رحيل فارس المعارضة ميشيل كيلو

رامي الشاعر

رحل عن عالمنا، صباح 19 أبريل الجاري، فارس نبيل ومناضل صنديد في خندق المعارضة السورية النزيهة، الصديق الوفي، ميشيل كيلو. لكنه أبى أن يرحل دون أن يترك لي كنزاً ثميناً، أرسله لي عبر تطبيق “واتساب” قبل أسابيع قليلة من رحيله.. تسجيل بصوته يشرح لي فيه باختصار شديد مشوار معارضته لطبيعة وشكل الحكم للرئيسين حافظ وبشار الأسد، والتي لجأ فيها إلى شتى السبل والوسائل السياسية السلمية المشروعة، وعبّر عن معارضته بكل صراحة وجرأة، وقوبل على الرغم من ذلك بالسجن وتشويه السمعة ونهاية بالنفي، حتى وافته المنية في المهجر. المعارضة 

حينما تستمع لكلمات ميشيل كيلو الرصينة، وأفكاره النيّرة النبيلة، يعتريك الأسى لما وصلنا إليه في أوطاننا من حوار الطرشان. وقد بدأ كيلو طريقه مع حافظ الأسد منذ 42 عاماً، مناضلاً ومعارضاً شريفاً لسياسات الأسد.

وفي أبريل من العام 2011، حينما بدأت أحداث درعا، واندلعت المظاهرات، وبناء على وساطات وتدخلات من الأصدقاء، وبطلب من القصر الجمهوري، دخل ميشيل كيلو إلى القصر بصحبة أرملة صديقه، سعد ونوس، الفنانة فايزة شاويش، ليجتمع لمدة ساعة ونصف بمستشارة الرئيس بشار الأسد، السيدة بثينة شعبان. المعارضة 

يتابع صديقي الراحل، ميشيل كيلو: لقد قلت لها آنذاك أننا لم نترك وسيلة إلا وطرقناها، وقد تقدمت بورقة عام 2005، حينما قررنا كلجان مجتمع مدني إبداء حسن النوايا تجاه النظام الجديد، وحضرنا اجتماعاً للجنة الحريات والديمقراطية التحضيرية بالمؤتمر، بدعوة من القيادة القطرية، وكنا 6 أشخاص.

يقول ميشيل كيلو في تسجيله الأخير الذي أحظى الآن بشرف صياغته: “لقد رفعت تلك الورقة إلى الرئيس، وهي تقترح فتح حوارٍ حول قضايا الشباب والعمل وتوزيع الدخل القومي. لنتفق في هذا الحوار على حلول، نعترف خلالها بشرعية النظام، مقابل أن يعترف هو الآخر بشرعية المعارضة، فنحذف نحن شعار إسقاطه، ويتوقف هو عن الملاحقات الأمنية، ونعمل سوياً باعتبارنا سوريين وطنيين، ونتعاون مع بعضنا البعض، دون تقسيمات المعارضة والموالاة. وبعد خمس سنوات، نطرح حواراً سياسياً، يتطرق إلى المشاركة السياسية وقضايا التمثيل السياسي في سوريا”.

 

 

قيل آنذاك أن اقتراح كيلو حظي باهتمام بشار الأسد شخصياً. لكنه حينما ذهب إلى القصر الجمهوري، وقبل أن “تقع الفأس في الرأس” كاد أن يتوسّل لبثينة شعبان بعدم اللجوء للحلول الأمنية.

يقول ميشيل كيلو في تسجيله الصوتي: “قلت للسيدة بثينة، وتربطني بها علاقة وثيقة تعود إلى تلك الآونة حينما كنا نعمل سوياً في هيئة تحرير مجلة “الآداب الأجنبية”، قلت لها بالنص: “كرمال الله لا تلجأوا لحل أمني” لأن المسألة لم تعد مثلما كانت في عام 1980، حزب ومنشقون عنكم تمردوا في إطار صراعات بين دول عربية، فهناك مشكلة كبيرة في سوريا اليوم. المعارضة 

والمشكلة اليوم لها علاقة بالشباب، بالبطالة، بنمط التنمية، وإدارة الدولة، والمشاركة السياسية، وبالجسم الاجتماعي الهائل الذي نما خلال أربعين عاماً من حكمكم، وتقدم، وصار لديه مئات الآلاف من المهندسين والأطباء والمحامين، ممن لم يعد لديهم أي مكان في البلاد. المشكلة في انفرادكم بالسلطة، والثروة، والإدارة والتعليم والإعلام وكل شيء. وتلك قضايا لا تعالج أمنياً أو عسكرياً، بل تحتاج إلى حلول اجتماعية وسياسية وتنموية واقتصادية وثقافية.. إنها قضية وعي.

