المُستوطنات في عفرين.. سبيل أنقرة لترسيخ التغيير الديموغرافي كأمر واقع

عفرين

بات جلياً للسوريين كما غيرهم، أنّ أهداف تركيا في سوريا لم تتجاوز يوماً سعيها لإخضاع ذلك البلد لأجنداته، وهو ما سعت إليه على الدوام حتى قبل العام 2011، عبر تحسين محلوظ في علاقات أنقرة ودمشق، تكلل بتشكيل مجلس تعاون استراتيجي، هدف إلى تنسيق سياسات الطرفين، ومُنصبة أساساً على قضية واحدة تعتبر حاسمة لحاضر تركيا ومستقبلها، ألا وهي القضية الكردية.

فالأخيرة مرتبطة بما بين 15 إلى 20 مليون إنسان، وربما أكثر (في ظل غياب إحصاءات رسمية لأعداد الكرد في تركيا)، وهو ما تعتبره أنقرة تهديداً لوحدتها، نتيجة مطالبات الكرد في تركيا بمنحهم وضعاً سياسياً وإدارياً خاصاً، على شاكلة الكُرد في العراق سابقاً، والكُرد في سوريا لاحقاً، الأمر الذي يدفع أنقرة للتحرك بكل ما أوتيت به من قوة عسكرية وعلاقات دبلوماسية، علّها تنجح في كبح جماح التطلعات الكُردية في داخلها وخارجها، وهو ما نفذت منذ تأسيس تركيا في العام 1923، على أنقاض ما تبقى من العثمانية.

التغيير الديموغرافي.. سبيل تركيا لتخفيف مخاوفها

وفي ضوء تطور القضية الكردية في سوريا، واكتسابها زخماً وتأييداً دولياً، نتيجة دورهم البارز في مقارعة الإرهاب الداعشي، ورفضهم الانزلاق إلى أتون الحرب الطائفية والعرقية التي خططت لها أنقرة وذكتها في سوريا، عبر أدواتها من تنظيمات الإسلام السياسي، بشقيها العسكري والسياسي، إن كان عبر ما يعرف بـ”الجيش الوطني السوري”، أو ما يسمى بـ”الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة”، لم يبقَ أمام أنقرة إلا خيار واحد.

اقرأ أيضاً: من اليونان إلى السودان.. الرياض وجهاً لوجه مع أنقرة (2)

وتمثّل ذلك الخيار في إزاحة الكُرد من الوجود، وهو ما لن يحدث إلا عبر مُهاجمتهم عسكرياً ومحاولة شرذمة مناطق تواجدهم التاريخية في شمال سوريا، وأبرز تلك المناطق، عفرين، لما تمثله من ثقل ديموغرافي كُردي، حيث كانت نسبة الكرد الطبيعية هناك، تعادل ما يفوق الـ98%، من مجموع قرابة المليون إنسان (وهي أرقام تقريبية لغياب الإحصاءات الرسمية خلال العقد الأخير في سوريا)، بغية تهجيرهم منها، وتوطين آخرين فيها، بدلاً عنهم.

الإقرار الروسي بتغيير ديموغرافية عفرين.. صحوة ضمير أم مصالح؟

التغيير الديموغرافي.. بموافقة دمشق وموسكو

ولتحقيق تلك الغاية، شنّت أنقرة، في العشرين من يناير العام 2018، برفقة 25 ألف مسلح من “الجيش الوطني السوري” غزواً عنيفاً على عفرين، استخدمت في يومه الأول 72 طائرة حربية (وهي كانت إشارة رمزية إلى مرور 72 عاماً على إنهاء جمهورية مهاباد الكُردية في إيران)، رغم أنّ مسلحي المعارضة كانوا قادرين مع تلك التحشدات الضخمة، على فتح جبهة مع النظام السوري ودخول حلب، لكنها مرتهنة للقرار التركي، وقد توافق الأخير مع النظام السوري وموسكو على هندسة الديموغرافية السورية، عبر تهجير أهالي ريف دمشق وحمص ومناطق داخلية سورية أخرى، لتوطينهم في عفرين، مقابل تهجير تركيا سكانها الكُرد، وهو ما حصل بشكل متوازٍ فاضح، ففي الوقت الذي كانت تُهجر فيه تركيا أهالي عفرين بمئات الآلاف عبر طريق جبل الأحلام، كان يجري على الطرف الآخر، تهجير أهالي غوطة دمشق.

اقرأ أيضاً: إيران وإنعاش المريض العُضال بالمليارات الصينية

وقد قامت الخطة على توطين أهالي أرياف دمشق وحمص في بيوت السكان الكُرد في عفرين (المُهجرين)، لكن ومع تزايد التقارير الحقوقية الفاضحة للجرائم المرتكبة في عفرين، وعلى رأسها جرائم التهجير القسري والتغيير الديموغرافي، والتي تعتبر من جرائم الحرب، بدأت تركيا بالبحث عن بديل، يبدو أنها قررت أنّه يمكن في بناء مستوطنات على جوار القرى الكردية التاريخية في عفرين، وهو ما يعني سعي تركيا لبقاء سكان تلك المستوطنات فيها، حتى في حال إيجاد حل سياسي في سوريا مستقبلاً، قد يكفل عودة أهالي عفرين، حيث ستتحجج تركيا غالباً بعدم سكن هؤلاء في بيوت الكُرد، وبالتالي ستعمل لتبرير بقاء تلك المستوطنات في عفرين، بذريعة إنّها أرض سورية.

