المياه خط أحمر.. مَن خَسر النيل؟

إبراهيم جلال فضلون

“مصر هبة النيل”، مقولة للمؤرّخ والرحالة الكبير هيرودوتوس في القرن الـ5 قبل الميلاد.. وفي القرن الأول قبل الميلاد، تغنّت قصيدة للشاعر الروماني تيبولوس، تُبجّل أطول نهر في العالم وفيها: “الأرض التي ترويها لا تطالب السماء بالماء، والعشب الذي جفّ لا يتضرّع إلى جوبيتير ليوزّع مياه الأمطار”، ولكن هذه النعمة التي تروي مصر يرى الجميع متوجساً خيفةً أنّها مُهددة اليوم، ومنذُ ثمانينيات وبدايات التسعينات سادت العالم مقولة إنّ الحروب المقبلة ستكون حروب الماء، عبر معارك أياً كان مُسمّاها وطريقتها (مُباشرة – بالوكالة – بالعلم) صراعات القتيل فيها معروف والقاتل مجهول. النيل

وهنا أورد تقريراً مهماً للكاتب الفرنسي الشهير، ألان غريش، تحت عنوان “من خسر النيل؟”، وكأنّه يتنبّأ بالغيب، مُوحياً بأنّ الأرض لم تزل متعطّشة للدماء لتجتمع في أكبر شرايين الحياة التي ترِدُ مياهها من عند الله -عز وجلّ- بالأمطار، حيث يأتي من النيل الأزرق 90%، ومن بوروندي، حيث ينبع النيل الأبيض، ليلتقيا في الخرطوم، وقد أعلنت مصر مراراً حقوقها في مياه النهر عبر عدّة اتفاقيات، وهي مسألة جدّ جوهرية على عكس بعض بلدان حوض النيل الأخرى، كأثيوبيا، التي اتّخذت منه مشروعاً سياسياً في المقام الأول، وإلا لما كان الهدف من إنتاج أكثر من 6000 ميغاواط من الكهرباء، في الوقت الذي لا يكاد يبلغ استهلاك أثيوبيا وجميع جيرانها مجموعين 800 ميغاواط، وهي بلد تحتكر السلطة فيه أقلية صغيرة، وهي “التغراي”، وتواجه معارضات عديدة، خصوصاً من قبل الأكثرية العرقية، شعب “أورومو” الذي ينتمي إليه الرجل الذي أبكى السلام الدولي “أبي أحمد” لحصوله على جائزة في غير مُسمّاها، وخروج هؤلاء بمظاهرات بين نهاية عام 2016 وبداية 2017 بشكل خاص ثُم 2020، حيث اتّهمت أديس أبابا مصر حينها بالتحريض على هذا التمرّد.

لقد رهن النظام الإثيوبي هيبته وسلطته بهذا السدّ، وكأنّه “يتصرّف كتركيا” بمشروع جنوب شرق الأناضول، وسدّ أتاتورك الكبير الذي انضم له حوالي 20 عملاً هندسياً أقل أهمية، والذي جفَف جزئياً نهري الفرات ودجلة وحرم سوريا والعراق من موارد مائية لأنّهما الآن أضعف، أما مصر، الحافظ لها الله، الآن حان موعد جفاف نيلها كما يقولون، متناسين أنّ التاريخ يشهد بعظمة الفراعنة واعتلائهم عرش التاريخ وأساطيره، بكافة فنون الحياة والعلوم، التي باتت الآن ساحة حرب، حيث قال خلال المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب في هرتزيليا، 8 سبتمبر 2014، أخطر دهاقنة السياسة الإسرائيلية، شمعون بيريز، عن أهمية العلم، واحتلال الأرض، وأنّ الصراع كان على الأرض، لكن الآن الجيوش لا تستطيع احتلال العلم، وأنّ تحصيل العلم أفضل من أي أرض، وأنّ إسرائيل لم تزد من مساحتها ولكن زادت من نتاجها العلمي، متطرّقاً بقوله عن مصر ومياه النيل: «النيل نقصت مياهه 10% إلى الآن، بينما زاد عدد سكان مصر خمسة أضعاف، ولا يدرون ماذا يفعلون، وإثيوبيا تبني الآن سدًا لأنهم يريدون الحصول على بعض مياه النيل الأزرق، الذي تملكه إثيوبيا، وأنّه قال للمصريين لا تذهبوا للحرب، فالحرب مكلفة جداً، ونحن نستطيع مساعدتكم في أن تصنعوا من النيل الواحد ثلاثة، وأنّ إسرائيل تبدأ الآن تجربة جديدة، وهي (الغذاء مقابل السلام). وإنه كما يمكن إعادة تدوير الغذاء، فإنه يمكن إعادة تدوير المياه، وإن إسرائيل تتميز في العلم كما تتميز في القتال.. الذي تحسروا عليه وما زالوا للآن في حرب 73.

