المحامي ومهنته بين القانون والفساد

ثائر عبود

لاشك أنّ الكثير منّا احتاج في حياته إلى محام لمرة على الأقل كي يدافع عنه ويستخلص له حقوقه من غاصبيها. ومهنة المحاماة كغيرها من المهن، تعرّضت لكثير من الفساد والإفساد عبر عقود طويلة، في كل البلاد التي يصبح فيها القانون مطيّة لأرباب المال والسلطة، فيغدو الحق باطلاً والباطل حقاً ويمتزجان معاً في حالات كثيرة.

وفي ظلّ ظروف كهذه، لا بد أن نأخذ بعين الاعتبار أنّ المحامي الذي يرفض أن يدافع عن ظالم أو مجرم أو مفسد، مهما كان باطشاً أو ثريّاً أو غيرها من صفات العلو في الأرض، فهو لا شك سيعاني كثيراً في سبيل تأمين العيش الكريم له ولأسرته، وهذا هو حال الجميع، بين سندان الحياة ومطرقة القوى الرأسمالية في العالم، التي تضغط بكل قوتها على مختلف أصناف البشر وتحولهم إلى عبيد للمال وتزرع فيهم عقيدة الأنا والمنفعة والمصلحة، هذا مما يمكن فهمه وتقدير ظروفه، ولكن عندما تكون هناك قضية كبرى بحجم مأساة العصر، وهي قضية الشعب السوري، ثم يتنطّع لها مجموعة من المدّعين الذين يحتكرون الخبرة والمعرفة والحكمة والقدرات ويسلبون باقي الشعب قراره وحريته باسم الدفاع عن حقوقه وحرياته، ثم يتحولون إلى نسخة عن الوحش الذي يحاربونه، فتلك أيها السادة الطامة الكبرى، وتلك هي القاصمة.

منذ بداية حركة التحرّر السورية، خرج جمع غفير من الشباب السوري المثقف والمتعلم، والذين كان البعث نفسه يسميهم بالمثقفين الثوريين، إلى شوارع البلد، وهم يطمحون إلى كسر قيد الصمت وتغيير الواقع المزري في البلاد، متطلعين نحو مستقبل أفضل لهم وللأجيال القادمة، وفي عقولهم ونفوسهم شعلة الإيمان والإخلاص والنقاء، هؤلاء بعد هنيهة من عمر الثورة أصبحوا بالنسبة لمحتكري الحكمة والمعرفة والخبرة عبارة عن شلّة زعران.. نعم أيّها السادة.

هي ذات الأوصاف التي كانت فروع الأمن تطلقها على الشباب الذي يتوق إلى الانعتاق من السلاسل التي تجرّ البلاد والعباد نحو الهاوية، وتقيد عجلة التطور الحضاري والفكري والسياسي والاقتصادي في البلد، وتجعل الجميع يدور حول نفسه وحول رغيف الخبز. هي ذات الأوصاف التي كانت مجموعة الشباب المتنور المتحضر الساعي إلى بناء وطن حر كريم عزيز بين الأمم تتلقاها يوماً بعد يوم من سادة المشهد والشاشات والكراسي، الذين يجتمعون تحت مسميات مختلفة، كلها تحتكر العمل الوطني والسياسي والإعلامي لنفسها بقوة المال السياسي ومن خلفه أجهزة الدول المانحة.

كنا ننتقد الخطأ في نهاية التسعينات، الذي أصبح خطراً كبيراً وهائلاً في ذلك الوقت، كان لم يصل بعد إلى نقطة اللاعودة، وهناك عند النظام أصبحنا شلّة زعران وعملاء وحاقدين، وهكذا أصبحنا فيما بعد عند سادة الوطنية الذين يسرحون ويمرحون في منتديات ومؤتمرات اللاشيء. في الحقيقة لا يمكن أن يكون خصمك أكثر ضرراً من المحامي الجاهل أو الفاسد، لأنّ هذا الأخير تصبح قضيتك بالنسبة له هي مصدر رزق وانتفاع ومنصب وجاه وشهرة. وبالتالي سيفعل المستحيل كي لا تصل قضيتك إلى نهاية سعيدة، بل سيعمل واعياً أو بغير وعي على أن يستمر صراعك الذي يدرّ عليه كماً كبيراً من المنافع المعنوية والمادية، على حدّ سواء.

اليوم وبعد مرور عشرة سنوات على المأساة السورية وفي ذكراها، نشر الأستاذ ميشيل كيلو مقالاً بمناسبة ذكرى الثورة السورية. وفي المقال حالة وجدانية تعبر عن مشاعر الأستاذ في اللحظة الراهنة، وفي الخاتمة شيء من العقلانية التي كانت لفترة طويلة غائبة عن خطاب المعارضة الرسمية، والتي كانت معظم الوقت تعتمد الخطاب العاطفي ومواضيع الإنشاء ذات المشاعر المفرطة، ومنها ما وصل إلى حدّ التطرّف والمزاودة بالقول إنّ كل من انضم إلى الثورة فهو شريف حكماً، وكل من بقي في سوريا تحت حكم الأسد فهو فاسد ومجرم حكماً.

لكن الأستاذ، الذي نوقره ونحترمه ونجلّه، لم ينحدر إلى ذلك المستوى الخطابي، ولكنه بدا معتذراً بطريقة خجولة وغير مباشرة حين قال: “نحن نتحمل المسؤولية عن الأخطاء ولا بد من تصحيح المسار وأسلوب العمل”. ولكن لا بد أنّ معظمكم سمع مقولات شبيهة على مدار السنوات الماضية من قبل أرباب المعارضة، والسؤال هنا هل أصبحت هذه الجملة صك براءة ينطق بها كل من تصدّى لقضية الدم وكان عبئاً عليها؟ هل أصبحت هذه الجمل المستهلكة والمكررة خالية تماماً من الجوهر والمعنى والتنفيذ؟ وإلا فما هو المقصود بتحمّل المسؤولية؟ وكيف سيتم تحمّل المسؤولية؟ وما هي المحددات والآليات التي تجعلنا نؤمن ونثق بأنّ هؤلاء يدفعون ثمن ذنوبهم وأخطائهم بحق الدم السوري النازف؟

في الحقيقة، إحدى أهم المعضلات المبكية المضحكة، هي كم التطابق الهائل بين عقل النظام وطريقة تفكيره وتعامله مع الآخرين، وطريقة خصومه السياسيين. هؤلاء الآخرون يقصد بهم: الهيئات والحكومات والدول الفاعلة وكذلك يضاف إليهم الشعب السوري نفسه الذي يتم التعامل معه من قبل السادة الحكماء العلماء في المعارضة على أنّه شيء ما يشبه البروليتاريا العفنة في ظل نظام شمولي ستاليني.

وأخيراً، يبقى السؤال ماثلاً أمام صفحات التاريخ وأمام السادة محتكري العمل الوطني والسياسي، كيف ستتحملون المسؤولية؟.

ثائر عبود

ليفانت – ثائر عبود