شاهدٌ يؤكد: رسلان ضربني لأنني قمت بتصويره

أنور رسلان

في الخامس من شباط لعام 2011 كانت هناك دعوة للتظاهر أمام البرلمان في دمشق وكانت هناك أعدادٌ هائلة من رجال الأمن باللباس المدني، أوقفونا وطلبوا هوياتنا الشخصية.

صديقان لي لم يكن معهما الهويات فاعتقلوهما، وعندما ذهبت لأسأل الضابط عن سبب اعتقالهما ضُرِبتُ وطُلِب مني الابتعاد. بعد عدة أسابيع كانت هناك جنازة في دمشق لمخرجٍ سينمائي معروف فذهبت لأصور فيلماً عن الجنازة لأنّ المخرج كان صديقاً لي. بين رجال الأمن الذين تواجدوا فيها كان أيضاً الضابط والعناصر الذين قاموا باعتقال صديقَيَّ فقمت بتصويرهم، لا أدري لماذا فعلت ذلك ولكني كنت متأكداً أنّ الضابط معهم هو من ضربني”.

في السابع والثامن من شهر نيسان لهذا العام، قَدِم الصحفي والناشط عامر مطر إلى المحكمة الإقليمية العليا في مدينة كوبلنز ليقدم شهادته أمام هيئة القضاة. السيد مطر لم يتعرّض فقط للاعتقال والتعذيب الشديد في فرع الخطيب، بل خاض تجربة خاصةً جداً أخبر القضاة عنها بالتفصيل.

تحدّث الشاهد عن دراسته للصحافة في دمشق وعن التقارير الصحفية التي كتبها قبل الثورة في جريدتي الحياة اللندنية والنهار اللبنانية، الأخيرة كانت ممنوعة في سوريا ولذلك استُدعي وأهله عدة مرات من قِبل الأمن في تلك الفترة وحُقِّقَ معهم. ثم تطرَّق إلى مشاركته في عدة مظاهرات واعتصامات أمام السفارات في شهر شباط عام 2011 وكانت غايتها التضامن مع ثورات الربيع العربي.

تواجد عناصر وضباط الأمن في هذه الاعتصامات، ولكنهم كانوا قلَّة، ولذلك استطاع السيد عامر حفظ وجوههم، وكان من بينهم المتهم رسلان، الذي كان أيضاً في مظاهرة البرلمان التي ذكرها الشاهد وضُرب حينها بسبب تدخَله لصالح معرفة مصير صديقيه ولذلك لم ينسَ وجهه من يومها.

بعد بداية الثورة شارك السيد عامر بالمظاهرات وتحدث عنها في القنوات الإخبارية، كالجزيرة والعربية، تارةً باسمه الحقيقي وتارة باسم مستعار. نتيجة لذلك جاء عناصر الأمن إلى منزله واعتقلوه من هناك بعد ضربه بشدة ومصادرة الكثير من أملاكه.

اقتيد الشاهد إلى فرع الخطيب وحُقّق معه عن مشاركته في المظاهرات وتقاريره الصحفية وعن أسماء من يعملون معه والجهات التي يتعامل معها، إلا أنّهم وأثناء فترة اعتقاله وجدوا صورة المتهم رسلان في جهازه المحمول، ما استدعى اقتياده لمكتب المذكور للتحقيق في الأمر. “أخذوني معصوب العينين وبعد أن وصلت إلى مكتب المحقق، الذي تواجد مع ثلاثة ضباط أدنى رتبة منه، كما بدا لي من طريقة خطابهم فيما بينهم، سألني عن الشخص في الصورة فأجبته بأنني لا أعرف من هو، وعند ذلك قام برفع عصابة العينين عن وجهي وضربني بقبضة يده، لقد كان نفس الشخص الذي صورته، إنّه المتهم رسلان” بهذه الكلمات أخبر السيد عامر القضاة كيف تعرَّف على رسلان بعد أن صوَّره في تشييع المخرج السوري ولم يكن يعرف شيئاً عنه حينها. لاحقاً وبعد خروجه من المعتقل بدأ بالسؤال عنه واكتشف اسمه وعمله.

الجديرٌ بالذكر، أنّ المتهم أنور رسلان، وفي بيان دفاعه وردِّه على التهم الموجهة ضده، قال فيما يتعلق بشهادة السيد عامر بأنّه ليس ضابطاً ميدانياً أو عملياتياً ولم يخرج خارج الفرع مطلقاً وأنّ منطقة البرلمان التي يتحدّث عنها الشاهد تتبع جغرافياً للقسم 40 وليس لفرع الخطيب، مدّعياً أيضاً أنّه لم يشارك بالتشييع المذكور ولا يعرف المخرج السوري المُشار إليه.

