صمام أمان تركيا في مُواجهة مع أحلام أردوغان المُدمرة

تركيا

معلوم أو كان كذلك، أنّ الجيش التركي هو حامي العلمانية في الدولة، التي أنشئت على أنقاض خلافة مزعومة تغنّت بها العثمانية على الدوام، لتبرير حكم مناطق واسعة من الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عبر استغلال الرابطة الدينية.. لكن تلك الذريعة أضحت نقمة عقب الحرب العالمية الأولى، التي خسرت فيها العثمانية أمام الجيشين الفرنسي والبريطاني، مما أجبر الأتراك على تقديم تعهدات، للطرف المنتصر بالتخلّي عن تلك الرابطة وترسيخ العلمانية، وجرى تعيين الجيش التركي كحامي لتلك الوصية التي ضمنت بقاء تركيا إلى اليوم الحالي.

صمام أمان

وانطلاقاً ربما من تلك الفرضيات، ما يزال الجيش التركي وبعض قادته يجدون في أنفسهم صمام الأمان الذي يمكن أن يحمي البلاد من أي سياسات ضارة، ومنها مساعي الرئيس التركي لإنشاء قناة إسطنبول، التي يبدو أنّ أردوغان يسعى من خلالها إلى إنهاء التزام تركيا باتفاقيات دولية تضمن العبور من مضيق البوسفور، وفق شروط محددة بين تركيا والدول المطلة على البحر الأسود.

اقرأ أيضاً: ترامب الناجي من العزل.. قد يضحى رئيساً لولاية ثانية

فأصدر، في الرابع من أبريل الجاري، 103 من الضباط المتقاعدين برتبة أدميرال بياناً عارضوا فيه “مشروع قناة إسطنبول”، الذي رؤوا فيه مساساً بـ”اتفاقية مونترو” الخاصة بتنظيم حركة المرور في البحر الأسود عبر المضايق التركية، وهو مشروع يحظى بدعم الرئيس التركي لشق قناة مائية تربط بحر مرمرة بالبحر الأسود، بموازاة مضيق البوسفور، بسعة مرور يومية تصل إلى 185 سفينة، حيث سيبلغ طول القناة 45 كم على الجانب الأوروبي من مدينة إسطنبول، ومن المتوقع أن تبدأ الإنشاءات في القناة خلال العام الجاري، وستستغرق بين خمس وست سنوات.

الجيش التركي

بماذا طالب الضباط؟

اعتبر الـ103 من الأدميرالات المتقاعدين، أنّ اتفاقية مونترو الموقعة في العام 1936، انتصار دبلوماسي بالنسبة لتركيا، لأنّها أعادت لها سيادتها على مضيقي البوسفور والدردنيل، وأكدوا رفضهم أي مناقشة حول إمكانية مراجعتها، بسبب ظهور مشروع “قناة إسطنبول” التي ستربط بين بحر مرمرة والبحر الأسود بالتوازي مع هذين المضيقين، واعتبروها الوثيقة الأساسية لأمن الدول المشاطئة للبحر الأسود.

اقرأ أيضاً: في أوكرانيا.. النار التركية تقترب من الحطب الروسي

كما دعا بيان ضباط القوات المسلحة التركية، إلى الحفاظ على القيم الأساسية للدستور، على خلفية دعوات أردوغان إلى صياغة قانون أساسي جديد، منتقدين “محاولات إظهار أنّ القوات المسلحة التركية تبتعد عن وصايا مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك”، عقب أن قال أردوغان سابقاً، بأنّ اتفاقية مونترو التي تحدد نظام مرور السفن عبر مضيقي البوسفور والدردنيل (مع فرض قيود عدة على سفن حربية تابعة لدول غير مطلة على البحر الأسود)، لن يتم تطبيقها على “قناة إسطنبول”.

رد السلطة على البيان

وبالرغم من تاريخهم ومكانتهم الاعتبارية، لم تتوانَ السلطة التركية عن استهداف الأدميرالات المتقاعدين بشتى الاتهامات، فقد أفاد مكتب المدعي العام، في أنقرة، بتاريخ الخامس من أبريل، أنّ 10 أدميرالات وضعوا في الحبس على ذمة التحقيق، فيما لم يوقف 4 ضباط سابقين آخرين بسبب سنّهم، لكن طلب منهم المثول أمام شرطة أنقرة، وذلك عقب أن اعتبرت حكومة أنقرة البيان “انقلاباً”، بينما قالت وزارة الدفاع التركية إنّه لا يمكن استخدام الجيش كوسيلة لتحقيق الغايات الشخصية لأشخاص ليس لهم صفة أو مسؤولية رسمية.

