تسريبات ظريف ومستقبل المنطقة

رامي الشاعر

قنبلة من العيار الثقيل فجرها الإعلام بتسريبات لوزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف.

 ومن ساعتها، لم تهدأ التعليقات، والتكهنات، بل والإجراءات الحكومية بهذا الشأن.

في هذه التسريبات التي حصلت عليها “إيران إنترناشيونال”، من خلال ملف صوتي لمقابلة كان من المقرر نشرها بعد انتهاء فترة عمل الحكومة الحالية، أشار ظريف إلى تدخلات القائد السابق لفيلق القدس، الجنرال قاسم سليماني، وأضاف أنه ضحى بالدبلوماسية من أجل العمليات الميدانية للحرس الثوري: “ضحيت بالدبلوماسية لصالح ساحة المعركة أكثر مما ضحيت بساحة المعركة لصالح الدبلوماسية”.

كذلك نوه ظريف إلى ما أسماه “التدخل العسكري في قرارات الحكومة”، وقال إن هذا “يحدث عندما يكون الوسط العسكري هو من يقرر، وعندما يريد الميدان الهيمنة على استراتيجية البلاد، وبإمكانهم اللعب معنا”.

وأشار ظريف إلى أن زيارة سليماني إلى موسكو قد تمت “بإرادة روسية ودون سيطرة وزارة الخارجية الإيرانية، وكانت تهدف إلى تدمير إنجاز وزارة الخارجية بإرادة روسية” وقال إنه كانت ثمة محاولات روسية لـ “الطعن في الاتفاق النووي في الأسابيع الأخيرة من توقيعه، خاصة في مجال وقود محطة بو شهر النووية”.

وفي مرحلة من المفاوضات، عندما لم يتم التوصل إلى اتفاق، لم يكن من ظريف إلا أن أجاب وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بلهجة جافة، رداً على سؤاله عما إذا كان لديه تعليمات أم لا: “هذا ليس شأنك”. مشيراً إلى أنه “ليس من مصلحة روسيا أن تطبّع طهران علاقاتها مع الغرب”.

بناءً على سنوات طويلة من العمل في السلك الدبلوماسي والسياسي، نقول لا يوجد  ما يسمى بالتسريبات العرضية على مستوى وزراء الخارجية في أي بلد حول العالم إلا نادراً للغاية. لكن تسريبات من هذا النوع وعلى هذا المستوى، تظهر عندما تكون مفيدة لطرف من الأطراف. ولتحديد الفاعل، يجب علينا أن نعود إلى أسس علم الجريمة، بالبحث عن المستفيد، فالتسريبات في نهاية المطاف، هي جريمة مكتملة الأركان.

فمن المستفيد من تسريبات ظريف؟

 أن قناة “إيران إنترناشيونال” هي قناة إيرانية مقرها بريطانيا، ويموّلها مستثمرون سعوديون، تستهدف المشاهدين الإيرانيين، وتبث مجاناً على الهواء عبر الأقمار الصناعية. في نفس الوقت  فأن الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت الراهن مع حلفائها في الناتو إمكانية استعادة خطة العمل الشاملة المشتركة Joint Comprehensive Plan of Action JCPOA، بين إيران ودول 5+1 (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا)، أو ما يطلق عليها في وسائل الإعلام الاتفاق النووي الإيراني. والهدف من ذلك مواصلة السيطرة الدولية على البرنامج النووي الإيراني السلمي، ومنع تنفيذ أي برنامج لصناعة الأسلحة النووي بأي حال من الأحوال. وفي هذا الصدد فإن ظهور أي مؤشرات، نتيجة لهذه التسريبات، على أن المراقبة الدولية غير فعّالة، فسوف تكون معايير استعادة الاتفاق النووي، وتأكيد التزامات الأطراف بلا طائل. كذلك فإن من بين ما نلمحه بين السطور هو إظهار القيادة الإيرانية وكأنها مقسّمة بين “حمائم” مثل وجه النظام المبتسم دائماً، محمد جواد ظريف، و”صقور” مثل سليماني. وبالتالي يطرح السؤال حول مدى مصداقية الأطراف التي تجلس الى  طاولة المفاوضات لاستعادة الاتفاق النووي، ومدى استدامة هذا الاتفاق، ومدى جدوى المحاولات المستميتة لتوسيع نطاق الاتفاق ليشمل تحركات إيران في المنطقة.

في الحالة الراهنة، ووفقاً للتسريبات، يتم تصوير الموقف من الصفقة داخل إيران نفسها على أنها صراع بين “الحمائم” و”الصقور”، بين المعتدلين، ممن يعتبر الغرب من بينهم الوزير ظريف والرئيس الإيراني، حسن روحاني، وبين المتشددين، ومن بينهم، بطبيعة الحال، الحرس الثوري الإيراني، والمرشد الأعلى للثورة الإسلامية، ورأس هرم النظام السياسي للدولة الإيرانية، علي خامنئي.

وبالتالي فإن التسريبات تنكر سياسة القيادة الإيرانية، وتحرمها من شرعيتها الجوهرية واستدامتها في توقيع معاهدات دولية بهذا الحجم والأهمية. على الجانب الآخر تواصل الحكومة الإيرانية وكافة المؤسسات الحكومية والعامة في إيران التأكيد مراراً وتكراراً على التزامها بجميع المعاهدات الدولية، وأنها لم تتوقف يوماً عن هذه الالتزامات، سوى بعد انسحاب الولايات المتحدة الأمريكية من الصفقة، ولم تسجل أي انتهاكات من قبل إيران.

من بين التسريبات ما يشير إلى خلافات “خطيرة” بين ظريف وسليماني، من قبيل أن سليماني “لم يوافق على الصفقة الدولية”. وبالطبع، لن يكون بالإمكان اليوم الحصول على رد سليماني بهذا الشأن. ولكن، حتى ولو لم يشعر سليماني بأي “تعاطف” مع الصفقة، لكنه كان رجلاً عسكرياً صارماً يتبع أوامر السلطات العليا بدون شك، وبالتالي أياً كانت علاقته بمن أجروا الصفقة، ويراقبون استيفاء شروطها والتزاماتها، لم يكن أمام سليماني سوى الاعتناء بالملفات الثقيلة التي كانت مسؤولية تنفيذها تقع على عاتق فيلق القدس، تحت إشرافه.

 إن انتقادات ظريف لسليماني والحرس الثوري الإسلامي بشكل عام لا تأتي بأثر رجعي فحسب، وإنما تمثّل تغيّراً جذرياً في موقفه. ففي أكتوبر عام 2017، صرح ظريف: “إن الإيرانيين اليوم، أولاداً وبناتاً ورجالاً ونساء، كلهم أعضاء في الحرس الثوري الإيراني. يقفون جميعاً بحزم إلى جانب من يحمينا، ويحمي المنطقة بأسرها من العدوان والإرهاب”. وسواء كان هذا التغيير نتيجة إصلاح سياسي، أو اعتبارات مؤقتة تحتمها السياسة الداخلية، فلن يكون الحكم في ذلك سوى الزمن.

إلا أن عبثية موقف ظريف بشأن محاولات روسيا “عرقلة” الاتفاق النووي واضحة حتى لمن لا علاقة لهم بالسياسة الدولية أو الأوضاع الراهنة، فروسيا هي واحدة من دول 5+1 التي تم التوصل للاتفاق النووي برعايتها، وهي دائماً تدعو بنشاط إلى منع انتشار الأسلحة النووية، وللامتثال لقوانين هيئة الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية وسائر المنظمات الأخرى المهتمة بالسلام والأمن العالميين، وعدم جواز حل النزاعات باستخدام القوة. فما الذي يمكن لروسيا أن تحقّقه من خلال “عرقلة” أو “تخريب” الصفقة؟ هل تسعى روسيا، مثلاً، لتوريط إيران، الدولة الصديقة لروسيا منذ زمن طويل، وحليفتها في محاربة داعش والمتطرفين في سوريا، في صراع مع الولايات المتحدة الأمريكية؟ أي منطق هذا؟

