جبهة السلام والحرية ودورها في السلم الأهلي

شفان إبراهيم

أعلن في مدينة قامشلو رسمياً في (تموز/ 2020) عن انطلاقة جسم سياسي جديد حمل اسم “جبهة السلام والحرية” ضم أربعة مكونات تمثّل ثلاث قوميات رئيسة في سوريا، تيار الغد والمجلس العربي في الجزيرة والفرات كممثلين عن المكون العربي. السلام 

وينتشر نطاق عملهم بين العشائر العربية في الرقة ودير الزور والحسكة، معلنين اصطفافهم إلى جانب المطلب الشعبي، والسعي لتجسيد رغبات الشارع العربي في تلك المنطقة، وسوريا. وبما تحمله في الحدّ الأدنى، من رفضها لفكرة بعض الأطراف التي حملت لواء الصدّ أمام مطاليب الكرد في 2004 و2006، عدا أنّ توجهاتهم تختلف عن مسار مؤازري الحكومة السورية التي استمرّت، أو بدلت توجهاتها بعد2011. بل كانت مواقفها واضحة منذ البداية كعشائر معارضة، مما تسنّى لها التعبير عن ذلك، وبما تحمله المعاني من دلالات عميقة في تتمة الفكرة وتجسيدها عملياً. والمجلس الوطني الكوردي الذي يشكل ائتلافاً من الأحزاب السياسية الكُردية.

وتعود بدايات نشوء الحركة الكُردية إلى 1957، حيث ولادة أول تنظيم سياسي قومي كُردي، استمرّ حتى الآن. والمنظمة الأثورية الديمقراطية والتي انطلقت أيضاً في 1957، كولادة طبيعية للفكر القومي الآشوري. ليغدو هذا الجسم غير مصطنع أو هشّ البنية. فهي تشكلت كحالة طبيعية لتحالف سياسي كان له أن يوجد منذ سنوات، لكنها لحظة تأخرت بسبب ظروف مختلفة.

 ملفات عديدة في انتظار هذه الجبهة، على رأسها السلم الأهلي، وهي دعوة ليست رومنسية ولا عاطفية. فمن جهة كل الأجساد المشكلة لها عاشت عقوداً تنتمي إلى فئات اجتماعية وسياسية واقتصادية مهمشة، ومقصية ومحاربة ضمن المشهدين، السوري العام، وللجزيرة بشكل خاص. بل إنّهم عاشوا في الهوامش، اقتصادياً وسياسياً، ما شكل إرثاً وتراكماً لا يٌستهان به في تجسيد معاني الشعور بالظلم الواقع على الآخر. لكنها حالياً متمسكة بقوة للمشاركة السياسية والمجتمعية المتساوية مع الخصوصيات القومية للشعوب المغايرة في سوريا وغير المنتمية للأكثرية العربية، وهي بذلك تحمل نقلة نوعية في التفاف جسمين عربيين حول مطاليب الآخر المختلف قومياً، متمثلين بالكورد والآشوريين.

ففي مسببات حالة التباعد الحاصلة بين المكونات؛ كنتيجة لممارسات مختلفة على مدى عقود، عمقتها سنين الحدث السوري، خاصة وأنّ عسكرة الحدث لم تكن بترتيب أو رغبة شعبية سورية، أو عملية تراكمية منذ البداية. بل تدرجت من المطاليب المحقة إلى المقتلة وشلال الدم، وما يستتبعه من انقسام مجتمعي على صعيد البنى التحتية، في علاقة المكونات وطبيعة التواصل. تبرز قضية السلم الأهلي، ودور جبهة السلام والحرية، إلى جانب أيَّ جهة تجد نفسها قادرة على الفعل الذي اعتبر تتمة للاستراتيجية التي بدأتها النُخب العشائرية في تحريم سفك الدماء بين بعضهم البعض. وهو أساسٌ شكله أجدادنا في قضية التلاحم والحاجز الفاصل بين المواجهات المباشرة لأبناء هذه المنطقة، التي تمكن شعار “فرّق تسد” من التلاعب بينهم بسلبية لولا العقلاء من كافة الأطراف. هذه الجبهة تسعى للعمل المضني لإعادة بريق التعايش السلمي وضمان التنوع ضمن الوحدة السورية، خاصة وأنّ المجتمع آيلٌ للسقوط في فخاخٍ رسمتها أطرافٌ عديدة، وبعد عقدٍ من الدماء، ترغب النسبة العددية الأكبر من القواعد الاجتماعية بالخلاص من واقعها المزري الذي وصلت إليه. وهو ما يسهّل مهمة الجبهة في التواصل مع المجتمع المحلي، وخاصة لما يمكنها من تجسيد النزعة الأكثر حدية لترسيخ مفاهيم السلم الأهلي، هذه الحدية المطلوبة لفقدها طيلة عقدً من الحدث السورية وما خلفته تراكمات العقود السابقة.