اقرأ أيضاً: الموت لإسرائيل.. شعار حوّل إيران إلى جنة للموساد

لكن لم تُغفل حكومة أنقرة مساعيها للتخفيف من المخاوف الدولية الناجمة عن بيان الضباط الأتراك، فأعلن مصدر تركي أنّ الرد الحاد للسلطات على رسالة الضباط المدافعة عن اتفاقية “مونترو”، لا علاقة له بتخطيط تركيا للانسحاب منها، وزعم أنّ الرسالة يُنظر إليها على أنها تدخل الجيش في السياسة، وهذا أمر تنظر السلطات إليها نظرة سيئة جداً، مع الأخذ بعين الاعتبار تجربة سلسلة من الانقلابات العسكرية في تركيا.

بينما اعتبر وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو، البيان بأنّه “أسلوب يستحضر انقلاباً”، مدّعياً أنّ قناة إسطنبول المائية التي تعتزم تركيا فتحها، لا تؤثر على اتفاقية “مونترو” (الخاصة بحركة السفن عبر المضائق التركية) وأنّ الاتفاقية ليس لها تأثير كذلك على مشروع القناة، وهو ما يعني أنّ المخاوف من تلاعب أنقرة على قضية القناة أمر ممكن مستقبلاً، فيما لو نُفذت القناة وأضحت أمراً واقعاً.

المُعارضة تساند بيان الضباط

وهو ما يؤكد أنّ مخاوف الضباط المتقاعدين ليس ناجماً عن فراغ، وقد عبر عنها حزبان معارضان، إذ اتهم حزب “الشعوب الديمقراطية” (ذو الغالبية الكردية)، الحزب الحاكم في تركيا بمحاولة “اصطناع خطر” اعتماداً على حدث ليس له قيمة، وتعقيباً على بيان الضباط، الذي دافع عن اتفاقية “مونترو” ولم يقبل بعض المظاهر الدينية في الجيش، ذكر الحزب أنّ السلطة في البلاد تسعى إلى خلق خطر الانقلاب من مجرد بيان مكتوب.

اقرأ أيضاً: إقليم أكلته الحروب.. الإمارات تسعى لاستعادة سلامه بالحوار

وبالصدد، ذكر الناطق باسم حزب الشعب الجمهوري المعارض، أنّ حزب “العدالة والتنمية” لا يفوت أي فرصة ليتقمص دور الضحية، وأردف أنّ الشعب التركي يمر راهناً، بأوقات عصيبة للغاية من الناحية الاقتصادية، ومن ناحية الوباء، والحزب الحاكم يسعى لإشغاله بقضية بيان العسكريين، لافتاً إلى أنّ اتفاقية “مونترو” ليست اتفاقية تنظم حركة العبور بالمضايق التركية فقط، بل إنّها انتصار دبلوماسي كبير مكمل لاتفاقية “لوزان”، وأعادت لتركيا كل حقوقها السيادية في مضايق إسطنبول وشانق قلعة وبحر مرمرة.

أردوغان والبيان

أما أردوغان، فلم يفوّت فرصة الرسالة، وزعم احتواءها على تلميحات بتورطهم في محاولة انقلاب، مدّعياً أنّ بيانهم “غير مقبول ولا يمكن اعتبار هذا العمل عبارة عن حرية التعبير التي لا تشمل توجيه عبارات تهدّد الإدارة المنتخبة”، زاعماً أنّه “ليس من مهام الضباط المتقاعدين نشر بيانات تتضمن تلميحات انقلابية”، مردفاً أنّ الرسالة “ناجمة عن نوايا سيئة”، على حدّ تعبيره.

ومما يشير إلى نوايا أردوغان الانتقام من الموقعين على البيان، شبه أردوغان البيان بالمحاولة الانقلابية المزعومة في العام 2016، فقال: “لم نرَ هؤلاء الضباط إلى جانب شعبنا عندما نفذت منظمة غولن الإرهابية المحاولة الانقلابية.. سنتخذ كافة الإجراءات اللازمة، آخذين بعين الاعتبار البيان المنشور”، مردفاً أنّ “معارضي مشروع قناة إسطنبول الذي يعزز السيادة الوطنية لتركيا، هم من أكبر أعداء أتاتورك والجمهورية”.

اقرأ أيضاً: صمويل باتي.. ضحية كــذبة أجّجها التحريض على فرنسا

وأخيراً، لا يمكن إلا القول بأنّ رسالة الضباط الأتراك المتقاعدين صادرة عن جهة لا تريد الخير لتركيا وشعبها، بل ربما كانوا هم من أكثر المدركين للمخاطر التي ستواجه أنقرة فيما لو حاولت التضييق على عمليات عبور السفن من المضائق التركية في حال جرى شق قناة إسطنبول المزمعة، وقد حذّر الرئيس الروسي، خلال الفترة الماضية، نظيره التركي من محاولة المساس باتفاقية مونترو، فموسكو قد تكون من أشد المتضررين من أي تلاعب تركي في تلك المنطقة، كونها الطريق الوحيد لعبور الروس من البحر الأسود إلى الأبيض، أو المياه الدافئة، وعليه ليس مستغرباً أن يصدر البيان عن هؤلاء الضباط، علّه يُصحي أردوغان من أحلامه المدمرة.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة