صمويل باتي.. ضحية كــذبة أجّجها التحريض على فرنسا

باتي

في الـ16 من أكتوبر العام الماضي، شهدت فرنسا جريمة مُريعة، عندما ذبح المعلم صموئيل باتي قرب مدرسته، على يد المدعو “عبد الله أنزوروف”، وهو يافع من أصل شيشاني، نتيجة ما قيل حينها بأنّ المدرس الفرنسي قد عرض صوراً كاريكاتورية لرسول الإسلام محمد، لتثير الواقعة ردود أفعال قوية من جهة السلطات الفرنسية، شملت حلّ العديد من الجمعيات المدنية التابعة للمسلمين في فرنسا، وإغلاق بعض المساجد والمصليات.

قانون باتي

فيما صوّت نواب الجمعية الوطنية الفرنسية، في الحادي عشر من فبراير الماضي، بغالبية الأصوات، على قانون جديد حمل اسم “صامويل باتي”، الذي سيعاقب بالسجن ثلاث سنوات، وبغرامة مالية قدرها 45 ألف يورو، كل شخص يعرّض حياة شخص آخر للخطر عبر نشر معلومات مضللة ومضرّة له، وذلك ضمن إطار المصادقة على مشروع قانون احترام “المبادئ الجمهورية” ومحاربة “النزعة الإسلاموية المتطرّفة”.

اقرأ أيضاً: ترامب الناجي من العزل.. قد يضحى رئيساً لولاية ثانية

كما صادق مجلس النواب الفرنسي، في السادس عشر من فبراير، على قانون “تعزيز مبادئ الجمهورية”، الذي نصّ على زيادة الجهود لمواجهة النزعات “الانفصالية” و”التطرّف الإسلامي” في البلاد، بهدف تشديد الرقابة على المساجد والمدارس وغيرها من المؤسسات، للتخلص من “الإسلاميين المتطرفين”.

باتي

الجريمة وتبعاتها.. سببها كذبة

لكن الأنكى من الجريمة، وتبعاتها على المجتمعات الفرنسية، سواء المسلمة أو غيرها، هو ما أفصحت عنه، في التاسع من مارس الماضي، الطالبة التي سردت قصة مزعومة أدّت إلى حملة كراهية من خلال الإنترنت بحق أستاذ التاريخ، صمويل باتي، ومن ثم قطع رأسه، عندما أعلنت أنّها قصة مختلقة وكاذبة، وذلك عقب أن ادّعت فتاة مجهولة الهوية بأنّ باتي، عرض لتلاميذه في الفصل، رسوماً مسيئة للنبي محمد خلال درس عن “حرية التعبير”، وزعمت أنّ باتي طلب من التلاميذ المسلمين مغادرة الفصل، قبل أن يعرض الصورة التي نشرت في مجلة شارلي إيبدو الساخرة.

اقرأ أيضاً: في أوكرانيا.. النار التركية تقترب من الحطب الروسي

وأفصح وقتها محامي الفتاة، أنّ موكلته (13 عاماً) شدّدت على أنّها لم تكن حاضرة بالفصل، وأنّها كانت مريضة في ذلك الوقت، لافتاً إلى أنّ “الفتاة كذبت لأنّها شعرت بأنّها محاصرة في دوامة، لأنّ زملاءها في الفصل طلبوا منها أن تكون متحدّثة باسمهم”، وعقب أن قدمت الفتاة، التي ورد أنّ لديها تاريخاً من المشاكل السلوكية، ادعاءاتها الأولية بخصوص الفصل الدراسي، ثم قدّم والدها شكوى قانونية وعرض مقطع فيديو على الإنترنت، في أوائل أكتوبر، مصرّحاً في الفيديو: “ابنتي صدمت من سلوك أستاذها.. لا أحبذ أن أستخدم لفظ أستاذ، لأنّه وغد تاريخ يدرس مادة التاريخ والجغرافيا”.

وواصل الأب التحريض وقتها، بالقول: “هذا الأسبوع خلال الفصل طلب الأستاذ من التلاميذ المسلمين أن يرفعوا أيديهم، ثم طلب منهم مغادرة القاعة، لكن ابنتي رفضت المغادرة وسألته عن السبب، فقال لها إنّه سيعرض صورة من شأنها أن تصدمهم”، ليشعل الفيديو موجة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك التهديدات بالقتل بحق الأستاذ.. وعليه وجهت للفتاة تهمة التشهير، فيما اتّهم والدها وداعية إسلامي بالتواطؤ في القتل.

