المدعية نوران: المتهم رسلان مجرم.. هكذا أراه

رسلان

في الرابع والخامس عشر من شهر نيسان لهذا العام حضرت الشاهدة والمدّعية بالحق المدني السيدة نوران الغميان لتقدم شهادتها أمام قضاة محكمة كوبلنز. شملت الشهادة حدثين أساسيين: أولهما اعتقال أختها م. عام 2011، واعتقالها هي ووالدتها عام 2012.

في سردها لهذين الحدثين، أعادت الشاهدة لأذهان الحاضرين بدايات الثورة الأولى في سوريا، وخاصة مظاهرة دمشق، في الخامس عشر من شهر آذار لعام 2011، حين اعتقلت أختها م. وكانت واحدة من أوائل النسوة اللاتي اعتقلن في الثورة السورية.

أما عن الشاهدة، فقد اعتقلت بتاريخ 25 أيار لعام 2012، عندما شاركت في مظاهرة بمنطقة الطلياني في دمشق، هدفها التنديد بمجزرة الحولة، وحملت لافتة كُتب عليها “أطفال الحولة ليسوا إرهابيين”. تواجدت أمها معها بغرض حمايتها لأن كانت حينها بسنِّ الـ20. بعد دقائق من بداية المظاهرة بدأ إطلاق الرصاص الحي فهرب المتظاهرون وبدأت عمليات الاعتقال التعسفي، وكان من بين الذين اعتقلوا الشاهدة وأمها بعد أن ضُرِبَت الشاهدة على وجهها وكُسِرت نظارتها الطبية من قبل عناصر الأمن وسببوا لها نزيفاً في الأنف. أُخذتا أولاً إلى فرع الأربعين ونُقِلتا ليلاً إلى فرع الخطيب حيث بقيت وأمها 6 أيام معاً في المهجع الجماعي، بعد ذلك تم استدعاء أمها التي اعتقدت الشاهدة حينها أنّها خرجت وأطلق سراحها.

أثناء التحقيق مع الشاهدة وُجِّهت لها تهمة تحريض الجيش الحر على قتل زميلٍ لهم، يدعى شادي.ج، كان قد قُتل على يد الجيش الحر في مدينة داريا، لأنه ظهر في الفيديو الذي وثق اعتقال أختها م. وكان هو من اعتقلها. الشاهدة قالت إنها لا تعلم عن تلك القصة شيء، إلا أنّ ذلك لم يُجنبها التعرّض لأسوأ أنواع التعذيب من قبل السجانين “أبو الغضب وأبو عطا”، والتي تضمنت: الشبح، بساط الريح، تشويه الجسد برمي الماء الحار، الحبس بالمنفردة، وأخيراً تعرضها أثناء وجودها في المنفردة للتحرش الجنسي من قبل سجان يدعى (أبو شملة).

على مدى يومين استمع القضاة وأطراف الدعوى للكثير من التفاصيل التي روتها الشاهدة، عن تجربتها القاسية في فرع الخطيب والانتهاكات التي عاشتها شخصياً أو رأتها على آخرين، وخاصةً ماحدث بعد أن نُقلت من منفردة، قضت فيها وحدها 11 يوماً لتستقبلها منفردة ثانية لا تزيد عرضاً عن 75 سم وطولاً عن متر و75 سم، فُتح بابها فظهرت أمها فيها وقد ساء وضعها الصحي كثيراً وأكلت الحشرات جلدها. بقيت نوران مع والدتها هناك لستةٍ أيامٍ أخرى. على الرغم من قساوة ما روته، إلا أنّ رؤيتها للمتهم رسلان كان هو الحدث الثاني الرئيسي في شهادتها، غير أنّها لم تره فقط أثناء اعتقالها، بل رأته أيضاً أثناء اعتقال أختها م.

قالت السيدة نوران إنهم وبعد اعتقال م. في شهر آذار عام 2011، استطاعت وأهلها عن طريق وسيط أخذ موعد لرؤية المسؤول في فرع الخطيب. تم إدخالهم إلى مكتب رئيس قسم التحقيق، أي المتهم أنور رسلان، وهناك طلبوا رؤية ابنتهم م.، أُحضِرت الأخيرة وكان على حجابها الأبيض آثار دماء، ووجهها متورم وعليه كدمات. رفض حينها المتهم طلبهم بأخذ م. معهم، وقال إنه سيرسلها لهم بعد عدة أيام، وبالفعل خرجت م. بعد 11 يوماً قضتها في فرع الخطيب.

