حقوق الغجر الصحيّة في ظلّ جائحة كورونا

رقية العلمي

قد يكون الغجر فئة منعزلة وغير مدرجة في النظم المدنيّة والاجتماعية والاقتصادية للدول، فئة تسير في الأرض وطنها الترحال، تعيش حياة البر الفطرية، خارجة عن السجلات والقيود الرسميّة، وبضمن هذه الاختلافات والتناقضات ينقصهم الكثير في التعاملات الإنسانيّة. فئة لم يسلّط الضوء عليها رغم أنّهم جزء من التركيبة السكانيّة.

منذ بداية تفشي فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) اتّخذت الدول العربية، أسوة بباقي دول العالم، إجراءات احترازية للحدّ من تفشي الفيروس، منها إغلاق الحدود وتقييد الحركة الجماعية للأفراد وحظر التجوال الجزئي أو/ و الشامل.

كل هذه الإجراءات أثّرت بشكل مباشر أو غير مباشر على الأقليات، إلا أنّ موضع البحث هنا مجموعات الغجر في العالم العربي.

ولسنا هنا في عرض الإحصاءات وتعدادهم وبيانات قيودهم المدنية في سجلات الحكومات الرسمية أو فيما يتعلق بالسكن، ولن نتطرّق لمسألة التهميش الاجتماعي والتمييز ضدهم وعدم حصولهم على حقوقهم الإنسانيّة على قدم المساواة ومواطني الدول التي يعيشون فيها، بل الغرض هنا صحة الغجر وحقوقهم الصحية خلال جائحة فيروس كورونا (كوفيد-19).

والغجر بمسمياتهم المختلفة شريحة كبيرة من غير الممكن تجاهلها، يعيشون في مناطق نائية في عدد من الدول العربية، يسكنون في المناطق الفقيرة الواقعة على أطراف المدن والقرى وفي العشوائيات، مقرات تفتقر للخدمات الأساسية في البنى التحتية والمرافق العامة. جماعات تعاني بالأساس من التمييز والتهميش لجهة الوصول إلى الرعاية الصحية وتوفيرها لها.

الواقع الصحي في ظلّ الجائحة

بدايةً يعتمد الغجري في كسب الرزق على الترحال والبيع في الشوارع وفي رعاية الماشية والأعمال الهامشية والموسمية، أما الغجرية فهي تعمل على جمع الخردوات وقطع الحديد، كما وتقوم بممارسة طقوس السحر وقراءة الكف وضرب المندل وغرز الوشم؛ أعمال تقتضي التجوال والاختلاط مع الناس، بالتالي هم محركات لنقل المرض وتفشّيه.

إضافة لعوامل رئيسة أخرى تزيد من احتمالية الإصابة مما يصعب تفادي مضاعفاته، مثالاً لا حصراً:

عدم وجود نظام رصد قوي للكشف العشوائي والمنظم على السواء عن الحالات الأولية والإصابات.

نقص البيانات الرسمية والمعلومات حول أوضاعهم الصحية ومدى تأثرهم من عدمه من الفيروس.

عدم أخذ هذه الفئات بعين الاعتبار عند إعداد الأبحاث والاستراتيحيات الوطنية المتعلّقة بالوضع الصحي خلال الأزمة.

القصور في الوصول إلى الرعاية الصحية لجهة اللامساواة في مجال الصحة، حيث يعيش الغجر في أغلب الأحيان في أماكن يتعذّر وصول الطواقم الطبية إليها كون بيوتهم بلا عنوان كما هذا الحال يعيق ذهابهم إلى المرافق الصحية الحكومية، وعليه تكاد تكون الرعاية الصحية منعدمة في محيطهم.

العوامل البيئية المتدهورة وظروف السكن غير الملائم، حيث يعيش الغجر في خيام ضيقة المساحات مزدحمة بالأفراد تواجههم ظروف مناخية قاسية.

سوء التغذية ونقص مياه الشرب النظيفة.

محدودية وصولهم إلى المعلومات الضرورية والتعليمات الخاصة بالوباء المنشورة رسمياً، إلكترونياً أو ورقياً،  بسبب الأمية والأمية الرقمية.

نقص الكهرباء في بعض الأماكن التي يعيش فيها الغجر، عامل آخر لعدم وصول المعرفة والتثقيف حول الجائحة ومواجهاتها من خلال التلفاز أو المذياع.

حلول مقترحة:

في الجهود الرامية للوقاية من الفيروس يجب الأخذ بعين الاعتبار هذه المجموعات السكانية، الثابت منها والمتنقل، واتخاذ إجراءات موجبة بحقهم:

ضرورة وصول الجيش الأبيض والمستشفيات الميدانية إليهم لإجراء الفحوصات المتعلّقة بالكشف عن الفيروس.

