بعد عقد من عمر الأزمة.. لماذا لم تحققّ جنيف أهدافها بشأن سوريا؟

وليد جولي

بدأت أولى اجتماعات جنيف بشأن الأزمة السورية في 30 حزيران – يونيو 2012، بناءً على مقترح من السيد كوفي أنان؛ المبعوث المشترك للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية حينها، وباستضافة من مكتب الأمم المتحدة في مدينة جنيف السويسرية، لـ”مجموعة العمل من أجل سوريا”، التي ضمّت كلاً من الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، والصين وروسيا الاتحادية، وألمانيا، والمملكة المتحدة، وتركيا. جنيف 

وكانت من أهم مخرجات جنيف التي كانت تعقد بشأن سوريا، وقف جميع الأعمال القتالية بين أطراف الصراع، وإطلاق عملية سياسية شاملة يقودها السوريون، والتوجّه نحو تشكيل هيئة حكم انتقالية؛ تتكفل بتشكيل لجنة دستورية من جميع السوريين، بغضّ النظر عن الانتماء العرقي والديني، ومن ثم إجراء انتخابات حرة برعاية ومراقبة دولية.

ولكن ظلّت قرارات جنيف تتمحور حول العموميات، دون التطرّق للتفاصيل أو المسببات الرئيسية للأزمة طيلة أعوامها العشر، إلى جانب الضعف في آلية التطبيق، بسبب الفيتو الروسي والصيني المتتالي على البعض من الخطوات الضاغطة على النظام السوري، خصّت جميع الجوانب، السياسية، والأمنية، والاقتصادية، والقضائية، والإنسانية، إلى أن قدّمت الولايات المتحدة الأمريكية، مشروع قرار (2254) لمجلس الأمن الدولي، الذي تم تصديقه والتصويت عليه يوم 18 ديسمبر 2015، كخارطة سلام من أجل فضّ النزاع في سوريا، يتشكل من عدة بنود رئيسية، لتكون ركائز للخطوات التي سوف تتخذها الأطراف، والتي جاءت تأكيداً لمخرجات جنيف (1) وبيانيّ فيينا، التي استطاعت من خلالها الدول (روسيا – إيران – تركيا) الالتفاف بها على مسار جنيف الدولي، عبر سلسلة (أستانا).

مسار أستانا والالتفاف على جنيف

كان الالتفاف حول مقررات جنيف؛ الذي بدأ في أستانا بتاريخ 23 – 24 يناير 2017، بين الدول الثلاث، روسيا – تركيا – ايران، بناءً على قرار مجلس الأمن 2336، الذي أعدته روسيا بعد التباحث مع تركيا على خلفية وقف الأعمال القتالية وتطبيق القرار الدولي 2254. والتي بدأت منقوصة كونها باتت المعرقل الأكثر لمقررات جنيف، لأسباب عدة، من أهمها تعارضها مع البنود التالية: جنيف

1- عدم إشراك جميع السوريين في تلك المباحثات، بحيث اقتصرت على فئات محددة من المعارضة، إلى جانب استبعاد الكرد بإدارتهم في شمال وشرق سوريا، والذي يستشفّ من الفقرة الرابعة للقرار 2254 الذي يؤكد فيه على ضرورة إشراك جميع السوريين في المسارات السياسية بعيداً عن العرقية والطائفية.

2- عدم المشاركة الفعلية لأهم الدول والمنظمات الفاعلة في الشأن السوري، كالولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد الأوربي، وجامعة الدول العربية، فضلاً عن مصر، والمملكة العربية السعودية، والإمارات، والأردن (الدول التي تمحورت معظمها في إطار المجموعة الدولية المصغرة)، وحصرها بين ثلاث دول، لكل منها أهداف ومصالح خاصة في سوريا، روسيا – تركيا – إيران، والذي يتعارض أصلاً مع تداعيات جنيف1، الذي بادر بها غالبية من تم ذكرهم آنفاً.

3- الالتفاف حول القرار الأممي 2254، وبنوده، التي تخصُّ وقف الأعمال القتالية، واستبدالها بمناطق “خفض التصعيد”، التي توضّحت نتائجها في هلاك المعارضة في حلب، وجنوب سوريا، وريف دمشق، واحتلال تركيا لأراضٍ شاسعة من الشمال السوري، بدءاً من جرابلس وإعزاز والباب، وصولاً لعفرين،” تل أبيض”، “رأس العين”، إلى جانب محافظة إدلب، التي أصبحت منطقة نفوذ تركية بامتياز.

4- إهمال ما يخصّ عملية التسوية السياسية، وهيئة الحكم الانتقالية، كخطوة تسبق تشكيل اللجنة الدستورية، الأخيرة التي تشكلت منقوصة، بسبب هيمنة الدول الثلاث على شكليتها، وآلية تطبيقها، فضلاً عن تفرد الدول الثلاث بشأن التفاهمات بينها، دون الرجوع إلى أي طرف من أطراف النزاع السوري.