نحن حالياً، حيال جيل خطير يتحصّن خلفهم جبل من الأوهام والأقاويل والعداوات والتراكيب اللفظية الغريبة على هويّاتنا ومجتمعنا. وتتوسط تلك النمطيات الجديدة خطوط فقر مدقع يدفع بالناشئين لقبول أي عرض ربما يسبب خطراً جامحاً يفوق ما نعيشه اليوم. ورُبما تكون الخطوة الأولى للجبهة تتجسد في أنشطة وأفعال من شأنها بلورة وتهيئة ذهنية لنشر ثقافة قبول الآخر، هذا القبول السياسي الذي تأخر نصف قرن، حاملاً تراكماً عنيفاً سلبياً. ولولا الدور المميز للوجهاء والعوائل والعشائر والنخب الكوردية والعربية والآشورية السريانية، وتمكنهم من ضبط جيد للسدود التي حمت المنطقة من أيّ انزياح شعبي صوب العنف المتبادل، لكانت القضية الاجتماعية شبيهة جداً بالراهنية السياسية القائمة منذ نصف قرن.

نحن بحاجة إلى القطيعة مع خطاب الكراهية الذي رتبت عليه أطراف كثيرة؛ كتمهيد للعلاقات المستقبلية. المشكلة التي ستواجه جبهة السلام والحرية هي أنّ السياسة في مناطقنا أصبحت فساداً وسلاحاً. وفي ذلك فإنّ المنطقة تتجه نحو هاوية سحيقة لا يمكن استشراف شكلها المستقبلي؛ خاصة وأننا كمكونات هذا البلد لم نكن شركاء في صناعة القرار السياسي ولا الاقتصادي وما زلنا بعيدين عن ذلك، فلا يمكننا توقع النهايات بشكلها الأدق. في المقابل فإنّ الاستمرار في ضياع حيواتنا ومستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة ستؤجج النزاعات التي لن يخرج أحداً منها معافى ولا رابحاً.

إجماع أطراف سياسية لانتماءات قومية ودينية مختلفة، ينبئ بإمكانية البدء من جديد، معولين ومتكئين على الأرضية السابق وجودها في ترسيخ مفاهيم السلم الأهلي، والعمل على ضرورة الارتباط والإيمان بهويّة جامعة لأبناء هذه المنطقة، تجد فيها الهويّات الفرعية مكاناً خصباً للتعبير عن أنشطتها وممارساتها وتشييدها البنائي. وهو ما يُمكن التعويل عليه من نقطة إننا حقيقة يُمكننا العيش معاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً، ويمكن تشكيل أمة سورية واحدة، بتنوع الانتماءات والقيم والأصالة القومية لكل طرفٍ. دون الالتزام بضرورة القطيعة مع الامتدادات التاريخية والعرقية للمنطقة مع أقرانهم. وهو بذلك تجسيد للنبالة وقيم العيش المشترك التي جاءت الحرب عليها لدينا كلنا، وكانت نتيجة ظرف سياسي بدأ بشغف وانتهى كنتيجة للتحولات إلى قتل على الهويّة وحرباً ضد بعضنا البعض. هذه الجبهة لو تمكّنت من تجسيد أولى واجباتها في إنهاء أو تفكيك كل أشكال التفرقة والخلافات البينية، تكون بذلك حملت المنطقة إلى ساحة أخرى أكثر رصانة وهدوء.

فكل هذا الخلاف، الركام، التطرّف، الموت كضيف دائم لدينا ويجتاحنا، يحتاج إلى بارقة أمل عساه يكون انطلاقة جديدة. بالمحصلة فإنّ الصورة المبسطة التي قدمت نفسها بها الجبهة على أنّها تجمع لأطراف سياسية آمنت بالحل السياسي في سوريا لا ينفصل إيمانها عن الدعوة العملية للسلم الأهلي المتأزّم حالياً وبشدة. السلام 

شفان إبراهيم

ليفانت – شفان إبراهيم ليفانت 

أعلن في مدينة قامشلو رسمياً في (تموز/ 2020) عن انطلاقة جسم سياسي جديد حمل اسم “جبهة السلام والحرية” ضم أربعة مكونات تمثّل ثلاث قوميات رئيسة في سوريا، تيار الغد والمجلس العربي في الجزيرة والفرات كممثلين عن المكون العربي. السلام 

وينتشر نطاق عملهم بين العشائر العربية في الرقة ودير الزور والحسكة، معلنين اصطفافهم إلى جانب المطلب الشعبي، والسعي لتجسيد رغبات الشارع العربي في تلك المنطقة، وسوريا. وبما تحمله في الحدّ الأدنى، من رفضها لفكرة بعض الأطراف التي حملت لواء الصدّ أمام مطاليب الكرد في 2004 و2006، عدا أنّ توجهاتهم تختلف عن مسار مؤازري الحكومة السورية التي استمرّت، أو بدلت توجهاتها بعد2011. بل كانت مواقفها واضحة منذ البداية كعشائر معارضة، مما تسنّى لها التعبير عن ذلك، وبما تحمله المعاني من دلالات عميقة في تتمة الفكرة وتجسيدها عملياً. والمجلس الوطني الكوردي الذي يشكل ائتلافاً من الأحزاب السياسية الكُردية.

وتعود بدايات نشوء الحركة الكُردية إلى 1957، حيث ولادة أول تنظيم سياسي قومي كُردي، استمرّ حتى الآن. والمنظمة الأثورية الديمقراطية والتي انطلقت أيضاً في 1957، كولادة طبيعية للفكر القومي الآشوري. ليغدو هذا الجسم غير مصطنع أو هشّ البنية. فهي تشكلت كحالة طبيعية لتحالف سياسي كان له أن يوجد منذ سنوات، لكنها لحظة تأخرت بسبب ظروف مختلفة.

 ملفات عديدة في انتظار هذه الجبهة، على رأسها السلم الأهلي، وهي دعوة ليست رومنسية ولا عاطفية. فمن جهة كل الأجساد المشكلة لها عاشت عقوداً تنتمي إلى فئات اجتماعية وسياسية واقتصادية مهمشة، ومقصية ومحاربة ضمن المشهدين، السوري العام، وللجزيرة بشكل خاص. بل إنّهم عاشوا في الهوامش، اقتصادياً وسياسياً، ما شكل إرثاً وتراكماً لا يٌستهان به في تجسيد معاني الشعور بالظلم الواقع على الآخر. لكنها حالياً متمسكة بقوة للمشاركة السياسية والمجتمعية المتساوية مع الخصوصيات القومية للشعوب المغايرة في سوريا وغير المنتمية للأكثرية العربية، وهي بذلك تحمل نقلة نوعية في التفاف جسمين عربيين حول مطاليب الآخر المختلف قومياً، متمثلين بالكورد والآشوريين.

ففي مسببات حالة التباعد الحاصلة بين المكونات؛ كنتيجة لممارسات مختلفة على مدى عقود، عمقتها سنين الحدث السوري، خاصة وأنّ عسكرة الحدث لم تكن بترتيب أو رغبة شعبية سورية، أو عملية تراكمية منذ البداية. بل تدرجت من المطاليب المحقة إلى المقتلة وشلال الدم، وما يستتبعه من انقسام مجتمعي على صعيد البنى التحتية، في علاقة المكونات وطبيعة التواصل. تبرز قضية السلم الأهلي، ودور جبهة السلام والحرية، إلى جانب أيَّ جهة تجد نفسها قادرة على الفعل الذي اعتبر تتمة للاستراتيجية التي بدأتها النُخب العشائرية في تحريم سفك الدماء بين بعضهم البعض. وهو أساسٌ شكله أجدادنا في قضية التلاحم والحاجز الفاصل بين المواجهات المباشرة لأبناء هذه المنطقة، التي تمكن شعار “فرّق تسد” من التلاعب بينهم بسلبية لولا العقلاء من كافة الأطراف. هذه الجبهة تسعى للعمل المضني لإعادة بريق التعايش السلمي وضمان التنوع ضمن الوحدة السورية، خاصة وأنّ المجتمع آيلٌ للسقوط في فخاخٍ رسمتها أطرافٌ عديدة، وبعد عقدٍ من الدماء، ترغب النسبة العددية الأكبر من القواعد الاجتماعية بالخلاص من واقعها المزري الذي وصلت إليه. وهو ما يسهّل مهمة الجبهة في التواصل مع المجتمع المحلي، وخاصة لما يمكنها من تجسيد النزعة الأكثر حدية لترسيخ مفاهيم السلم الأهلي، هذه الحدية المطلوبة لفقدها طيلة عقدً من الحدث السورية وما خلفته تراكمات العقود السابقة.

