بعد صراع مع كورونا.. “ميشيل كيلو” يعتزل الحياة

الفيروس ينهي حياة المعارض السوري "ميشيل كيلو"

ليفانت- نور مارتيني

بعد أن وهب سوريا سنيّ عمره، مناضلاً في سبيل قضاياها، يغيب المناضل السوري العتيق، ميشيل كيلو، ويغادر الحياة من فرنسا التي منحته حقّ اللجوء على أرضها، بعد أن طرده نظام الأسد من أرض سوريا التي دافع عن قضاياها، واستحضرها حتى آخر ساعات حياته..

لم يترجّل “كيلو” قبل أن يترك رسالة وداع للسوريين، تستحق أن تكون بجدارة دليل عمل ثوري، وخارطة طريق يوصل سوريا إلى برّ الأمان، فذكّر فيها بالثوابت التي خرج السوريون من أجلها، مشيراً إلى أهمّ ما ينبغي القيام به للنهوض بها.

رسالة الراحل “ميشيل كيلو” الأبوية، جاءت كتذكرة لمن نسي أهداف الثورة التي خرج السوريون من أجلها، ولاقت طريقها إلى قلوب سوريين لم يعرفوه ولم يجالسوه يوماً، بل رأوا فيها دليلاً إلى الحرية التي دفعوا أجمل أيام أعمارهم في طلبها، وصدّقّوها لأنه من قبلهم حرم حريّته، في سبيل مواقف لم يساوم عليها يوماً!

 

حيث وافت المنية”ميشيل كيلو”، رئيس مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سوريا، وأحد أبرز صائغي إعلان دمشق، في إحدى مشافي العاصمة الفرنسية باريس، بعد معاناة مع فيروس “كورونا”، والذي هزمه في معركته الأخيرة مع حياة لم تكسره يوماً، من قبل، رغم النفي والاعتقال!

محطات في حياة المناضل العتيق
اعتقل الراحل “ميشيل كيلو” في سبعينيات القرن الماضي لمدّة عدة أشهر، ليسافر بعدها إلى فرنسا حتى نهاية الثمانينات، حيث نشر بعض الترجمات والمقالات، وبقي على مواقفه الوطنية إلى أن تسنّت له معاودة نشاطه السياسي مع حلول ربيع دمشق، في مطلع الألفية الثالثة.

فيسبوك

كذلك اعتقلت سلطات النظام السوري الراحل “كيلو” مرة أخرى، بتاريخ 14-5-2006 متهمة إياه بإضعاف الشعور القومي والنيل من هيبة الدولة وإثارة النعرات المذهبية، وهي التهمة التي واجهها جميع معارضي النظام السوري التقليديين، فيما يشير بعض المراقبين إلى أن اعتقاله جاء على خلفية توقيعه (مع مجموعة من النشطاء والمثقفين) على إعلان بيروت – دمشق في أيار 2006.

اقرأ المزيد: عشرات التشكيلات السياسية تصدر بياناً لإسقاط شرعية الائتلاف السوري

لاحقاً أحيل كيلو للمحاكمة أمام القضاء العادي، ثم جرى تحويله ليحاكم أمام المحكمة العسكرية. وفي مايو/أيار 2007 أصدرت المحكمة حكماً عليه بالسجن لمدة ثلاثة أعوام، بعد إدانته بنشر أخبار كاذبة وإضعاف الشعور القومي والتحريض على التفرقة الطائفية.

فيسبوك

وتم الإفراج عن ميشيل كيلو بتاريخ 19/5/2009، بعد خمسة أيام على انتهاء حكمه بالسجن ثلاث سنوات.

تجدر الإشارة إلى أنّ الراحل ميشيل كيلو هو من مواليد اللاذقية 1940، وعمل في وزارة الثقافة والإرشاد القومي، كما أنّه ترجم بعضاً من كتب الفكر السياسي إلى العربية منها كتاب “الإمبريالية وإعادة الإنتاج” و”كتاب الدار الكبيرة”، و”لغة السياسة” و”كذلك الوعي الاجتماعي”.

رسالة ميشيل كيلو ..خارطة طريق نحو سوريا الجديدة

في وصيّة “ميشيل كيلو” للسوريين، خاطب السوريين مشدّداً على ضرورة التمسّك بالحرية قائلاً: “لن يحرّركم أي هدف غير الحرية فتمسّكوا بها، في كل كبيرة وصغيرة، ولا تتخلّوا عنها أبدا، لأن فيها وحدها مصرع الاستبداد، فالحياة هي معنى للحرية، ولا معنى لحياةٍ بدون حرية. هذا أكثر شيء كان شعبنا وما زال يحتاج إليه، لاستعادة ذاته، وتأكيد هويته، وتحقيق معنى لكلمة المواطنة في وطننا”.

فيسبوك

وخاطب “كيلو” في رسالته السوريين قائلاً: “كي تصبحوا شعباً واحداً، يا بنات شعبنا وأبناءه، اعتمدوا معايير وطنية، وانبذوا العقليات الضدّية، والثأرية، في النظر إلى بعضكم وإلى أنفسكم، فالمجتمعات لا تصبح مجتمعات وفقا لذلك، وإنما هي تغدو مجتمعاتٍ حقاً بواسطة عقد اجتماعي، واضح، ومحدّد، وشفاف يساوي بين كل المواطنين إزاء الدولة وأمام القانون، ويكفل حقوقهم وحرّياتهم وكراماتهم. هذا ما حاول النظام الحؤول دونه طوال العقود الماضية، وهذا ما يجب أن نسعى إليه، أي التحوّل إلى دولة مواطنين، والتحوّل إلى مجتمع، أي إلى شعب حقا، وبكل معنى الكلمة”.

ميشيل كيلو

واعتبر الراحل أن “المرأة السورية الرائعة والشجاعة والصابرة” تستحقّ “كل التقدير والعرفان، فهي التي أعطت للثورة السورية طابعها الخاص والمتميز، منذ بداياتها، وقدّمت كل ما يمكنها، من تضحياتٍ وبطولاتٍ. لذا لا يمكن أن نبني سورية الجديدة بدون مكانة طبيعية للمرأة السورية، تضمن حقوقها ومكانتها السامية في المجتمع، هذا أقل تقدير لأمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا، فهم عنوان للحياة والكرامة.

اقرأ المزيد: المحامي ومهنته بين القانون والفساد

كما أوصى السوريين بأن يلتفّوا “حول أصحاب المعرفة والفكر والمواقف النبيلة بينكم، فلديكم منهم كثر، استمعوا إليهم وخذوا بما يقترحونه، ولا تستخفّوا بمفكّر مجرّب، فهو جزء من زادكم، وثروتكم الرمزية، وجزء من تاريخكم”.

من بين كلّ معارضي نظام الأسد، تمتّع الراحل “ميشيل كيلو” بشعبية عابرة للطوائف والقوميات، وقلّما أتيح لمعارض سوري أن يحظى بهذه الشعبية، ولكن الراحل بقي مصرّاً حتى آخر لحظات حياته، أن يكون صوتاً لكل السوريين المسحوقين، فاستحقّ بجدارة الحزن الكبير الذي عمّ وسائل التواصل الاجتماعي على فقده..