الأطراف المستفيدة والمتضررة من ازدواجية المسارات

مع صعود دور محور أستانا، بدى جلياً ضعف مسار جنيف بشأن الأزمة السورية أيضاً، وهذا بالتالي خلق نوع من الإرباك لدى الموقف الدولي الغربي، المتمثّل في الولايات المتحدة، والاتحاد الأوربي، وبعض الدول العربية كـمصر والسعودية، والإمارات، فمن جهة عملت روسيا على استخدام تركيا كورقة ضاغطة على المحور الغربي، ومن خلالها وسّعت من مناطق سيطرة النظام بشكل غير مباشر، من خلال تقويض أهداف المعارضة السورية الفعلية عبر أنقره، والتي كان من أهمها إسقاط النظام كمطلب رئيسي لهم، وجعلتهم مسلوبي الإرادة، لا تتخطّى مطالبهم المحاصصة في اللجنة الدستورية، بهدف تعديل الدستور مع التنازل من مطلب تشكيل حكومة مرحلية، ومن جانب آخر حققت أنقرة مكاسب كبرى على خلفية تعاونها مع موسكو في الملف السوري، والذي تطور إلى ليبيا، وشرق المتوسط، وأذربيجان لاحقاً، وكأنّ بالملف السوري أصبح البوابة التي انطلقت منها العلاقة الروسية التركية نحو التمحور الاستراتيجي، الشيء الذي وضع الحلف الغربي والناتو في حالة حرجة، سيما وأنّ امتلاك تركيا لورقة اللاجئين السوريين والمعارضة، فضلاً عن موقعها الجيوسياسي، سواءً من ناحية تشاركها بالحدود السورية الشمالية، أو باعتبارها البوابة البرية الوحيدة بين أوروبا والشرق الأوسط، وهذا ما جعلت من أنقرة العامل الأكثر فاعلية في عرقلة القرارات الدولية، التي كان من المفترض أن تنهي الأزمة السورية في بداياتها، أو على أقل تقدير عام 2015. جنيف

ومع ضعف دور القرار الدولي بشأن سوريا، استطاعت إيران من خلال التنسيق مع روسيا وتركيا في قمم أستانا، أن تأخذ حيّزاً واسعاً للتوغّل أكثر في سوريا، وجعلت من سوريا منطقة حرب بالوكالة ضد إسرائيل وأمريكا، ولكن الحالة التي اقتضت تعارض الوجود الإيراني مع السياسة الروسية فيما بعد، جعلت منها في الكثير من الأحيان هدفاً مشتركاً لواشنطن وموسكو في المنطقة، كاتفاقيّة الجنوب التي أقرّت بإبعاد الميليشيات الإيرانية إلى ما بعد 80 كم عن الحدود الإسرائيليّة، واستبعادها فيما بعد من قمم أستانا الثلاثية، وحصرها بين روسيا وتركيا، مما أدّى ذلك إلى حرمانها للكثير من الامتيازات السياسية في سوريا.

لهذا نجد أنّ أكثر الجهات التي وجدت مصلحتها في تحريف وإفشال مقررات جنيف الدولية، كانت تركيا – روسيا – ومن يدور في فلكهما، عدا المعارضة المتمثلة بالائتلاف السوري المعارض، التي وجدت نفسها في آخر المطاف تواجه الإفلاس التام، في ظل التحكم التركي في قرارها السياسي والعسكري.

ختاماً، يمكن القول إنّه من أسوأ المراحل التي شهدتها الأزمة السورية، كانت مرحلة ما بعد الـ2015، فيها صعد الثلاثي، روسيا – تركيا – إيران، من فاعليتهم في الشؤون الميدانية والسياسية، وكادت أن تؤدي بالدور الدولي إلى الاستسلام للواقع، وهذا ما توضّح في السياسة الأمريكية خلال هذه الفترة، والدور الانطوائي لرئيسها ترامب في تعامله مع ملف شمال وشرق سوريا، عبر موقفه بشأن تواجد القوات الأمريكية في شرق الفرات، وتواطؤه مع نظيره التركي أردوغان بخصوص شمال وشرق سوريا. جنيف

لهذا نجد البحث الأمريكي الأوربي عن بدائل تكون قريبة أكثر إلى القرار الدولي 2254 ومضامينه، وبعيدة في الوقت نفسه عن الهيمنة الروسية التركية، وهذا ما يتضح بوادره في الآونة الأخيرة، من خلال عودة دور المجموعة الدولية المصغرة ورؤيتها التي تشكل روح القرار الدولي 2254، سيما تلك التي تتعلق بضرورة إشراك جميع السوريين في العملية السياسية، بما فيها ممثلين عن شمال وشرق سوريا، وهذا من الصعب أن يتحقق ما لم يتم إعادة النظر في المعارضة المتمثّلة بالائتلاف وهيئة التفاوض، شكلاً ومضموناً، والعمل على تشكيل معارضة تكون مفاهيمها متّسقة بشأن واقع الأزمة السورية، وموقفها من السياسة الدولية والإقليمية، ومتفهمة لمسار جنيف الدولي وقراراته ذات الصلة، غير خاضعة للهيمنة التركية، وتأكيداً لهذا هو الموقف الأخير لبعض الدول العربية تجاه هيئة التفاوض والائتلاف السوري، سيما القرار الصادر من الخارجية السعودية بشأن إيقاف الدعم عن هيئة التفاوض والمعارضة السورية، وهذا بالتالي يثبت فشل مسار أستانا واللجنة الدستورية المنبثقة منها، وعودة مسار جنيف بقراراته كضرورة حتمية لتصحيح ما تم تحريفه وتجاهله. جنيف 

وليد جولي

ليفانت – وليد جولي  ليفانت