دراما العروش المستبدّة

عبير نصر
عبير نصر

وطالما أنّهم يغرقون في مستنقعِ الجهل المدقع، لن يفلحَ العربُ أبداً في تقديم بديلٍ أفضل عن الطغاة الذين قدموهم طيلة العقود المنصرمة، أو إقامةِ حكوماتٍ تتمتّع بأدنى معايير النزاهة والكفاءة اللازمة، وأكثر ما يقوون عليه، حقيقة، هو انقلابات عسكرية تطال حتّى دائرة العائلة الضيقة، لذا لن تقومَ للدول العربية قائمة ما داموا يعانون من شحّ وطني، وبلادةٍ فكرية ممزوجةٍ بكسل ثقافي، وثرثرةٍ بلا علم، يستعيض عنها غالبية العرب بمتابعة برامج الشتائم عبر الفضائيات، بينما يتنصلون من مسؤولية شقائهم، ويعلقونها على شمّاعةِ الدول الإمبريالية، خاصة أمريكا وإسرائيل، وما أسعد المستبد بهذه الثقافة العليلة، وهذه الأنانية الأخلاقية المهلكة، فبقليلٍ من التخويفِ والتهويل، والدعايةِ والتضليل، يمسك الحاكم بزمام السفينة، ويقود ركابها الحمقى إلى حتفهم.

وبالرغم من أنّ الانقلابات العسكرية باتت من إرث الماضي السحيق في معظم دول العالم، إلا أنّ المنطقة الوحيدة التي بقيت مرتكزاً أساسياً لها، هي منطقة الشرق الأوسط، سواء تمّ ذلك بالحكم المباشر أو من وراء ستار، وما حصل في الأردن مؤخراً أبلغ دليلٍ على أنّ سياسةَ الانقلابات ما زالت بضاعةً رائجة إلى حدّ كبير، وفي التفاصيل، عاد اسم الأمير حمزة للتداول على غير العادة، وهو الابن المفضل للملك حسين، والأخ غير الشقيق للعاهل الأردني، والذي كان قد عُيّن ولياً لعهد الأردن في عام 1999، لكن صغر سنه وقلة خبرته منعاه من اعتلاء العرش حينها، بينما ينصُّ الدستورُ الأردني على أنْ توكلَ ولايةُ العهد إلى أكبر أبناء الملك، أي أنّ وضعَ الأمير حمزة في هذا المنصب كان استثناءً للقاعدة الدستورية، وتنحيته عن المنصب كانت ترجمة للدستور، وبموجب الدستور بات أكبرُ أبناء الملك الحالي، الأمير الحسين بن عبد الله، ولياً لعهد البلاد بشكل تلقائي، بعد إعفاء عمّه من المنصب، وبالعودة إلى ذي بدء، قال وزير الخارجية الأردني، أيمن الصفدي، إن الأمير حمزة بن الحسين والشريف حسن بن زيد، خطّطا مع آخرين لزعزعةِ استقرار البلاد، وأشار إلى أنّ الأجهزةَ الأمنية قد رصدتْ خلال الفترة الماضية، اتصالات للدائرة المقربة من الأمير مع جهاتٍ خارجية، من ضمنها المعارضة الأردنية في الخارج، لتقومَ السلطاتُ الأردنية، وعلى إثر ذلك، باعتقال عددٍ كبير من الشخصيات لـدواعٍ أمنية، دون إيضاح طبيعة تلك الدواعي، وما الذي كان يخطّط له من تمّ اعتقالهم.

وظلّ الغموضُ هو السمة الأبرز لكلّ ما حدث، وما يحدث في الأردن، ولم يخرج عن هذه الحالة الضبابية إلا جريدة واشنطن بوست، التي نقلت خبراً مؤكداً عن وضعِ الأمير حمزة قيد الإقامة الجبرية في قصره بالعاصمة عمان، وأنّ حملةَ الاعتقالات شملتْ أكثر من عشرين شخصاً بارزاً، وأضافت الجريدةُ أنّ تبريرَ السلطات الرسمية لتلك التصرفات هو مواجهة تهديدات تستهدف الأمن الوطني، بينما لم يَبدُ حمزة راغباً في المهادنة، بل استغلّ المقطع ليعلن أنّه ليس مسؤولاً عن الفساد المستشري منذ عشرين عاماً في البلاد، ولا عن قلّة ثقة الناس بالمؤسسات الحاكمة، وأردف أنّ الوضعَ في الأردن وصل إلى درجةٍ خانقة، فلا يستطيع أحد التحدّث، أو إبداء الرأي في أي شيء دون التعرّض للاعتقال أو التهديد والمضايقات.

والإجراءات التي اتّخذها الأردن تبدو كردٍّ حاسمٍ على محاولةٍ انقلابية صريحةٍ، رغم أنّ الإعلام الرسمي لم يذكر كلمة انقلاب، لكن صحيفة واشنطن بوست نقلت عن مصدرٍ استخباراتي، لم تذكر اسمه، أنّ هناك تحقيقات مستمرة منذ فترة عن مؤامرةٍ مزعومةٍ للإطاحة بالملك عبد الله الثاني، ويبدو أنّ الأجهزةَ الاستخباراتية العربية والغربية لديها علم بتلك التحقيقات مسبقاً، لهذا جاءت بياناتهم سريعة وحاسمة في الوقوف إلى جانب الملك في كلّ ما يتخذه من إجراءات، ومن المحتمل أن لا يتغير شيء بالنسبة للملك الأردني، وسوف يستمر في حكمه، لأنّه لا الجيش ولا الأمن العام يساند الأمير حمزة، وكلاهما ركيزة الحكم القويّ، لكن على الملك أن يدركَ جيداً حالة السخط الشعبي المتأجج والفساد المستشري في البلاد، إذا أراد النجاةَ بشخصه وعرشه.

وفي سياق موازٍ، وبالاستناد إلى واقعِ انعدامِ الثقافة الوطنية المتحررة من الأنانية السياسية، والتي تُعلي إرادة الجماعة على مطامح الأحزاب وأهواء الحكام، يعود بنا الزمن إلى عام 1984، عندما قاد رفعت الأسد محاولةً انقلابية لعزلِ شقيقه الأكبر إثر دخوله في غيبوبةٍ مرضية في ذات العام، وقد تطور الأمرُ إلى نزاعٍ بين القوات التابعة له والقوات الحكومية، وكان رفعت قد لعب دوراً رئيساً في الحياة العسكرية والسياسة في سوريا، مذ تولّى حافظ الأسد سدّة الرئاسة عام 1970، وظلّ يقود الفرقة (569)، ويشرف على سرايا الدفاع حتّى العام 1984، وكان كثيرون يرون فيه الخليفة المرجّح لأخيه الأكبر في قيادة البلاد، واعتقد جزّار حماة أنّ مرضَ حافظ الأسد قد يؤدي إلى وفاته، وبالتالي لا بدّ من قطعِ الطريق على الجنرالات الطامحين لوراثته، وأمام باسل الأسد أيضاً الذي كان يُهيَّأ لوراثةِ العرش.

ورغم تهديد رفعت الأسد بإحراقِ دمشق، لم يطل الأمر حتّى تمّ تسويةُ الخلاف بخروجه من سوريا مع مجموعةٍ كبيرة من العاملين معه، ولفترةٍ لا تتجاوز ستة أشهر، حتى تتمكن البلاد من تجاوزِ الأزمةِ التي نشأت عن الانقلاب الصادم، أما تكاليف إقامته ورفاقه في أوروبا، فقد دُفعت من حسابات رفعت الموزعة في العديدِ من البنوك في أوروبا، في حين أنّ روايةَ وزير الدفاع السوري الأسبق (مصطفى طلاس)، والتي أدرجها في كتابه (ثلاثة أشهر هزّت سوريا)، تقول إنّ حافظ الأسد قام بإرغامِ شقيقه على مغادرةِ سوريا بعدما أعطاه مبلغاً كبيراً من المال، تكفّل الزعيمُ الليبي معمر القذافي حينذاك بدفعه، بسببِ خواء خزينة الدولة من السيولةِ النقدية المطلوبة، كما أكد أنّ الأكثر خطورة من هذه المحاولة الانقلابية كان الدور المنوط بعصابات (علي عيد) في طرابلس، والتي كلّفها رفعت الأسد شخصياً بنهبِ محلات الذهب والمجوهرات في دمشق بعد أن يتمّ السيطرة عليها، وبناء عليه أرسل عيد ما يقارب مئتي عنصر لتولّي هذه المهمة قبل أن يتمَّ اعتقالهم عند مدخلِ مدينة دمشق.

وعموماً، إنّ المجتمعات ذات الثقافة السياسية الناضجة، يهتم الناسُ فيها بمبادئ الحكم أكثر مما يهتمون بشخصيةِ الحاكم، وبعبقريةِ النظام السياسي أكثر من عبقرية القائد السياسي، ويدركون أنّ بناءَ مظلّةٍ دستورية تضمن العدلَ والحريةَ للجميع أهم من فوز أيّ طرفٍ سياسي، حتى ولو كان حزبهم أو طائفتهم، وبهذا الوعي يتبلور ميثاقٌ أخلاقي في ضمائر الناس، وفهمٌ عميق في عقولهم، أنّ الاستبداد هو العدو، وأنّ المنافسَ السياسي ليس عدواً مهما كان حجم الخلاف معه، أما المجتمعات ذات العروش الاستبدادية التي تتمتع بقدرٍ كبيرٍ من البراغماتية السياسية، وأتحدّث عن سوريا تحديداً، فتحوّلَ الصراعُ الفردي فيها إلى حربٍ وجودية، تضيع فيها المبادئ الوطنية الجامعة لصالح الانفعالات الشخصية والأيديولوجيات المتطرّفة، لذا لها تأثيرات شديدة الإيقاع والتأثير، والتي يصعب ملاحقة تقديراتها وتداعياتها على الداخل كما على دول الجوار، وتحولاتها ما تزال تفرزُ تحدياتٍ جوهرية للأطر الحاكمة وللتفاعلات السياسية والأمنية غير المستقرّة في المنطقة منذ عقود وحتّى اليوم.

ليفانت – عبير نصر