تحدّث الشاهد أيضاً عن التعذيب في الخطيب وعن المشاهد المروّعة لأساليبه التي رآها وشهدها وتعرّض لها شخصياً، من بين ما رآه كان تعليق معتقلي المنفردات من أيديهم بقضبان فتحة الباب الحديدية (الطاقة) في الزنزانة، وتركهم على هذه الحال فترات طويلة دون قدرتهم على الجلوس، وهي وسيلة للتعذيب تُذكر لأول مرة في قاعة المحكمة.

لم يَفت السيد عامر أن يتحدّث عن الظروف العامة في الأفرع الأمنية التي كان فيها، ومدى سوئها وصرخات التعذيب المستمرة، خاصة في فرع الخطيب، الذي وصفه بأنّه أكثر مكان تعرّض فيه للضرب والتعذيب وأكثر مكان أحسَّ فيه بالألم.

وعن شهادته في المحكمة، كتب السيد عامر على صفحته في فيس بوك:

“من أصعب وأقسى تجاربي الشخصية، جلسات طويلة خلال يومين كانت شهادتي في محكمة كوبلنز، لمحاكمة رئيس فرع الخطيب لأمن الدولة (أنور. ر). العودة إلى أسوء ذكريات عشتها في سجون نظام الأسد، ومواجهة السجَّان السابق الذي كان يستمع بتمعن إلى اليوميات الدموية في السجون التي كان يديرها.

حاولت أن أكون منصفاً وعادلاً معه، وأن احترمه كسجين يجلس أمام محكمة أتمنى أن تكون عادلة معه ومعنا. تمنيت لو أنّ المحكمة في سوريا، وأن العدالة تحاسب الجميع، كل من قتلنا.

حلمت بمحاكمة السجانين حين كنت في المنفردة قبل 10 سنوات من اليوم، في آذار ونيسان 2011، لم أتخيل أنّ جزءاًبسيطاً من هذا الحلم سيتحقق في المنفى.

إذا الشعب يوماً أراد الحياة، فلابدّ أن يستجيب القدر”.

في نهاية اليوم الثاني من شهادة السيد عامر بتاريخ 08/04/2021 وبعد انتهائها، تقدّم محامي المتهم بطلب استدعاء شهود آخرين وهم: موظفان اثنان من جهاز المخابرات الفيدرالي، ف.ح وهو سجَّان سابق لدى فرع الخطيب ومقيم في تركيا، أ.ص وهو أيضاً سجَّان سابق لدى فرع الخطيب ومقيم في تركيا، وأخيراً شاهد لم تُكشف هويته بل سُمِّيَ برمز فقط، وأشار محامي الدفاع أنّ هذا الشاهد لا يقيم في سوريا ولا في تركيا ولكن في منطقة الشرق الأوسط.

أضاف المحامي بأنّ السجَّانين السابقين ف.ح و أ.ص يمكن أن يؤكدا أن المتهم رسلان لم يعمل خارج الدائرة بين شباط ونيسان 2011، وإنما عمل في المكتب فقط.

وعن الشاهد الأخير، قال المحامي بأنّه كان يعمل في فرع الخطيب منذ بداية 2011، ويستطيع أيضاً تأكيد أقوال السجَّانين المشار إليهما، ولهذا يجب السماح له بالإدلاء بشهادته دون الكشف عن هويته، وبأنه من الممكن إجراء مقابلة صوتية ومرئية معه.

ادعى محامي الدفاع عن المتهم رسلان ختاماً بأنّ تصريحات الشاهد عامر مطر غير صحيحة، وبأنّ السلوك المزعوم الذي وصفه عامر غريبٌ عن رسلان ولا يتوافق مع موقفه الشخصي.

تجدر الإشارة إلى أنّ الشاهد عامر مطر من القلِّة الذين استطاعوا التعرّف شخصياً على المتهم رسلان، بحكم أنّ باقي الشهود لم يستطيعوا رؤيته وهم معصوبو الأعين، بل كان ممكناً لهم التعرّف على صوته فقط ولذلك طلبوا عينة صوتية من المتهم في المحكمة للتأكد إن كان هو المحقق المسؤول مباشرة عن تعذيبهم أم لا، إلا أنّ المتهم رفض إعطاء عينة صوتية.

قرار استدعاء الشهود الذين طلبهم محامي الدفاع أو عدم استدعائهم يتعلق الآن بالقضاة الذين ذكروا سابقاً صعوبة إحضار شهود مقيمين خارج ألمانيا.

الجلسات القادمة ستكون بتاريخ 14 و15 من نيسان مع الشاهدة والمدعية بالحق المدني نوران الغميان.

ليفانت – لونا وطفة