زيارة قيس سعيد إلى القاهرة.. السياسة الخارجية ضد هامش الإسلام السياسي

رامي شفيق
رامي شفيق

ثمة ملفات عديدة ينبغي التدقيق فيها عند مراجعة السياق الذي جاءت فيه زيارة الرئيس التونسي، قيس سعيد، إلى القاهرة والتي بدأت الجمعة الماضية، ولمدة ثلاثة أيام، إثر دعوة رسمية من القاهرة.

ربما من اللافت للنظر إلى تلك الزيارة، في سياق الصراع الذي يخوضه سعيد داخلياً مع النهضة؛ فمن جهة رمزية، فإنّ الزيارة واللقاء بالرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تبرز تأييداً واضحاً للسير الذي يمضيه الأول عكس تيار حركة النهضة (فرع الإخوان في تونس)، وذلك على خلفية التناقض الرئيس بين هذا التيار الإسلاموي، المصنّف على قوائم الإرهاب في مصر وعدد من البلدان العربية، والنظام السياسي في القاهرة، والذي نجح في استئصاله ونبذه السياسي.

وكان سعيد قد صرّح في أعقاب زيارته، خلال موكب الاحتفال بعيد الشهداء بالعاصمة التونسية، أنّ “تونس بحاجة إلى برلمان وطني محترم ووزارة كاملة مسؤولة”، في إشارة لرئيس البرلمان، راشد الغنوشي، ورئيس الحكومة، هشام المشيشي. كما رفض قبل أسبوع المصادقة على قانون المحكمة الدستورية بعد أيام من تعديلات أجرتها الأغلبية البرلمانية بقيادة حركة النهضة.

الزيارة الأولى للرئيس التونسي نحو القاهرة، وبحسب التصريحات الرسمية، تأتي في إطار القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، وكذلك لبحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية والتعاون المشترك فى كافة المجالات، لا سيما وأنّه استقبل، مؤخراً، وزير الخارجية في حكومة الوحدة الوطنية، السيدة نجلاء المنقوش، في أول زيارة خارجية لها، بينما خرج عبد الحميد الدبيبة، رئيس الحكومة الليبية، في جولة خليجية أخرى.

الرئيسان المصري والتونسي يشتركان في كونهما وصلا للسلطة في عواصم شهدت صراعاً محتدماً ضد جماعات الإسلام السياسي؛ حيث استجاب الأول لتحركات الجماهير، في ثورة 30 يونيو، وأزاح الإخوان من المشهد السياسي، والثاني يواجه استبداد الجماعة وتغوّلها في المشهد السياسي والمجتمعي، إثر معطيات دستور 2014 التي تقلص صلاحيات الرئيس في الشؤون الداخلية، وتمنحه حرية أوسع في السياسات الخارجية.

حظي الرئيس المصري بشعبية طاغية بين الجماهير المصرية والعربية عقب دعمه ثورة الشعب المصري في العام 2013 ضد الإخوان المسلمين واستبدادهم، الأمر الذي منحه منصب الرئيس في انتخابات العام 2014 بشكل كاسح.

استطاع سعيد (61 عاماً) أن يستقطب فئات مجتمعية بعينها، تحديداً الشباب من طلبته والطبقة المثقفة، كما نجح في أن يجذب عدة تيارات سياسية مستنداً إلى دعم المتطوعين في حملة انتخابية لم تعرف المال السياسي ولا الدعاية الكلاسيكية. وقد وصف سعيد فوزه بـالانتخابات الرئاسية بأنّها “ثورة جديدة في إطار الشرعية الدستورية”.

ومن ثم، ينبغي النظر إلى زيارة الرئيس التونسي إلى القاهرة، في سياق إقليمي مرتبك ومعقد، إذ تنخرط القاهرة نحو جولة جديدة من العمل الديبلوماسي لتأييد موقفها في قضية سد النهضة مع إثيوبيا، ومواقفها المراوغة والمتشددة، في ظلّ تعنّت الأخيرة طيلة جولات المفاوضات.

وفي هذا السياق، يمكن الالتفات إلى أهمية عضوية تونس غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي، باعتبارها الدولة العربية الوحيدة حالياً، وعليه، يمكنها أن تدعم القاهرة كثيراً بغية حشد التأييد الدولي في قضية سدّ النهضة ضد إثيوبيا. وهو الأمر الذي عبّرت عنه تونس غير مرة. ثمة تأويل منطقي آخر يتصل بالزيارة، يتمثل في استقرار الملف الليبي على طاولة لقاء الرئيسين، لما تمثله ليبيا من أولوية استراتيجية قصوى، سواء في القاهرة أو تونس.

ربما، كافة التطورات في الداخل التونسي، قبل أن تنطلق طائرة الرئيس التونسي، كانت تشي بفوران الأزمة السياسية والقانونية بين مؤسسات الحكم في تونس، سيما مع حركة النهضة التي سعت نحو السيطرة على المحكمة الدستورية، بيد أنّ الرئيس سعيد رفض القانون وأعاده مرة أخرى إلى البرلمان.

وعبر تخوم تلك الأزمة السياسية والدستورية، جاءت تصريحات الرئيس التونسي أكثر وضوحاً وهجومية ضد النهضة وقاداتها، وتفضح أهدافهم الحقيقية والمستترة. وفي سياق ذلك سعت جماعات الإسلام السياسي نحو مهاجمة زيارة سعيد إلى القاهرة.

غير أنّ حركة النهضة لم تعلّق رسمياً على الزيارة، في وقت عبر فيه أنصارها عن غضبهم من قرار زيارة الرئيس التونسي، حيث اعتبروا الزيارة مفاجئة لهم، وتحمل دلالات سياسية في ظلّ خلافات بين رئاسة الجمهورية وزعيم الحركة راشد الغنوشي، الذي يحتلّ منصب رئيس البرلمان التونسي.

ربما من الأهمية بمكان، التنسيق بين القاهرة وتونس عبر الملف السياسي والأمني الذي يتقاطع كل منهما من خلال الوضع الليبي وحضور الميلشيات والمرتزقة والجماعات التكفيرية، الأمر الذي يفرص تحديات خطيرة على البلدين، وذلك فيما يتصل بالقضايا الأمنية وحفظ الحدود المشتركة مع ليبيا، سواء في القاهرة أو تونس. وبناء على ذلك، يمكننا قراءة أنّ هذا العنوان سيكون أحد أهم الملفات التي ستندرج في مباحثات الرئيسين المصري والتونسي، فضلاً عن ملف الإخوان المسلمين، الذي يمثله في تونس حركة النهضة ويسعى نحو فرض تأويلاته السياسية على الفضاء التونسي وتكريس إرادتهم على مؤسسة الرئاسة، بيد أنّ الرئيس سعيد يواجه كل ذلك عبر معطياته السياسية والدستورية المحدودة التي تكفلها دستور 2014.

ولذلك قال وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج، عثمان الجرندي، إنّ هناك تشاوراً وتنسيقاً متواصلاً بين مصر وتونس على أعلى مستوى لدفع العملية السلمية فى ليبيا إلى الأمام.

ويضاف إلى ذلك، مبادرة تونس الثلاثية التي جمعت القاهرة والجزائر، بينما تهدف إلى جمع الليبيين على طاولة الحوار والعمل نحو بلورة أسس الحل السياسي في ليبيا والمرتكزة على استبعاد الخيار العسكري وجميع التدخلات الأجنبية في الشأن الليبي حفاظاً على أمن ليبيا واستقرارها.رامي شفيق

ليفانت – رامي شفيق