تسارع بناء المُستوطنات

وعليه، تشير التقارير الإخبارية إلى مُسارعة أنقرة لخطأ بناء المستوطنات في عفرين، ومن تلك المستوطنات، مستوطنة على مقربة من قرية “شاديريه/ شح الدير” التابعة لمنطقة (شيراوا)، ومستوطنة في شمال غرب مدينة جنديرس، من قبل منظمة إحسان للإغاثة والتنمية التركية، على أرضٍ في جبل شيخ محمد، ومستوطنة أخرى في الريف الشمالي لناحية جندريس، في أرض تابعة لقرية حج حسنه.

ونوفمبر العام الماضي، بدأت السلطات التركيّة بناء مستوطنة في محيط جبل قرية بافليون التابعة لناحية شران، التي جاء تمويلها من منظمات إخوانية تتلقّى الدعم والتمويل من قطر والكويت، وأطلق عليه اسم “مخيم التعاون”.. أما في يناير الماضي، فقد أكدت تقارير إخبارية بناء السلطات التركية ثلاث تجمّعات استيطانية على الشريط الحدودي في ناحية “شيه/ شيخ الحديد” بريف عفرين، في المنطقة الواقعة بين قرية جقلا وصولاً لسهل شاديا/ راجو، بجانب مستوطنات أخرى لا مجال لذكرها كلها.

اقرأ أيضاً: تحت وقع الضربات.. أنقرة تفضّ يدها من الإخوان مُؤقتاً

وقد أكد بدوره، المرصد السوري لحقوق الإنسان، في نهاية مارس الماضي، أنّ “الائتلاف السوري” يسعى هو الآخر لتأمين دعم أوربي لبناء مشاريع سكنية استيطانية في عفرين، بطلب من أنقرة، وذلك من أجل تكريس عملية التغيير الديمغرافي، إذ يسعى الائتلاف إلى إعادة اللاجئين السوريين في تركيا إلى عفرين، بعد أن أجبرتهم الحرب على الخروج من مناطقهم من أراضٍ سورية مختلفة نحو تركيا، هرباً من العمليات العسكرية وآلة الحرب المستمرة منذ 10 سنوات.

كيف يرى أهالي عفرين المُستوطنات التركية؟

ريزان أحمد حدو، وهو أحد أبناء عفرين المهجرين عنها، ومهتم بالشأن العام، دوّن في السابع من أبريل الجاري، على صفحته في فيسبوك، حول المستوطنات التي تبنيها تركيا فقال: “مخطط خطير يستهدف عفرين، من المفترض أن تقوم تركيا بإخراج بعض المستوطنين من بعض قرى عفرين، وبينما يكون العالم مشغول بتغطية هذا الخبر، وبالثناء على الخطوة التركية، تكون تركيا قد جهزت آلاف المساكن الدائمة (على طريقة المستوطنات الصهيونية)، المبنية على أراضي عفرين (الحراجية والزراعية)، وتقوم بنقل المستوطنين إليها للإقامة بشكل دائم”.

اقرأ أيضاً: بايدن يقضّ مضاجع موسكو.. ويتوجّه لإنهاء الانفصالية الروسية في أوكرانيا

مردفاً: “بمعنى أنّ تركيا في محاولة لتحسين صورتها أمام العالم، مع المحافظة على أهدافها ومشاريعها، ستقوم وتحت مسمى العمل الإنساني ومساعدة اللاجئين بتحويل عفرين إلى مستودع تركي للإرهابيين السوريين وغير السوريين، وبالتالي تغيير ديمغرافية عفرين بشكل نهائي، في تكرار لسيناريو  لواء إسكندرون المحتل، كخطوة على طريق ضمها بشكل دائم لتركيا، وتكرار للسيناريو الأفغاني عبر تحويل جبال عفرين من منطقة سورية، اشتهرت بتصدير الزيتون للعالم، إلى نسخة تركية عن جبال تورا بورا، تُصدّر الإرهابيين والمرتزقة إلى شتّى أصقاع العالم”.

وختاماً، لا بد من الإشارة إلى أنّ قضية التغيير الديموغرافي في عفرين ودمشق وحمص، لا تتحمل مسؤوليتها أنقرة ودمشق وموسكو فقط، بل السوريون أنفسهم، وهو ما يستوجب على كل السوريين بمختلف انتماءاتهم، العرقية والطائفية، رفض تلك المخططات، وعدم القبول بتحولهم إلى أدوات لقمع سوريين آخرين، خدمة لأجندات أنقرة، وحماية لأمنها القومي المزعوم، والتأكيد على حق الجميع المشروع في العودة إلى أرضهم، وخروج الغرباء منها، أياً كانت جنسيتهم، فالوطنية السورية لا تُشرع لسوري أن يحتلّ منزل سوري آخر، بل تستوجب منه الدفاع عن حقوق باقي المكونات كما يدافع عن حقوقه.

ليفانت-خاص

إعداد وتحرير: أحمد قطمة