ولو استخدمتم حلاً أمنياً من فوق، سيأتيكم حل أمني من تحت.

عندئذ سنضيع جميعاً، وأولنا سوف يكون الرئيس بشار الأسد”.

يقول كيلو في تسجيله الأخير إن رد بثينة شعبان كان: “والله ما بيخلّوه”. وحين سؤالها عمّن تقصد بكلماتها، أجابت: “أستاذ ميشيل، إنت بدك مين يقولك شو الوضع بالبلد؟ ما بيخلّوه”.

يا الله! كم تبدو كلماتك صديقي ميشيل بعيدة الآن، بعدما لم تكتف الفأس بالوقوع في الرأس، وإنما شجّته وقسّمت الجسد السوري إلى أشلاء بين الكتائب والألوية والفرق والتنظيمات والجماعات التي يمتلك كل منها “حقيقته المطلقة”، ويدافع كل منها عن “سوريا الخاصة به”، حتى بات شعبنا السوري يجتمع في اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة في جنيف ليناقش “ألف باء” الدولة، وحتى أصبحنا نسعى بداية لتعريف مبدأ “السيادة” التي أضعناها حينما لم يستمع أحد إليك على مدار أربعة عقود. المعارضة 

لقد رحل ميشيل كيلو، لكن النضال مستمر، رحل ميشيل كيلو لكن سوريا باقية فوق الجميع. لعل ذكرى المناضل الطاهر النبيل تكون نبراساً لما يجب أن تكون عليه القيادة في دمشق والمعارضة الشريفة، المنزّهة عن الهوى، والبعيدة عن رياح المطامع الخارجية، التي تسعى لنهش الجسد السوري، والاصطياد في الماء العكر، ومحاولة استغلال لحظة الضعف الراهنة، لتحقيق مآرب سياسية وشخصية ضيقة، ستدفع الأجيال القادمة ثمنها غالياً من حريتها واستقلالها والسيطرة على مواردها.

السلام لروح المناضل الشريف ميشيل كيلو، الذي ضرب لنا بحياته ومشواره النضالي الثري مثالاً يحتذى، وطريقاً لمن يريد الخلاص لسوريا الأبية وشعبها العظيم. المعارضة 

رامي الشاعر

ليفانت – رامي الشاعر  ليفانت 

رحل عن عالمنا، صباح 19 أبريل الجاري، فارس نبيل ومناضل صنديد في خندق المعارضة السورية النزيهة، الصديق الوفي، ميشيل كيلو. لكنه أبى أن يرحل دون أن يترك لي كنزاً ثميناً، أرسله لي عبر تطبيق “واتساب” قبل أسابيع قليلة من رحيله.. تسجيل بصوته يشرح لي فيه باختصار شديد مشوار معارضته لطبيعة وشكل الحكم للرئيسين حافظ وبشار الأسد، والتي لجأ فيها إلى شتى السبل والوسائل السياسية السلمية المشروعة، وعبّر عن معارضته بكل صراحة وجرأة، وقوبل على الرغم من ذلك بالسجن وتشويه السمعة ونهاية بالنفي، حتى وافته المنية في المهجر. المعارضة 

حينما تستمع لكلمات ميشيل كيلو الرصينة، وأفكاره النيّرة النبيلة، يعتريك الأسى لما وصلنا إليه في أوطاننا من حوار الطرشان. وقد بدأ كيلو طريقه مع حافظ الأسد منذ 42 عاماً، مناضلاً ومعارضاً شريفاً لسياسات الأسد.

وفي أبريل من العام 2011، حينما بدأت أحداث درعا، واندلعت المظاهرات، وبناء على وساطات وتدخلات من الأصدقاء، وبطلب من القصر الجمهوري، دخل ميشيل كيلو إلى القصر بصحبة أرملة صديقه، سعد ونوس، الفنانة فايزة شاويش، ليجتمع لمدة ساعة ونصف بمستشارة الرئيس بشار الأسد، السيدة بثينة شعبان. المعارضة 

يتابع صديقي الراحل، ميشيل كيلو: لقد قلت لها آنذاك أننا لم نترك وسيلة إلا وطرقناها، وقد تقدمت بورقة عام 2005، حينما قررنا كلجان مجتمع مدني إبداء حسن النوايا تجاه النظام الجديد، وحضرنا اجتماعاً للجنة الحريات والديمقراطية التحضيرية بالمؤتمر، بدعوة من القيادة القطرية، وكنا 6 أشخاص.

