بايدن يقضّ مضاجع موسكو.. ويتوجّه لإنهاء الانفصالية الروسية في أوكرانيا

روسيا واوكرانيا

منذ العام 2014، وحتى الوقت الراهن، تتسم العلاقة بين روسيا وأوكرانيا بالصراع المستمر، رغم محاولات التهدئة في شبه جزيرة القرم، وبعض الأقاليم الواقعة شرق أوكرانيا، على حدودها مع روسيا، عقب استغلال الأخيرة لتواجد العنصر الروسي فيها، واقتحامها عسكرياً بتوفير السلاح والإمداد اللوجستي للانفصاليين الروس في مواجهة الجيش الأوكراني.

تجدّد الصراع.. مع قدوم بايدن

وقد هدأ الصراع قليلاً مع تدخل الأطراف الأوروبية ضمن إطار ما عرف بمجموعة الاتصال في مينسك ورباعية النورماندي، قبل أن يتوجه للتصعيد مجدداً مع تقلّد بايدن الرئاسة الأمريكية قبل عدة شهور، ففي الأول من فبراير الماضي، أعلن وزير الخارجية الأوكراني، دميتري كوليبا، في أعقاب أول اتصال له بوزير الخارجية الأمريكي، أنتوني بلينكن، عن “بدء يوم جديد” في العلاقات بين كييف وواشنطن، مدوناً على حسابه على “تويتر”: “أكدنا في أول محادثتنا مع الوزير أنتوني بلينكن على أهمية الشراكة الاستراتيجية بين أوكرانيا والولايات المتحدة واتفقنا على جعلها طموحة أكثر”، وتابع: “يبدأ يوم جديد في علاقاتنا، وأشكر الولايات المتّحدة على دعمها الثابت لسيادة ووحدة أراضي أوكرانيا”، وهي كانت إشارة واضحة إلى عودة الملف الأوكراني إلى الواجهة، كبوابة أمريكية لإزعاج موسكو وإقلاق راحتها.

اقرأ أيضاً: الإخوان المسلمون وشراكة النظام بالدم السوري.. لعشر سنوات

فيما قال المتحدّث باسم وزارة الخارجية الأمريكية، نيد برايس، إنّ وزير الخارجية، أنتوني بلينكن، وعد أوكرانيا بتقديم مساعدة اقتصادية وعسكرية فعالة، مذكراً أنّ بلينكن أكد خلال الاتصال، أنّ الولايات المتحدة، تولي أهمية أولوية لسيادة ووحدة أراضي واستقلال أوكرانيا، وتدعم تطلعات أوكرانيا الأوروبية الأطلسية، بالإضافة مناقشة طرق إيجاد حل دبلوماسي لقضية القرم، والوضع في شرق أوكرانيا.

بوتين وبايدن

أوكرانيا المستندة على بايدن.. تُصعّد

وعقب تلك المحادثة الهاتفية، يبدو أنّ أوكرانيا باتت واثقة من مساندة واشنطن لها في أي صراع قد يندلع من جديد، وهو ما قد شكل فرصة لأوكرانيا لاستعادة ما خسرته في العام 2014، فأمر الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، في الثالث من فبراير، (أي عقب يومين من اتصال بلينكن)، باختبار جاهزية القوات المسلحة في منطقة دونباس شرقي البلاد، حيث يتركز النزاع هناك، بين السلطات الأوكرانية، وما تعرف بـ”جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك” (المعلنتين من طرف واحد مستمر منذ عام 2014، بدعم وتأييد روسي).

اقرأ أيضاً: التوبة التركية لمصر.. ومهمة القاهرة التاريخية في ليبيا وسوريا (2)

ولم يقتصر الوضع على ذلك، فقد حاولت أوكرانيا جرّ الناتو إلى المعركة، فدعت السلطات الأوكرانية حلف شمال الأطلسي، في العاشر من فبراير، لاستخدام الأجواء فوق شبه جزيرة القرم (التي تسيطر عليها روسيا عسكرياً)، في عمليات الناتو الجوية، كما أعرب الوزير الأوكراني عن أمل كييف في أن يقدم حلف شمال الأطلسي دعما لأوكرانيا في “متابعة الوضع الجوي بطول الحدود مع روسيا”.

أمريكا تنتقل من الأقوال إلى الأفعال

ولأنّ بايدن جاد في مواجهة روسيا، لم ينتظر الرجل طويلاً حتى يحول أقواله إلى أفعال، ففي الأول من مارس الماضي، أكّد المتحدّث باسم وزارة الدفاع الأمريكية “البنتاغون”، جون كيربي، أنّ الولايات المتحدة ستقدم مساعدات عسكرية إلى أوكرانيا بقيمة 125 مليون دولار، قائلاً: “حزمة المساعدة الأمنية تشمل التدريب والأسلحة والمشورة”، مشيراً إلى أنّ هذا يؤكد استعداد الولايات المتحدة لتزويد كييف بـ”أسلحة دفاعية حتى تتمكن أوكرانيا من الدفاع عن نفسها بشكل أكثر فاعلية ضد العدوان الروسي”.

