شمعة للشباب “الهيّب”.. والوطن الهيّب

جمال الشوفي
جمال الشوفي

الشباب الجميل، الشباب “الهيّب”، والهيّب كلمة عامية دلالة على الجمال شكلاً والتواضع خلقاً بآن، دون تفخيم أو تضخيم، دون أسطرة في المعنى وترويج زائف، فهذا سيد الزمان، وذاك سليل الأنبياء، وذاك الملهم.. حسبما أدرجت سنون الحرب بإطلاق أسماء تفيد التفخيم والأسطرة المفعمة بالرعب ولوثة القتل على حساب الشباب السوري، الربيع السوري وحلمه بالاستقرار والحياة المتواضعة في وطن هيب يشبهه ويشبه أحلامه بهدوئه وجماله وبساطته.

الشباب السوري الذي تمزّق بين معتقل ومفقود ومقتول عمداً وضحية مجانية، بين مهاجر ونازح، ومن بقي منهم هنا في هذا الوطن يكابر على جرحه، يشدّ من أزر بعضه، يحاول أن يمنح بؤس الحياة هذه معنى من حيويته وجمال روحه معاكساً مجراها المتهاوي قيمة ومعاشاً.

إضاءة الشمعة لأرواح من نفقدهم، لأرواح الشباب السوري “الهيّب” التي تُزهق أرواحهم بدم بارد طوال السنوات العشر الماضية، لتضيء عتمة حاضرنا وتسلّط الضوء على حجم كارثتنا. هكذا أرادها شباب السويداء الهيب إضاءة على جريمة تتكرر ولم توقف لليوم. بالأمس حملوا شموعاً ليضيؤوا عتمة ليلنا الدامي تكريماً لروح قتلت! فقد قتلت قوات الأمن برفقة مجموعة مسلحة شاباً من أبناء قرية “أمام الرمان” الجنوبية في محافظة السويداء، حين قاموا بإطلاق النار العشوائي على المواطنين الذين أفزعهم اقتحام هذه القوات القرية على إثر خلاف بيني بينهم لا يعرف بدقة، فكان أن أصيب شابان، وأردت الشاب أسعد البربور، الذي لم يتم عقده الثاني بعد، والمعروف بين أهالي القرية بنخوته وأخلاقه الحميدة والموصوف فيها بالهيب.

لأجل الهيب، ولأجل كل هيب سوري قضى، وكل الشباب السوري الذي قضى في عمر هذه المجزرة هيب، هو عنوان وقفة الشموع التي قام بها شباب السويداء يوم الأمس، تذكر بوقفات الشموع المتتالية بداية الـ2011 على أرواح الشباب الذي بدأت به المقتلة السورية في درعا، لتكر سبحة القتل العمد للشباب السوري الفردي والمجاني ولم تتوقف لليوم.

الشباب السوري ورحلة الألم الطويلة التي وثقتها تقارير المنظمات الدولية في مجازر القتل الجماعية والفردية، سواء في المعتقلات أو الاقتحامات الأمنية أو الحرب المفتعلة على الشعب بأسره، لتليها حملات التهجير القسري والممنهجة، حتى بات موزّعاً في كل شتات الأرض يبحث عن معنى حياته وعن وجوده الذي يستحق في بلدان تحترم إمكانياته وقدراته وطاقاته الخلاقة بينما وطنه ودياره تغصّ بالقبور والدمار والخراب العام.

شباب السويداء، الشباب المدني، الشباب الذي عضّ على جرحه وكابر على آلامه، فعلى الرغم أنّه لم يتعرّض لأهوال الحرب العامة في باقي المناطق السورية، لكنه لم ينجُ من المجزرة، فتعرّض كغيره للموت تحت التعذيب في المعتقلات، وللاعتقال الطويل والقصير بذات الوقت، لدرجة أنّه لم ينجُ شاب تقريباً شارك في مظاهرات السويداء مطلع سنتيها الأولين من الاعتقال. في وقت كانت تتلاحق فيه أبواق “النعي” الحرام لضحايا الحرب اليومية من جيل الشباب العسكريين أيضاً، حتى توقف معظمهم عن الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية، ما عرض المحافظة لغضب متصاعد والمزيد من التضييق عليها مرة والترهيب والتخويف والتخوين مرات، والهدن والتسويات الوهمية، دون أن تنجح واحدة منهم لجرّ شباب السويداء للمقتلة السورية عامة.