ضمان تطبيق الحق في الصحة والاستفادة من المرافق الصحية وضمان توفير الرعاية الصحية لهم حتى لو لم يكونوا مستفديين من الخدمات الصحية الحكومية أساساً، بسبب عدم وجود ثبوت مواطنة أو هوية.

افتقار هذه الفئة إلى المهارات الإلكترونية، وبالتالي ليس بإمكانهم التسجيل للمطاعيم على المنصات الرسمية لوزارات الصحة، لذلك يتوجب إدماجهم في خطة التلقيح الوطنية والوصول إليهم دون تأجيل، والتغاضي عن شرط أخذ اللقاح إلا بعد التسجيل عبر القنوات الرسمية.

ضرورة وصول فرق التطوّع وخط الدفاع الأول إلى أماكن تواجدهم لتقديم الإمدادات الغذائية والمعونات الطارئة والمستلزمات الطبيّة وتوزيع الكمامات ومواد التنظيف والتعقيم ومدّهم بالإرشادات الوقائيّة والتثقيف الصحي بطريقة مبسطة.

أخذ هذه المجموعات بالحسبان في الخطط الصحية وعند رسم الاستراتيجيات الوطنية لمجابهة كورونا.

حقوق الغجر الصحية دولياً:

وكانت المفوض العام لحقوق الإنسان في مجلس أوروبا “دنيا مياتوفيتش”، قد دعت الحكومات إلى ضمان حصول السكان من غجر روما المنتشرين في أنحاء أوروبا على الرعاية الصحية والمياه النظيفة خلال تفشي الوباء، فهم من أكثر الفئات عرضة للإصابة به، كونهم يعيشون في مساكن دون المستوى وفي مستوطنات معزولة.

حددت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في العام 1992، الثامن من أبريل من كل عام، “اليوم العالمي للغجر” وذلك للتذكير بمعاناة الغجر حول العالم وما يواجهونه من تمييز واضطهاد، إلى جانب التعريف بثقافتهم والاحتفاء بهم.

في بيانها الصادر لمناسبة “اليوم العالمي للغجر” أبريل 8 من عام 2020، أي بداية الجائحة، قالت “مياتوفيتش”: “في العديد من الأماكن في أوروبا ما يزال غجر روما لا يستطيعون الوصول إلى المياه النظيفة وهذا يجعل من الصعب تطبيق إجراءات النظافة، مشيرة بأنّ مستوطنات الروما في فرنسا لم تعد قادرة على الحصول على الكهرباء والمياه لأنّ مالكي المواقع غادروا بسبب الإغلاق”.

هذا وحسب المعطيات المتداولة، فإن العديد من الدول الأوروبية لم تعلن عن عدد حالات الإصابة بكوفيد-19 بين مجتمعات الروما بشكل محدد، ولم يتم تحديد بؤر تفشٍّ كبيرة في أي من مستوطناتهم في القارّة.

من جهة أخرى، مواثيق الأمم المتحدة والمعاهدات والاتفاقيات الدولية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري تنصّ بنودها بشأن التمييز ضد الغجر في الرعاية الصحية على ما يلي:

العمل بحزم ضد أي ممارسات تمييز تمسّ الغجر، فيما يتعلّق بالإقامة أو الحصول على سكن؛ والعمل بحزم ضد التدابير المحلية التي ترفض إقامتهم، وضد إخلائهم غير القانوني، والإحجام عن إسكانهم في مخيمات بعيدة عن المناطق المأهولة، ومنعزلة وتنعدم فيها الرعاية الصحية.

ضمان المساواة في إمكانية الحصول على خدمات الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية للغجر، والقضاء على أي ممارسات تمييز ضدهم.

وضع برامج ومشاريع وتنفيذها في ميدان الرعاية الصحية المتعلقة بالغجر، خصوصاً بالنساء والأطفال، مع مراعاة وضعهم الأقل حظاً بسبب الفقر المدقع، ومستواهم التعليمي الضعيف والاختلافات الثقافية.

ضرورة إشراك إالجمعيات والمجموعات الغجرية وممثليهم، النساء منهم على الخصوص، في تصميم وتنفيذ البرامج والمشاريع الصحية المتعلّقة بالمجموعات الغجرية.

إنّ أهم أهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030 هو الهدف الثالث والمتعلّق بالصحة الجيدة والرفاه، بضمنه تحقيق التغطية الصحية الشاملة والرعاية الطبية للمواطنين وتوفير سبل الحصول على الأدوية واللقاحات دون تمييز.

ختاماً، المؤشرات والمعطيات، ومما سبق، يتوجب أن تلتفت الحكومات والصحة الرسمية والمؤسسات الإنسانية ومنظمات المجتمع المدني في العالم العربي لضرورة تكثيف الجهود لتقديم العون الطبي والخدمات الطبية والإرشادات الصحية المواكبة، ليس فقط خلال الأزمة العالمية للجائحة، لكن بشكل مستدام حول صحتهم بجميع أبعادها.

 

رقية العلمي

ليفانت – رقية العلمي