لمصلحة مَن؟

اقترنت فترة ذبح باتي بحملة تحريض ممنهجة مارستها تركيا بحق فرنسا، نتيجة مواقف كثيرة تعارضت فيها وجهة نظر الجانبين في مجموعة قضايا، بدءاً من شمال سوريا وصولاً إلى ليبيا عبوراً بأرمينيا وقبرص واليونان والتنقيب في شرق المتوسط، وبالرغم من عدم وجود إثباتات مباشرة حول الكذبة المختلقة التي بثتها الطالبة المجهولة وروّجها والدها، بيد أنّه لا يمكن إنكار حقيقة وجود علاقة بين التحريض على فرنسا من جانب تركيا، وحملات العنف التي وقعت هناك.

اقرأ أيضاً: الموت لإسرائيل.. شعار حوّل إيران إلى جنة للموساد

فتركيا وقتها، لم تدن جريمة قتل باتي إلا بعد مرور عدة أيام، وتحديداً عقب عتاب فرنسي من عدم إدانة أنقرة للجريمة، وهو تلميح فرنسي موارب إلى مسؤولية التحريض التركي على فرنسا، في إذكاء نار الحقد والكراهية على باريس، إذ استغلّت أنقرة حينها، تصريحات صادرة عن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وصورتها على أنّه عداء للإسلام والمسلمين عموماً، رغم وضوح ماكرون في استهداف “الإسلاميين” تحديداً، وبمعنى أصح “الإسلام السياسي” الساعي للهيمنة على الجالية المسلمة في الغرب.

وعليه، كان مقتل صموئيل باتي، ومن ثم هجوم نيس، الذي أودى بثلاث ضحايا، ومن ثم بهجوم فيينا الذي أودى بأربع ضحايا، نتائج غير مباشرة لخطاب تحريضي تبوّأه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مما دفع بالمتطرفين الإسلاميين لخوض غمار عنف دامٍ لترهيب باريس ومن خلفها القارة العجوز، بغية ثنيها عن مواجهة تطلعات أنقرة التوسعية.

فرنسا متنبهة للدور التركي

ولا ننسى هنا إطلاق أنقرة شعارات عاطفية ساهمت في تأجيج العنف، كشعار “إلا رسول الله” الذي انطلق من تركيا، في سبيل غايات كانت واضحة وجلية للجميع، كان من ضمنها تحويل حملة مقاطعة للبضائع التركية، بدأتها آنذاك بلاد عربية، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وانتقلت إلى أرمينيا وشمال سوريا، إلى حملة مضادة لمقاطعة البضائع الفرنسية، عبر السعي لإظهار أنّ أنقرة هي من تدافع عن الرسول محمد، فيما الحكومات العربية نائمة في عسل علاقتها مع الغرب “الكافر”، وهي خطابات من السهل أن تمر على شرائح شعبية قد لا تكون قليلة، فتدفع هي الثمن، كما دفع ثمنها عبد الله أنزوروف، الذي قتل على يد الشرطة الفرنسية عقب وقت قصير من قتله لصموئيل باتي.

اقرأ أيضاً: إقليم أكلته الحروب.. الإمارات تسعى لاستعادة سلامه بالحوار

معطيات تدركها فرنسا بشكل جلي، والأكيد أنّها سوف تكون حاسمة في أي سياسات مستقبلية لباريس في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، إذ بُرهن لها ولقوى أوروبية وعربية أخرى، باتت في خندق واحد بمواجهة التحريض التركي، المخاطر التي قد تنتج عن ذلك التحشيد الشعبوي، لدرجة دفعت الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في الرابع والعشرين من مارس الماضي، للتعبير عن خشيته من أنّ تركيا قد تحاول التدخل في الانتخابات الرئاسيّة القادمة في فرنسا في عام 2022، قائلاً إنّه “ستكون هناك محاولات للتدخل في الانتخابات المقبلة”، مؤكداً أنّ الحديث يدور عن تركيا وأنّ الخطر واقعي، مضيفاً: “أعتقد أنّه لا يمكن استعادة العلاقات عندما توجد هناك ازدواجيّة، وليس بوسعي استعادة العلاقات إذا كانت هناك أعمال مستمرة خلف ظهري”.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