والآن يأتي الدور على ألاعيب إسرائيل لتخسر جولتها في سد النهضة، وستخسر.. طالما الفرعوني يحيا -بحمد الله- شاكراً فضله غير آبه لمن يتشدّق أو يحاول المساس بمصيره ومياه نيله الذي يتلاعب به بوضح “رجل أعمى السياسة”، لا يأبه لشعبه أو أمنه القومي، لأنّ المصريين لا يهزمون عندما يكون الأمر مصيرياً، وهو الأمر الذي وصفه الرئيس المصري بأنّه خط أحمر، كإنذار واضح باللجوء إلى الخيار العسكري، بعد عشر سنوات من المفاوضات المتعثرة.. كسرت الليبية التي قطعت يد العثمانية الأردوغانية وأحباشه، ولأنّ الملء الثاني يعني فرض أمر واقع جديد، فقد حددت القاهرة والخرطوم، منتصف الشهر الحالي، موعداً أقصى للمحادثات المتعثرة مع إثيوبيا قبل نظر خيارات أخرى.. فلا ولن يستطيع أحد أخذ نقطة مياه واحدة من مصر، فـ”ذراع مصر طويلة وقادرة على مواجهة أي تهديد، وإنّ المساس بالمياه خط أحمر، وسيؤثر على استقرار المنطقة بالكامل.. لكن لماذا صعدت مصر لهجتها حول ملف السدّ الشائك؟

ببساطة لأنّ الملء الثاني لسدّ النهضة الذي تعتزم إثيوبيا البدء فيه سيسبب أضراراً كبيرة، غير قابلة للاحتمال، بل قد يسبب خطورة أكبر على جسم السدّ ما يهدّد بانهياره، وبالتالي إغراق مساحات كبيرة من السودان وإثيوبيا بحد ذاتها.

وختاماً، إن فشلت السياسة، فما للحلول غير حرب خاسرة لأعداء الفراعنة المصريين بعد نفاذ صبرهم الذي رآه العالم في مواقف جمّة عبر العصور، وبعد اتفاقيات موثّقة في الأمم المتحدة، أي أنّها من الناحية القانونية أكثر ثقلاً من الموافقة التي تمّت في “اتفاق المبادئ”، لأنّ الأخير اتفاق ثلاثي وإعلان مبادئ ولم يصل بعد لمرحلة اتفاقيّة دوليّة موثّقة من الأمم المتحدة.. فوضع مصر السياسي والأمني والاقتصادي حالياً يجعلها في وضع أفضل من إثيوبيا، للمواقف الدولية والأمريكية وتحذير ترامب من إقدام مصر على الحرب، وحتى الدول الغربية التي تحتاج في الفترة القادمة للتعاون مع مصر في مجال مقاومة الإرهاب ومنع الهجرة غير الشرعية لأوروبا وفي مجال الطاقة من البحر المُتوسط. النيل

وقفة: إنّ السيناريو العسكري سهّل على المصريين (بلمحة بصر) والذي قد يتسبّب في دمار لا يُمكن إصلاحه. فمصر في عام 2021 هي الدولة الثالثة عشرة في العالم من حيث القدرات العسكرية ولديها خبرات مخابراتية وحربية ذات ثقل في المنطقة، في حين تحتلّ أثيوبيا المركز 60 على مستوى العالم عسكرياً.. فالأمر بيد الله ثم فوز سينتهي لصالح مصر والسودان بطريقة أو بأخرى.. ولطالما النبض العربي الإماراتي السعودي وكافة العربان يحيا على الأرض.

إبراهيم جلال فضلون

ليفانت – إبراهيم جلال فضلون ليفانت