نحن حالياً، حيال جيل خطير يتحصّن خلفهم جبل من الأوهام والأقاويل والعداوات والتراكيب اللفظية الغريبة على هويّاتنا ومجتمعنا. وتتوسط تلك النمطيات الجديدة خطوط فقر مدقع يدفع بالناشئين لقبول أي عرض ربما يسبب خطراً جامحاً يفوق ما نعيشه اليوم. ورُبما تكون الخطوة الأولى للجبهة تتجسد في أنشطة وأفعال من شأنها بلورة وتهيئة ذهنية لنشر ثقافة قبول الآخر، هذا القبول السياسي الذي تأخر نصف قرن، حاملاً تراكماً عنيفاً سلبياً. ولولا الدور المميز للوجهاء والعوائل والعشائر والنخب الكوردية والعربية والآشورية السريانية، وتمكنهم من ضبط جيد للسدود التي حمت المنطقة من أيّ انزياح شعبي صوب العنف المتبادل، لكانت القضية الاجتماعية شبيهة جداً بالراهنية السياسية القائمة منذ نصف قرن.

نحن بحاجة إلى القطيعة مع خطاب الكراهية الذي رتبت عليه أطراف كثيرة؛ كتمهيد للعلاقات المستقبلية. المشكلة التي ستواجه جبهة السلام والحرية هي أنّ السياسة في مناطقنا أصبحت فساداً وسلاحاً. وفي ذلك فإنّ المنطقة تتجه نحو هاوية سحيقة لا يمكن استشراف شكلها المستقبلي؛ خاصة وأننا كمكونات هذا البلد لم نكن شركاء في صناعة القرار السياسي ولا الاقتصادي وما زلنا بعيدين عن ذلك، فلا يمكننا توقع النهايات بشكلها الأدق. في المقابل فإنّ الاستمرار في ضياع حيواتنا ومستقبلنا ومستقبل الأجيال القادمة ستؤجج النزاعات التي لن يخرج أحداً منها معافى ولا رابحاً.

إجماع أطراف سياسية لانتماءات قومية ودينية مختلفة، ينبئ بإمكانية البدء من جديد، معولين ومتكئين على الأرضية السابق وجودها في ترسيخ مفاهيم السلم الأهلي، والعمل على ضرورة الارتباط والإيمان بهويّة جامعة لأبناء هذه المنطقة، تجد فيها الهويّات الفرعية مكاناً خصباً للتعبير عن أنشطتها وممارساتها وتشييدها البنائي. وهو ما يُمكن التعويل عليه من نقطة إننا حقيقة يُمكننا العيش معاً سياسياً واجتماعياً وثقافياً، ويمكن تشكيل أمة سورية واحدة، بتنوع الانتماءات والقيم والأصالة القومية لكل طرفٍ. دون الالتزام بضرورة القطيعة مع الامتدادات التاريخية والعرقية للمنطقة مع أقرانهم. وهو بذلك تجسيد للنبالة وقيم العيش المشترك التي جاءت الحرب عليها لدينا كلنا، وكانت نتيجة ظرف سياسي بدأ بشغف وانتهى كنتيجة للتحولات إلى قتل على الهويّة وحرباً ضد بعضنا البعض. هذه الجبهة لو تمكّنت من تجسيد أولى واجباتها في إنهاء أو تفكيك كل أشكال التفرقة والخلافات البينية، تكون بذلك حملت المنطقة إلى ساحة أخرى أكثر رصانة وهدوء.

فكل هذا الخلاف، الركام، التطرّف، الموت كضيف دائم لدينا ويجتاحنا، يحتاج إلى بارقة أمل عساه يكون انطلاقة جديدة. بالمحصلة فإنّ الصورة المبسطة التي قدمت نفسها بها الجبهة على أنّها تجمع لأطراف سياسية آمنت بالحل السياسي في سوريا لا ينفصل إيمانها عن الدعوة العملية للسلم الأهلي المتأزّم حالياً وبشدة. السلام 

شفان إبراهيم

ليفانت – شفان إبراهيم ليفانت 

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on tumblr
Share on whatsapp
Share on email
Share on pinterest
Share on pocket
Share on digg
Share on reddit