اقرأ أيضاً: من اليونان إلى السودان.. الرياض وجهاً لوجه مع أنقرة (2)

فيما زعمت روسيا أنّ “إمداد كييف بالأسلحة سيؤدي إلى تصعيد الصراع في دونباس”، ومع إدراك موسكو لما يجري التحضير له في شرق أوكرانيا، وتيقنها من أنّ بايدن لا ينوي لها الخير هناك، أعربت الرئاسة الروسية، في الرابع من مارس، عن قلقها إزاء إعادة زيادة التوترات في منطقة دونباس، مدّعيةً أنّ الأولوية تكمن في منع تجدّد الحرب الأهلية هناك، في إشارة ضمنية إلى عدم رغبة موسكو بخوض صراع مع واشنطن بقيادة بايدن.

الناتو ينضم إلى المواجهة

ولم يكد الجانب الروسي يستوعب اللطمة الأولى من بايدن، حتى جاءته الثانية من الناتو، فقد قال الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرغ، إنّ شبه جزيرة القرم لم تكن لتصبح جزءاً من روسيا لو كانت أوكرانيا عضواً في الحلف في عام 2014، وأوضح أنّه “إذا تعرّض أحد الحلفاء لهجوم، فإنّ القاعدة تنطبق: واحد من أجل الجميع والجميع من أجل واحد”.

وفي حديثه عن العضوية المحتملة لأوكرانيا وجورجيا في حلف الناتو، أشار الأمين العام إلى أن أبواب الحلف ما تزال مفتوحة، مضيفاً أنّ “أوكرانيا وجورجيا بحاجة إلى تلبية معايير الناتو لهذا الغرض، رسالتي الرئيسية هي أنّهما بحاجة إلى التركيز على الإصلاحات لتحديث المؤسسات ومحاربة الفساد، ونحن نساعدهما في تنفيذ الإصلاحات”، وبالتالي أرشد الأمين العام للناتو أوكرانيا من جديد على سبيل الحصول على المزيد من الدعم بالانضمام إلى الحلف، وهو آخر الخيارات التي قد ترغب موسكو أن تلجأ كييف إليها.

اقرأ أيضاً: إيران وإنعاش المريض العُضال بالمليارات الصينية

لتوجه روسيا، في الثاني عشر من مارس، تحذيراً للسلطات الأوكرانية من محاولات التصعيد واعتماد سيناريو عسكري في منطقة دونباس، إذ قالت المتحدّثة باسم الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، في إفادة صحفية: “نودّ تحذير النظام في كييف والرؤوس الحامية التي تخدمه أو تتلاعب به، من مزيد من التصعيد ومحاولات تنفيذ سيناريو يعتمد على استخدام القوة في دونباس”، وفي سياق متصل، نقلت وكالة “نوفوستي” الروسية، عن مصدر مطلع أنّ موسكو تنظر إلى استراتيجية “إنهاء احتلال القرم” التي أعلنت عنها كييف، على أنّها “تهديد غير مقبول بالعدوان على اثنين من كيانات روسيا الاتحادية”، في إشارة إلى شبه جزيرة القرم ومدينة سيفاستوبول الواقعة فيها.

روسيا تتهرّب من الصراع

وعلى الرغم من كل المعطيات الواردة أعلاها وغيرها، لا تبدو روسيا متشجعة للصراع، خاصة أنّ الرئيس الأمريكي، جو بايدن، الديمقراطي المتمرس في العمل السياسي، عدو لدود لبوتين، ويسعى للإيقاع به في أفخاخ عدة، يبدو أنّ أوكرانيا إحداها، وهو ما دفع نائب وزير الخارجية الروسي، أندريه رودينكو، في الثاني من أبريل الجاري، للإعلان أنّ روسيا لا تهتم بأي نزاع، لا سيما مع أوكرانيا، زاعماً أنّ كل الأحاديث حول نزاع محتمل بين الدولتين مزيفة، قبل أن يعود الكرملين، ليغير مواقفه.

إذ عدّ الناطق باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أنّ التصريحات الأوكرانية حول احتمالية ظهور عسكريين أمريكيين على الأراضي الأوكرانية، غير مقبولة وغير مناسبة، لافتاً إلى أنّ روسيا لا تهدّد أحداً، وذلك تعقيباً على اتهام وزارة الخارجية الأمريكية، في وقت سابق، لموسكو، بالقيام بأعمال “لزعزعة الاستقرار” في أوكرانيا، وبجانب ذلك، ذكرت وزارة الدفاع الأوكرانية، أنّ وزير الدفاع الأمريكي، أكّد لها على أنّه “في حالة تصعيد العدوان الروسي، فإنّ الولايات المتحدة لن تترك أوكرانيا وحدها”.

اقرأ أيضاً: تحت وقع الضربات.. أنقرة تفضّ يدها من الإخوان مُؤقتاً

لتأتي أخيراً أكثر رسالة جلية من واشنطن، بأنّ زمن الانفراد والاستقواء الروسي على أوكرانيا قد ولّى، فقد أجرى الرئيس الأمريكي، جو بايدن، بـ2 أبريل، أول مكالمة هاتفية منذ توليه مقاليد الحكم مع نظيره الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، وحول ذلك، ذكر البيت الأبيض في بيان له، أنّ بايدن أكد خلال المكالمة “دعم الولايات المتحدة الثابت لسيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها في وجه العدوان الروسي في دونباس والقرم”، وهو موقفٌ سيضع بكل تأكيد المساعي الانفصالية الروسية عن أوكرانيا على المحك، الأمر الذي ستبرهنه الأشهر القادمة.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة