تحت وقع الضربات.. أنقرة تفضّ يدها من الإخوان مُؤقتاً

الإخوان وتركيا

عقب فشل أنقرة في تسويق بضاعتها في مصر وسوريا وليبيا والسودان وغيرها من الدول، ممن عاشت اضطرابات ساهمت أنقرة في إذكاء نارها بالخطاب العنصري والطائفي، المتسلّق على التطلعات المشروعة للشعوب في نيل حقوقها الدستورية وتمتعها بالمساواة أمام القانون، بدأت أنقرة تفضّ يدها من أبرز أدواتها التنظيمية في اختراق المجتمعات المحلية، ألا وهي تنظيمات الإخوان المسلمين، وتحديداً في مصر. أنقرة 

فهناك، وصلت أنقرة وفق مراقبين إلى قناعة باستحالة تغيير الإخوان للواقع القائم، رغم كل الضخ الإعلامي الإخواني الصادر من تركيا، بغية تحريض المصريين على دولتهم، ومحاولتهم النفخ في الأحداث والسعي لقلب الحقائق، وإبراز أنّ انقرة وجيشها ونظامها هم خلاص الأمة الإسلامية ومركز خلافتها المزعوم.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون وشراكة النظام بالدم السوري.. لعشر سنوات

وعليه، باشرت أنقرة بمحاولة تبييض صفحتها أمام الجانب المصري، خاصة وأنّ الأخير عرف من أين تأكل الكتف التركية، فتوجه لتعزيز تعاونه مع خصوم أنقرة التقليديين، في اليونان وقبرص، وانضمت لهم فرنسا ومن ثم دول عربية أخرى، كالسعودية والإمارات وغيرها، وهي كلها دول لا تعادي الشعب التركي، لكنها تضررت حكماً من سياسات أنقرة الخارجية، القائمة على التوسّع عبر مليشيات متطرّفة، هي في جلّها تستلهم من مدرسة حسن البنى ملهماً فكرياً يبرّر تعاملها مع الغريب ضد أبناء بلدهم، مع إنكارها للروابط الوطنية وتحقيرها أمام روابطهم الإخوانية المستترة تحت عباءة الدين، والأخير منها براء. أنقرة 

فضائيات الإخوان

انفضاض مسبحة الإخوان

بعد جملة تصريحات تركية صادرة حتى عن الرئيس التركي، أصدرت السلطات التركية وفق تقارير إعلامية، تعليماتها لتنظيم الإخوان بغية الكفّ عن انتقاد مصر من الفضائيات التابعة لها في إسطنبول، وهو ما أفصح عنه موقع “العربية نت” بتاريخ التاسع عشر من مارس، إذ قال الموقع إنّ السلطات التركية أصدرت توجيهات بإيقاف البرامج السياسية التي تبثّ من إسطنبول، وهي “وطن، والشرق، ومكملين”، أو تحويلها لفضائيات خاصة للمنوعات والدراما، مضيفة أنّ تركيا أبرمت اتفاقات مع قادة التنظيم للالتزام بالتعليمات، مهددة بعقوبات قد تصل لإغلاق البثّ نهائياً وترحيل المخالفين خارج البلاد.

اقرأ أيضاً: التوبة التركية لمصر.. ومهمة القاهرة التاريخية في ليبيا وسوريا (2)

موقفٌ دفع إعلامين تابعين للتنظيم للتعبير عن خوفهم من المستقبل والمصير الغامض الذي ينتظرهم، حيث دوّن سامي كمال الدين، وهو إعلامي كان يعمل في قناة “الشرق” التابعة لتنظيم الإخوان، تغريدة قال فيها إنّ السلطات التركية أبلغت العاملين في القنوات المذكورة بالتعليمات وحذّرت المخالفين، وهو ما أكدته غادة نجيب زوجة الفنان هشام عبد الله الهارب لتركيا، والتي أسقطت السلطات المصرية الجنسية عنها مؤخراً، بطلب السلطات من القنوات الإخوانية وقف البرامج السياسية على خلفية السعي لمُصالحة مصر، قبل أن تُعلن قناة الشرق الإخوانية، وقف البرنامج الرئيسي القناة دون ذكر الأسباب.

غيض من فيض

وفي العشرين من مارس، أفادت قناة “العربية” من جديد، بأنّ أنقرة تراجع كافة ملفات عناصر الإخوان التي دخلت أراضيها منذ عام 2013، وأضافت المعلومات أنّ جهاز الأمن الداخلي التركي قد تولى ملف المراجعة، كاشفةً تراجع أعداد الإقامات الخاصة بعناصر الإخوان التي تقيم بتركيا، والوثائق الرسمية والثبوتيات، وأكدت أنّ عناصر من التنظيم اجتمعوا بالاستخبارات التركية، لتعلمهم أنقرة بضرورة المغادرة إلى لندن خلال 90 يوماً، منوّهة بأنّ عناصر أخرى ستغادر إلى ماليزيا. أنقرة 

هذا ما عدى إصدار أنقرة لتعميم أمني بمنع دخول أي عناصر إخوانية مصرية قادمة من سوريا أو العراق، بعد أن خاضت معارك مع تنظيمات إرهابية ومتطرفة، إلى تركيا أو الإقامة فيها، وكشفت القناة أنّ قيادات من رجال أعمال الجماعة التي كانت مقيمة هناك قررت نقل أموالها إلى دول أخرى خلال الأسابيع المقبلة، وأضافت أنّ من القيادات من كان مقيماً في تركيا قاموا بعمليات غسيل أموال وتورطوا بعمليات تجارة مشبوهة، وتهريب مخدرات، وتجارة أسلحة، وحققوا من وراء صفقاتهم أموالاً ضخمة.

اقرأ أيضاً: من اليونان إلى السودان.. الرياض وجهاً لوجه مع أنقرة (2)

بجانب إلغاء إقامات من شارك بأعمال إرهابية مع تنظيمات مشبوهة مثل داعش، وبيت المقدس، سواء في مصر أو خارجها، وبدء التنسيق التركي مع السلطات المصرية في ملف مكافحة الإرهاب والعناصر الإرهابية شديدة الخطورة من المصريين، والتوجّه لتجميد تسليم جوازات سفر تركية لعناصر من الإخوان كان من المقرر استلامها حين انتهاء الاستخبارات التركية من التحريات الخاصة بهم، إضافة إلى الكشف عن مشاورات بين جهات أمنية تركية وأخرى مصرية لوقف نقل المرتزقة السوريين والأجانب إلى ليبيا، مشددة على ضرورة حسم هذا الملف خلال الأسابيع المقبلة.

كل هذا وأكثر، هو غيضٌ من فيض التدخلات التركية الهدامة والمُخربة للأوضاع في بلدان عربية عدة، أبرزها سوريا وليبيا، بجانب فشلها في أخرى، أهمها مصر والسودان والسعودية والإمارات وغيرها، ليثبت حجم الملفات التي تفاوض مصر تركيا عليها، بغية كفّ يدها فيها عن دعم المتطرفين والجماعات المتشددة، مدى التغوّل التركي في الصراعات التي عاشتها بلاد عربية عدة، مستغلّة حركات شعبية كانت في غالبها ذات طابع عفوي، قبل أن يتمكّن تنظيم الإخوان المسلمين من تسلقها وتجييرها لصالح التنظيم وأنقرة من خلفه، خدمة لخلافة عثمانية جديدة مزعومة. أنقرة 

رغبة حقيقة للإصلاح أم مناورة؟

لكن تلك الإعلانات هي بلا أدنى شك، تصبّ في خانة خدمة الاستقرار بـمصر، وربما تفتح باباً للاستقرار في ليبيا وسوريا، لو ملكت القاهرة إجبار أنقرة على الانسحاب من كل الأراضي التي تسيطر عليها في البلدين، سواء عبر تواجد جيشها المباشر، أو عبر المليشيات العاملة لدى أنقرة، والتي تقلدت لقب “مرتزقة أنقرة” بجدارة.

وعليه، كشف وزير الإعلام المصري، أسامة هيكل، في التاسع عشر من مارس الماضي، عن ترحيبه بقرار الحكومة التركية الخاص بإلزام القنوات المعادية لمصر بمواثيق الشرف الإعلامية، واصفاً الخطوة بأنّها “بادرة طيبة من الجانب التركي، تخلق مناخاً ملائماً لبحث الملفات محل الخلافات بين الدولتين، على مدار السنوات الماضية”، مردفاً أنّ “صدور قنوات من دولة لتعادى دولة أخرى ليس مقبولاً في العلاقات الدولية، ومن المهم جداً لكل دولة أن تبحث عن مصالحها ومصالح شعبها”.

اقرأ أيضاً: إيران وإنعاش المريض العُضال بالمليارات الصينية

لكن وما بين كونها رغبة حقيقة من الجانب التركي بالإصلاح، وإقرار عملي بالفشل وإخفاق سياساتها التوسعية بالمنطقة، أو كونها مُناورة تركية اضطرارية تحت وقع القطيعة الإقليمية التي يعاني منها النظام التركي، والخسائر الاقتصادية المتلاحقة وتدني قيمة العملة التركية، فإنّ الأكيد أنّ أنقرة لم تلجأ إلى ذلك الخيار الصعب (عليها)، عقب سنوات من التحريض الإعلامي والحشد والتجييش العسكري والمليشياوي، إلا وهي مُكرهة. أنقرة 

فعقلية الحكم في أنقرة لم تتوانَ خلال أوج سنوات الاحتراب بالمنطقة، عن الحديث حول إرث أجدادها العثماني تارة، وعن أمنها القومي تارة ثانية، أو التذرّع بحماية شعب من نظام تارةً ثالثة، وهي في كل الحالات، وفي كل البلاد، تجد لنفسها ما يسوّغ تدخلها فيه لو ملكت، وعليه فإنّ التعويل ليس على حقيقة الإجراء التركي إن كان مناورة أم لا، فهو أمرٌ مفروغ بصحته، لكن التعويل على دول المنطقة في وضع حدّ لأطماع انقرة، بعدم التهاون معها تحت أي ظرف كان، والسعي للمزيد من التكاتف، وإدراك المخاطر الحقيقي منها، والوهمي.

والأكيد، أنّ علاقة أنقرة والإخوان ستبقى راسخة ضمناً، مهما طفى على السطح من أخبار تتعلّق بالتضييق عليهم في تركيا، فالأخيرة لم توفر جهداً لتوفير ملاذ جديد آمن لهم، لتعيد استخدامهم متى سنحت لها الظروف بذلك، إن بعد عام، أو عقد، أو حتى قرن. أنقرة 

ليفانت-خاص ليفانت

إعداد وتحرير: أحمد قطمة