اقرأ أيضاً: شاهدٌ يؤكد: رسلان ضربني لأنني قمت بتصويره

بقي اسم أنور رسلان محفوراً في ذاكرة الشاهدة نوران بعد أن رأته في ذلك اليوم مكتوباً على لوحٍ خشبيٍ أمامه على مكتبه. عندما اعتقلت هي عام 2012، ونُقِلت إلى المنفردة في فرع الخطيب وبدأت حالتها النفسية تتدهور أكثر، طلبت من السجانين أن يسمحوا لها برؤية العقيد أنور رسلان، لأنه كان الشخص الوحيد الذي تعرف اسمه في هذا الفرع. بعد إلحاحٍ كثير أخذها أحد السجانين إلى مكتب العقيد وأبقى عينيها معصوبة، لكنها استطاعت رؤيته والتأكد أنّه كان هو فعلاً العقيد أنور رسلان. طلبت منه أن ينقلها إلى الزنزانة الجماعية وقالت له إنها لا تريد أكثر من ذلك لأنّ المنفردة ستصيبها بالجنون، فأمر السجان بصوت مرتفع ألا يعيدها إلى المنفردة، بل أن يعيدها إلى الزنزانة الجماعية، ولكن ولأنها كانت تستطيع الرؤيا من وراء الطماشة بنسبة معينة، استطاعت رؤية وجه العقيد في تلك اللحظة وهو يقول ذلك للسجان، وفي ذات الوقت يحرك حاجبيه للأعلى بمعنى أنّه كان يقول بصوته شيئاً، ولكنه ينفيه بحركات وجهه. وبالفعل تم إعادة الشاهدة حينها إلى المنفردة وليس إلى المهجع الجماعي.

منذ بداية المحاكمة كان المتهم أنور رسلان قد قدَّم بياناً للدفاع عن نفسه ضد التهم الموجهة إليه، وكان مما رد عليه أيضاً التهم الموجهة له من الشاهدة نوران الغميان، وذكر الحادثتين التي تحدثت عنهما الشاهدة، إلا أنه قال عن الأولى إنّ والدها هو من ضرب أختها م. ضرباً مبرحاً ونزف الدم على حجابها الأبيض، فقام هو بالتدخل لصالحها ومحاولة تهدئة والدها، ووعده بإخراجها خلال عدَّةِ أيام. قال أيضاً إنه حقق شخصياً مع م. ثلاث مرات، ولكنه كان تحقيقاً اتسم بالهدوء والحوار. قال المتهم أيضاً في بيانه إنّ م. ونوران كانتا معتقلتين سويةًّ عام 2011 (الأمر الذي صحَّحه لاحقاً في الجلسة الثانية للشاهدة)، كما قال أيضاً إنّ والدتهما اعتقلت هناك 40 يوماً وهو ما لم يعرفه حينها إلا بالصدفة. قرأ الادعاء العام ما ردَّ به المتهم رسلان في الجلسة الثانية للشاهدة، وطلبوا منها تعليقاً على ما سمعته، فقالت الشاهدة إنه ومنذ أن تقدم الدفاع ببيانه كان لديها إشارات استفهامٍ كثيرة على ما ورد به، وإنها ليست بمعرض الدفاع عن نفسها أمام مجرمٍ كما تراه هي، وأضافت إنّ إفادته بالكامل غير صحيحة، ولكنها الورقة الوحيدة الرابحة بيده، وهي إنكار كل ما حدث. قالت الشاهدة أيضاً إنّ هناك تضارب كبير بإفادة المتهم، إذ إنّ المحاكمة دامت سنة كاملة وهو مقتنع كل الوقت أنها هي من اعتقلت مع أختها م. ما يعني أنّه لا يتذكر بشكل جيد، ولكن في ذات الوقت يتذكر تفاصيل ما حدث في المكتب؟ أي أنّه بالنقاط الأساسية خلط الأمور ببعضها ومع ذلك استطاع تذكر تفاصيل ما حدث في المكتب. وأضافت أنها قضت وأمها 23 يوماً في الخطيب عام 2012، وليس أثناء اعتقال شقيقتها م، واستغربت كيف خلط المتهم بين الاعتقالين، إذ إنّ الأول كان لشقيقتيها م. و ر. عام 2011، واستمر لشقيقتها م. 11 يوماً فقط، والثاني كان لها ولوالدتها عام 2012 وكان لمدة 23 يوماً في فرع الخطيب، وليس لـ40 يوماً كما قال.

اقرأ المزيد: مدّعٍٍ على رسلان يصف زنزانة الموت في فرع الخطيب

علَّق المتهم في بيانه سابقاً أيضاً عن حادثة التحرّش الجنسي التي ذكرتها الشاهدة، وقال إنه لا يعرف عناصر أمنية ضمن فرع الخطيب باسم “أبو الغضب وأبو عطا”، وقال إنهما لربما عناصر وضباط من الفرع أربعين، وهم من فعلوا ذلك بها. الجدير بالذكر أنّ كل من جاؤوا حتى الآن للإدلاء بشهاداتهم في محكمة كوبلنز كمعتقلين سابقين في فرع الخطيب، ذكروا اسم السجَّان “أبو الغضب”، كأحد أكثر السجانين شراسة وعنفاً في ممارسة التعذيب على المعتقلين.

المدعية نوران: المتهم رسلان مجرم.. هكذا أراه

ما تزال الشاهدة تعاني حتى اليوم من ديسك في رقبتها نتيجة ضربةٍ بكعبِ بندقية، وندبةٍ نتيجة إلقاء ماءٍ حارٍّ عليها أثناء تعذيبهم لها، ولأول مرة منذ بداية المحاكمة تجلس بجانب الشاهدة مساعدة نفسية وتبقى معها كل مدة شهادتها.

ليفانت – لونا وطفة