في الـ16 من أكتوبر العام الماضي، شهدت فرنسا جريمة مُريعة، عندما ذبح المعلم صموئيل باتي قرب مدرسته، على يد المدعو “عبد الله أنزوروف”، وهو يافع من أصل شيشاني، نتيجة ما قيل حينها بأنّ المدرس الفرنسي قد عرض صوراً كاريكاتورية لرسول الإسلام محمد، لتثير الواقعة ردود أفعال قوية من جهة السلطات الفرنسية، شملت حلّ العديد من الجمعيات المدنية التابعة للمسلمين في فرنسا، وإغلاق بعض المساجد والمصليات.

قانون باتي

فيما صوّت نواب الجمعية الوطنية الفرنسية، في الحادي عشر من فبراير الماضي، بغالبية الأصوات، على قانون جديد حمل اسم “صامويل باتي”، الذي سيعاقب بالسجن ثلاث سنوات، وبغرامة مالية قدرها 45 ألف يورو، كل شخص يعرّض حياة شخص آخر للخطر عبر نشر معلومات مضللة ومضرّة له، وذلك ضمن إطار المصادقة على مشروع قانون احترام “المبادئ الجمهورية” ومحاربة “النزعة الإسلاموية المتطرّفة”.

اقرأ أيضاً: ترامب الناجي من العزل.. قد يضحى رئيساً لولاية ثانية

كما صادق مجلس النواب الفرنسي، في السادس عشر من فبراير، على قانون “تعزيز مبادئ الجمهورية”، الذي نصّ على زيادة الجهود لمواجهة النزعات “الانفصالية” و”التطرّف الإسلامي” في البلاد، بهدف تشديد الرقابة على المساجد والمدارس وغيرها من المؤسسات، للتخلص من “الإسلاميين المتطرفين”.

باتي

الجريمة وتبعاتها.. سببها كذبة

لكن الأنكى من الجريمة، وتبعاتها على المجتمعات الفرنسية، سواء المسلمة أو غيرها، هو ما أفصحت عنه، في التاسع من مارس الماضي، الطالبة التي سردت قصة مزعومة أدّت إلى حملة كراهية من خلال الإنترنت بحق أستاذ التاريخ، صمويل باتي، ومن ثم قطع رأسه، عندما أعلنت أنّها قصة مختلقة وكاذبة، وذلك عقب أن ادّعت فتاة مجهولة الهوية بأنّ باتي، عرض لتلاميذه في الفصل، رسوماً مسيئة للنبي محمد خلال درس عن “حرية التعبير”، وزعمت أنّ باتي طلب من التلاميذ المسلمين مغادرة الفصل، قبل أن يعرض الصورة التي نشرت في مجلة شارلي إيبدو الساخرة.

اقرأ أيضاً: في أوكرانيا.. النار التركية تقترب من الحطب الروسي

وأفصح وقتها محامي الفتاة، أنّ موكلته (13 عاماً) شدّدت على أنّها لم تكن حاضرة بالفصل، وأنّها كانت مريضة في ذلك الوقت، لافتاً إلى أنّ “الفتاة كذبت لأنّها شعرت بأنّها محاصرة في دوامة، لأنّ زملاءها في الفصل طلبوا منها أن تكون متحدّثة باسمهم”، وعقب أن قدمت الفتاة، التي ورد أنّ لديها تاريخاً من المشاكل السلوكية، ادعاءاتها الأولية بخصوص الفصل الدراسي، ثم قدّم والدها شكوى قانونية وعرض مقطع فيديو على الإنترنت، في أوائل أكتوبر، مصرّحاً في الفيديو: “ابنتي صدمت من سلوك أستاذها.. لا أحبذ أن أستخدم لفظ أستاذ، لأنّه وغد تاريخ يدرس مادة التاريخ والجغرافيا”.

وواصل الأب التحريض وقتها، بالقول: “هذا الأسبوع خلال الفصل طلب الأستاذ من التلاميذ المسلمين أن يرفعوا أيديهم، ثم طلب منهم مغادرة القاعة، لكن ابنتي رفضت المغادرة وسألته عن السبب، فقال لها إنّه سيعرض صورة من شأنها أن تصدمهم”، ليشعل الفيديو موجة من الغضب على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك التهديدات بالقتل بحق الأستاذ.. وعليه وجهت للفتاة تهمة التشهير، فيما اتّهم والدها وداعية إسلامي بالتواطؤ في القتل.