في الجهة المقابلة، لم يتوقف شباب السويداء لليوم عن الإفصاح عن طموحاته وأهدافه، عن حلمه الجميل بالاستقرار والأمان والحرية، عن حقّه بالتعبير عن نفسه والدفاع عن حقوقه في الاعتصام والتظاهر السلمي. والذي لم يتوقف لليوم رغم تقطعه الزمني وتفاوت وتيرته العامة. كما أنّه لم يتوقف عن تنظيم مجتمعه المدني وآليات عمله المختلفة عن المجتمع الأهلي أو المعارضة الكلاسيكية.

مجتمع الشباب المدني الذي شكل لليوم مساراً متمايزاً عن مسيرة المعارضة من جهة، وحلقة وسيطة بين المجتمع الأهلي ومؤسسات الدولة المفترضة من جهة أخرى. فالمعارضة السورية في السويداء أصابها ذات التشظي والانقسامات التي أصابت كامل الطيف المعارض السوري، للتمثل في كتل وتجمعات تحمل عطالتها في ذاتها وتركيبها البنيوي الأيديولوجي المتمترس خلف أفكاره التي لا تناسب العصر وطرقه وأدواته، مكتفية في ذاتها وفي إحلال شرعيتها على بعض من خلال التقليل من الطرف الآخر. بينما بقي المجتمع الأهلي على حياده العام إزاء المسألة السورية كموقف ديني عام، تباينت حول طرق إدارته واستثماره أجندات متعددة، خاصة من سلطة النظام أو الميليشيات متعددة الصنوف، محاولة اختراق عمقه القيمي وتماسكه التاريخي، سواء بالتهريب أو الخطف والسرقة وإشاعة عدم الأمان والإتجار بالمخدرات.. ومع هذا لم تستطع هذه الأجندات التغلغل بعمق المجتمع بقدر بقائه حالة عابرة يدرك الجميع أنّها منتهية بانتهاء مموليها وصانعيها من الأجهزة الأمنية. مترافق مع المزيد من الانكماش والإنغلاق الأسري والمذهبي الديني لمواجهة تحديات الواقع وفلتانه الأمني والإرهاق العام بحكم ما آلت إليه الحياة المعاشية من أعباء لا تحتمل.

هذا فيما مثّل الشباب الهيب لليوم طريقة أخرى بإمكانياته ومبادراته النوعية، بدءاً من تنظيم المظاهرات والاعتصامات، لحملات التوعية العامة بالحقوق المدنية: ضد الاعتقال، ضد مروجي المخدرات، ضد العنف العام والمجتمعي، ضد قتل النساء بتهمة الشرف. ليتمايزوا بذلك عن المجتمع الأهلي بعدم وقوعه بفخ اليأس والإنغلاق والتشاؤم العام، وعن المعارضة الكلاسيكية بابتكار الطرق القادرة على تحريك قاع المجتمع وتشكيلهم حلقات المناصرة والتضامن التي فقدتها معظم صنوف المعارضة.

المجتمع المدني السوري عامة، والسويداء منه، وإن كان تجربته السياسية والمدنية ما زالت في بواكير حملها، وإن كانت تنتابه موجات الاستقطاب السياسي، سواء لمروّجي السلطة أو مروّجي المعارضة، يحاول في كل مرة الوقوف على أرضيّة متحرّكة نحو المستقبل، وعليه وبلا تردّد الخروج من معادلات الاستقطاب السياسي هذه، والحفاظ على مقومات وجوده الاستثنائي كعامل ضاغط على كل أطراف المعادلة السورية في الإسراع بإيجاد حلّ سياسي عام يفضي الى دولة الحقوق والمواطنة، إلى دولة الحريات والدستور والتداول السلمي للسلطة، إلى دولة الاستقرار والأمان، حيث يمكن للشباب أن يتزوّج من يحب لا أن يمضي عمره لا يستطيع أن يؤمن قوت يومه، فكيف هي مصاريف الزواج والتعليم؟ دولة تشبه حيثيات وجودهم وإمكانياتهم وتطلعاتهم وجمال روحهم، أسموه بالوطن الهيّب، والذي يستحق أن تضاء له الشموع ليلة خلف ليلة حتى يصبح واقعاً وحياة تعاش.

جمال الشوفي

ليفانت – جمال الشوفي