الشتات الإخواني.. “لا مكان لكم بيننا”

إبراهيم جلال فضلون

تُعيد تركيا ترتيب علاقتها بالتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، في محاولة تعتبر شبه طلاق لهم وإغلاق ورقة الارتباط بالجماعة وماضيها الدموي، بعد أن كاد يستقرّ لسنوات في تركيا، ومآلات حرق أوراقه، خاصة بعد طرده من مصر وكشف ألاعيبه الدنيئة، فارّاً كالفأر المذعور إلى دول لا أمن ولا أمان فيها، بل اعتادت على اللعب، بوجوه تعدّدت ألوانها. الإخواني

فتلك تركيا وانهيارها على يد المزعوم بالعثمانية الجديدة، التي أوت إرهابيي العالم ومنشؤها الباب العالي، ماليزيا وبريطانيا، حيث غادرا إليهما بعد ركوع تركي لمطالب مصر والسعودية والإمارات، وتبعتها قطر بعدما رأت من تدني وضعها الدولي، حيث يُواجه التنظيم حالة تيهٍ وشتات، وبالأخص بعد القبض على المسؤول العسكري لها، محمود عزت، في مصر، ليُحاولوا الدخول الرخيص في وطن العروبة الأردني، ساعياً إلى إيجاد قاعدة وبيت مال بديل، بعدما أغلقت ليبيا أمام تدفقهم إليها خط سرت الأحمر، حيث المال الوفير والفوضى العارمة، التي أحدثها حلف الأطلسي بإسقاطه للدولة الليبية، في فبراير (شباط) 2011، من دون إيجاد بديل، رفضها حراكاً شعبياً وسياسياً ونيابياً فيها، وفي جارتها “تونس”، باحترام السيادة الوطنية والتوقف عن مشروع أخونة الدولتين اللتين راحتا ضحية لشرور هذه الجماعات التي تنهب ثرواتها، ومكّنت مرتزقة أجانب من أراضيها.

إنّ الأردن بلد عربي قوي بوعي شعبه وملكه، العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، الذي استبق صدمة أردنية بالأوساط السياسية، نجم عنها غضب شعبي، ووجه على إثرها رسائل لأركان مجلس السياسات وحضره رئيس الوزراء، بشر الخصاونة، وقائد القوات المسلحة ومدير المخابرات ومدير الأمن العام، لتأتي عباراته محددة لطبيعة تحميل المقصرين مسؤولية الإهمال قائلا: “كل شخص قصّر في عمله أو في حماية أرواح الأردنيين، وفق نتائج التحقيق”، “ليس مقبولاً أبداً أن نخسر أي مواطن نتيجة الإهمال، وإلا فليترك المجال لمن يريد أن يخدم الأردن والأردنيين، وإنّ المناصب ليست للترضية أو المجاملة».

وهي كلمات جادة لم يفلت منها عدد من الشخصيات البارزة، بينهم أحد أقرباء العائلة الحاكمة من الأشراف، هو الشريف حسن بن زيد (ليس من الأشراف الناشطين في الحياة العامة في البلاد)، ورئيس الديوان الملكي الأسبق، باسم عوض الله، (مستشار الملك عبد الله الثاني، وهو مختفي منذ مغادرته موقعه في رئاسة الديوان عام 2009)، وذلك لأسباب أمنية، حسب مصدر أمني، والقبض على عدد من الإسلاميين لقيادتهم احتجاجات على خلفية حادثة “السلط”، وراح ضحيتها 9 مصابين بفيروس كورونا بعد انقطاع الأكسجين من الخزانات الرئيسة، تسببت بإقالة وزير الصحة وتوقيف إدارات في المستشفى الحكومي.. ولأنّ المحتجّين، ومن بينهم «أشخاص من جنسيات عربية» شاركوا بهذه التجمعات، لا يراعون الظرف الوبائي ‏والحظر الجزئي، وهم لا يعون خطورة ما يُحاك لوطنهم، فمن حق الأجهزة الأمنية فضّ عدد من الاعتصامات بالقوة، واعتقال قادتها، وسط اتهامات رسمية لحركات شعبية، يقودها حراك المعلمين، وحزب جبهة العمل الإسلامي، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين غير المرخصة في البلاد، في الدعوة للوقفات الاحتجاجية.

فتنظيم الإخوان كونهُ صناعة استخباراتيّة عالمية قديمة، أتى لمهام وأجندات عدة، منبثقاً من الفكر القطبي الذي يدعو إلى تكفير الدولة، والذي استنسخه من المُفكر الهندي، “أبو الأعلى المودودي”، الذي تبنّى مفهوماً مُبتدعاً سمّاه «الحاكمية»، وبرر فيه تكفير المجتمع، ويتبنى فكر حسن البنا الإقصائي، واختزال الإسلام في الجماعة فقط. الإخواني

ولأنّ الأردن كمصر والسعودية لمكانتهم، تستقبل بلا حولٍ منه ولا قوة رياحَ العنف والإرهاب، لتزداد حدَّةً مع ظهور “تنظيم داعش”، لتقوم الدولة الأردنية بعدد من المُقاربات العسكرية والناعمة لمواجهته، وقد حققت نجاحاتٍ ملموسةً بوضوح.. ضد الإرهاب، هو سُرعان ما ينقلب على حُلفائه، كما فعل في السبعينات مع السادات، ثم غدر به، ومع القذافي في 2007 بمباركة القرضاوي، ثم سرعان ما انقلبوا عليه في 2011.

أما الأردن، فقد كانت رسالة عمَّان أولى المقاربات الفكرية التي انتهجتها الدولة في محاربة الإرهاب، وهي بيان مفصَّل أصدره الملك عبد الله الثاني، في التاسع من نوفمبر عام 2004، بهدف إيضاح جوهر الإسلام الحقيقي وبيان صورته السَّمحة البعيدة عن الغلوِّ والتطرّف.. ثُم انبثق عن رسالة عمَّان حوارٌ إسلامي داخلي بين مختلِف علماء المسلمين؛ تبعها مبادرة “كلمة سواء” التي سعت إلى نشر ثقافة الوئام والسلام بين الشعوب والأديان، عبر رسالة مفتوحة ردَّ فيها ثمانيةٌ وثلاثون من علماء المسلمين، في أكتوبر 2006، على كلمة البابا “بندكتوس 16”. وفي سبتمبر 2007 قُدّمت الصيغة النهائية للوثيقة في المؤتمر الذي عقدته الأكاديمية الملكية التابعة لمؤسسة آل البيت الملكية للفكر الإسلامي بعنوان “الحب في القرآن الكريم”، برعاية الملك عبد الله الثاني. الإخواني

وفي سبتمبر 2010، أطلق الملك عبد الله الثاني مبادرة “أسبوع الوئام بين الأديان” أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ تبعها عام 2014 خُطة وطنية لمواجهة التطرّف في إثْر تمدّد التطرّف والإرهاب في المنطقة والعالم، وليفهم العالم أنّ أي رهانات على تطويع وإعادة تدوير هذا التنظيم مصيرها الفشل؛ لأنّهم إذا خسروا يتنكرون للديمقراطية ولنتائجها، كما حدث في مصر وليبيا وتونس، وهذا ليس بمستغرب، ‏معتقدين أنّهم قادرون علي استعادة حكم مصر، ومن هذا المنطلق يمكنهم السيطرة على باقي البلاد العربية، والتغلغل في مجتمعاتها وأخونتها، لكنه سيبقى “التنظيم” في حالة الشتات والتيه، كبني إسرائيل، وإلى الأبد، ما داموا على باطل لا حق. الإخواني

إبراهيم جلال فضلون

ليفانت – إبراهيم جلال فضلون ليفانت