لمصلحة مَن؟

اقترنت فترة ذبح باتي بحملة تحريض ممنهجة مارستها تركيا بحق فرنسا، نتيجة مواقف كثيرة تعارضت فيها وجهة نظر الجانبين في مجموعة قضايا، بدءاً من شمال سوريا وصولاً إلى ليبيا عبوراً بأرمينيا وقبرص واليونان والتنقيب في شرق المتوسط، وبالرغم من عدم وجود إثباتات مباشرة حول الكذبة المختلقة التي بثتها الطالبة المجهولة وروّجها والدها، بيد أنّه لا يمكن إنكار حقيقة وجود علاقة بين التحريض على فرنسا من جانب تركيا، وحملات العنف التي وقعت هناك.

اقرأ أيضاً: الموت لإسرائيل.. شعار حوّل إيران إلى جنة للموساد

فتركيا وقتها، لم تدن جريمة قتل باتي إلا بعد مرور عدة أيام، وتحديداً عقب عتاب فرنسي من عدم إدانة أنقرة للجريمة، وهو تلميح فرنسي موارب إلى مسؤولية التحريض التركي على فرنسا، في إذكاء نار الحقد والكراهية على باريس، إذ استغلّت أنقرة حينها، تصريحات صادرة عن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، وصورتها على أنّه عداء للإسلام والمسلمين عموماً، رغم وضوح ماكرون في استهداف “الإسلاميين” تحديداً، وبمعنى أصح “الإسلام السياسي” الساعي للهيمنة على الجالية المسلمة في الغرب.

وعليه، كان مقتل صموئيل باتي، ومن ثم هجوم نيس، الذي أودى بثلاث ضحايا، ومن ثم بهجوم فيينا الذي أودى بأربع ضحايا، نتائج غير مباشرة لخطاب تحريضي تبوّأه الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مما دفع بالمتطرفين الإسلاميين لخوض غمار عنف دامٍ لترهيب باريس ومن خلفها القارة العجوز، بغية ثنيها عن مواجهة تطلعات أنقرة التوسعية.

فرنسا متنبهة للدور التركي

ولا ننسى هنا إطلاق أنقرة شعارات عاطفية ساهمت في تأجيج العنف، كشعار “إلا رسول الله” الذي انطلق من تركيا، في سبيل غايات كانت واضحة وجلية للجميع، كان من ضمنها تحويل حملة مقاطعة للبضائع التركية، بدأتها آنذاك بلاد عربية، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، وانتقلت إلى أرمينيا وشمال سوريا، إلى حملة مضادة لمقاطعة البضائع الفرنسية، عبر السعي لإظهار أنّ أنقرة هي من تدافع عن الرسول محمد، فيما الحكومات العربية نائمة في عسل علاقتها مع الغرب “الكافر”، وهي خطابات من السهل أن تمر على شرائح شعبية قد لا تكون قليلة، فتدفع هي الثمن، كما دفع ثمنها عبد الله أنزوروف، الذي قتل على يد الشرطة الفرنسية عقب وقت قصير من قتله لصموئيل باتي.

اقرأ أيضاً: إقليم أكلته الحروب.. الإمارات تسعى لاستعادة سلامه بالحوار

معطيات تدركها فرنسا بشكل جلي، والأكيد أنّها سوف تكون حاسمة في أي سياسات مستقبلية لباريس في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط وشمال أفريقيا، إذ بُرهن لها ولقوى أوروبية وعربية أخرى، باتت في خندق واحد بمواجهة التحريض التركي، المخاطر التي قد تنتج عن ذلك التحشيد الشعبوي، لدرجة دفعت الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في الرابع والعشرين من مارس الماضي، للتعبير عن خشيته من أنّ تركيا قد تحاول التدخل في الانتخابات الرئاسيّة القادمة في فرنسا في عام 2022، قائلاً إنّه “ستكون هناك محاولات للتدخل في الانتخابات المقبلة”، مؤكداً أنّ الحديث يدور عن تركيا وأنّ الخطر واقعي، مضيفاً: “أعتقد أنّه لا يمكن استعادة العلاقات عندما توجد هناك ازدواجيّة، وليس بوسعي استعادة العلاقات إذا كانت هناك أعمال مستمرة خلف ظهري”.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit