالات عن الدور التركي في المسألة السوري، وموقع تركيا كبلد، وسياسة أردوغان حيال سوريا منذ تسلمه الحكم مع حزبه. يمكن للقارئ الكريم العودة إليها.

أسوأ ما قام به الإخوان في سوريا هو إعطاء الشرعيّة لكل شذاذ الآفاق، ممن يسمّون جهاديين، وأتوا من كل حدب وصوب وعاثوا قتلاً وفساداً. المعارضة 

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح ليفانت