في تفسير تلك التسريبات، التي سمح بتسريبها، عن طريق الخطأ أو عن قصد، انطلقت روايات في العديد من البلدان في الغرب والشرق على حد سواء. ففي إسرائيل، حيث تجافي العملية قواعد العقل والمنطق، يقولون إن ظريف إنما يعدّ بذلك نفسه لمنصب أستاذ جامعي في إحدى الجامعات الأمريكية. في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كثيراً ما يطغى التفكير بالتمنّي، يظنون أن ظريف إنما بذلك يتحدّى “الصقور” من المتشددين، ويسعى لكي يصبح “راية الليبرالية الإيرانية”. وأخيراً، يقول البعض الآخر إن إيران مقبلة على الانتخابات، وليس هذه سوى بداية المواجهات بين “المعتدلين” و”المتشددين” في الداخل الإيراني.

 من واقع الخبرة  الطويلة في الحديث مع الكثير من المتخصصين في العلوم السياسية والدبلوماسيين الروس، يمكننا القول  إن موسكو لم ولا ولن تراهن أبداً على مجموعة من السياسيين داخل أي دولة من الدول، بغض النظر عن الموقف الذي يتخذونه. وهذا موقف ديمقراطي حقيقي تجاه السياسات الداخلية للدول الأخرى، فاختيار قيادة البلاد، وخطّها السياسي، وعلاقاتها الودية أو غير الودية مع البلدان الأخرى تقررها شعوبها ومجتمعاتها على أساس المساواة العالمية وأقصى قدر من الانفتاح على جميع الأطراف. ولم تتقبل روسيا أبداً نهج الضغط على سياسات الدول الأخرى، الذي تنتهجه دول أخرى بلا أدنى خجل.

لهذا، فوجهة نظر روسيا هي أن قضايا إيران الداخلية شأن الشعب الإيراني وحده. يوجد داخل هذا البلد مؤيدون لسياسة عالمية أكثر دبلوماسية، وربما خط سياسي أكثر ليبرالية على الساحة الدولية وداخل البلاد. هناك بالطبع مؤيدون لردود صارمة على الأنشطة التدميرية للإمبريالية العالمية التي أعيد إحياؤها، والإملاءات الوحشية للولايات المتحدة الأمريكية، وتقسيم العالم إلى كتل متصارعة، وهو ما يهدد بأزمات خطيرة ليس فقط لإيران وإنما للمنطقة برمّتها. لكن هذا الاختلاف في الآراء لا ينبغي أن يؤدي إلى انقسام للشعب الإيراني، بل على العكس من ذلك، أن يتوحّد ويتضامن أكثر فأكثر. فلا يمكن ولا ينبغي أن تؤدي هذه الخلافات الصغيرة إلى انقسام، حينما يكون واضحاً للجميع أن إيران ليست فقط واحدة من أهداف القوى العالمية، ولكنها أيضاً واحدة من بؤر الحرب بالوكالة وحرب شعوب تلك المنطقة ضد قوى الشر في العالم.

ولعل ما قاله ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، خلال مقابلة تلفزيونية مؤخراً، يمنح بعض الأمل في مستقبل المنطقة، حينما صرح برغبته في إقامة علاقات “طيبة ومميزة” مع الجارة إيران، ويريد إيران مزدهرة، وأن يكون للمملكة العربية السعودية مصالح فيها، ولديها مصالح في السعودية، “لدفع المنطقة والعالم للنمو والازهار”.

ينبغي  على جميع شعوب منطقة الشرق الأوسط أن تدرك خطورة برميل البارود الذي تلعب بعض القوى السياسية بالكبريت بالقرب منه. فاشتعال هذا البرميل لن يكون في مصلحة أي من هذه الشعوب. وكما تؤمن روسيا وتسعى نحو السلام والأمن في المنطقة، تمنى أن تكون القوى السياسية الإقليمية على نفس الدرجة من الوعي وتحمل المسؤولية.

ليفانت-روسيا اليوم

الكاتب رامي الشاعر