يقول ميشيل كيلو في تسجيله الأخير الذي أحظى الآن بشرف صياغته: “لقد رفعت تلك الورقة إلى الرئيس، وهي تقترح فتح حوارٍ حول قضايا الشباب والعمل وتوزيع الدخل القومي. لنتفق في هذا الحوار على حلول، نعترف خلالها بشرعية النظام، مقابل أن يعترف هو الآخر بشرعية المعارضة، فنحذف نحن شعار إسقاطه، ويتوقف هو عن الملاحقات الأمنية، ونعمل سوياً باعتبارنا سوريين وطنيين، ونتعاون مع بعضنا البعض، دون تقسيمات المعارضة والموالاة. وبعد خمس سنوات، نطرح حواراً سياسياً، يتطرق إلى المشاركة السياسية وقضايا التمثيل السياسي في سوريا”.

 

 

قيل آنذاك أن اقتراح كيلو حظي باهتمام بشار الأسد شخصياً. لكنه حينما ذهب إلى القصر الجمهوري، وقبل أن “تقع الفأس في الرأس” كاد أن يتوسّل لبثينة شعبان بعدم اللجوء للحلول الأمنية.

يقول ميشيل كيلو في تسجيله الصوتي: “قلت للسيدة بثينة، وتربطني بها علاقة وثيقة تعود إلى تلك الآونة حينما كنا نعمل سوياً في هيئة تحرير مجلة “الآداب الأجنبية”، قلت لها بالنص: “كرمال الله لا تلجأوا لحل أمني” لأن المسألة لم تعد مثلما كانت في عام 1980، حزب ومنشقون عنكم تمردوا في إطار صراعات بين دول عربية، فهناك مشكلة كبيرة في سوريا اليوم. المعارضة 

والمشكلة اليوم لها علاقة بالشباب، بالبطالة، بنمط التنمية، وإدارة الدولة، والمشاركة السياسية، وبالجسم الاجتماعي الهائل الذي نما خلال أربعين عاماً من حكمكم، وتقدم، وصار لديه مئات الآلاف من المهندسين والأطباء والمحامين، ممن لم يعد لديهم أي مكان في البلاد. المشكلة في انفرادكم بالسلطة، والثروة، والإدارة والتعليم والإعلام وكل شيء. وتلك قضايا لا تعالج أمنياً أو عسكرياً، بل تحتاج إلى حلول اجتماعية وسياسية وتنموية واقتصادية وثقافية.. إنها قضية وعي.

ولو استخدمتم حلاً أمنياً من فوق، سيأتيكم حل أمني من تحت.

عندئذ سنضيع جميعاً، وأولنا سوف يكون الرئيس بشار الأسد”.

يقول كيلو في تسجيله الأخير إن رد بثينة شعبان كان: “والله ما بيخلّوه”. وحين سؤالها عمّن تقصد بكلماتها، أجابت: “أستاذ ميشيل، إنت بدك مين يقولك شو الوضع بالبلد؟ ما بيخلّوه”.

يا الله! كم تبدو كلماتك صديقي ميشيل بعيدة الآن، بعدما لم تكتف الفأس بالوقوع في الرأس، وإنما شجّته وقسّمت الجسد السوري إلى أشلاء بين الكتائب والألوية والفرق والتنظيمات والجماعات التي يمتلك كل منها “حقيقته المطلقة”، ويدافع كل منها عن “سوريا الخاصة به”، حتى بات شعبنا السوري يجتمع في اجتماعات اللجنة الدستورية المصغرة في جنيف ليناقش “ألف باء” الدولة، وحتى أصبحنا نسعى بداية لتعريف مبدأ “السيادة” التي أضعناها حينما لم يستمع أحد إليك على مدار أربعة عقود. المعارضة 

لقد رحل ميشيل كيلو، لكن النضال مستمر، رحل ميشيل كيلو لكن سوريا باقية فوق الجميع. لعل ذكرى المناضل الطاهر النبيل تكون نبراساً لما يجب أن تكون عليه القيادة في دمشق والمعارضة الشريفة، المنزّهة عن الهوى، والبعيدة عن رياح المطامع الخارجية، التي تسعى لنهش الجسد السوري، والاصطياد في الماء العكر، ومحاولة استغلال لحظة الضعف الراهنة، لتحقيق مآرب سياسية وشخصية ضيقة، ستدفع الأجيال القادمة ثمنها غالياً من حريتها واستقلالها والسيطرة على مواردها.

السلام لروح المناضل الشريف ميشيل كيلو، الذي ضرب لنا بحياته ومشواره النضالي الثري مثالاً يحتذى، وطريقاً لمن يريد الخلاص لسوريا الأبية وشعبها العظيم. المعارضة 

رامي الشاعر

ليفانت – رامي الشاعر  ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit