السبعُ العجافُ القادمة.. بين التهويل والتهوين

عبير نصر
عبير نصر

أُغرقت البلادُ في الحربِ الأهلية، ليتحولَ الأمرُ سريعاً لما هو أكبر من مجرّد خلافٍ بين فريقين مع وضد الأسد، في وقتٍ بدأت فيه القوى الغربية انتقاءَ الأطراف التي ستدعمها، فعملت روسيا على إطلاقِ حملةٍ جوية لدعم الأسد عام 2015، فيما أرسلت إيران مئات المقاتلين وأنفقت مليارات الدولارات.

ساهمتِ الحليفتان القويتان في ترجيح كفّةِ النظام السوري في الحرب، في المقابل قدّمت أمريكا وفرنسا وبريطانيا دعماً لما اعتبروه مجموعات معارضة معتدلة، ولم يطل الأمر حتى أرسلت الولايات المتحدة قواتٍ خاصةً إلى سوريا عام 2014، لمساعدة (قوات سوريا الديمقراطية) على انتزاع الأراضي من قبضة تنظيم (داعش) شمال شرق البلاد، في حين قدّمت تركيا دعماً كبيراً للميليشيات المسلحة، لمجابهة أكراد سوريا، أما السعودية فبدت حريصة ومنذ البداية على الحدّ من النفوذ الإيراني، حيث دعمت المعارضة السورية بالمال والسلاح، وكذلك فعلت منافستها الخليجية قطر، في وقتٍ أظهرت فيه إسرائيل مخاوفاً جمّة مما رأته نفوذاً عسكرياً إيرانياً في سوريا، فأطلقت، وعلى مدى سنوات الحرب، حملات جوية بوتيرةٍ متسارعة في محاولةٍ جادّة لمواجهتهم.

وفي خضمّ هذه الساحة الملتهبة من الصراعات والمطامع الإقليمية، لم يتوانَ النظامُ السوري عن إجراء كلّ استحقاقاته الانتخابية، سواء الرئاسية منها أم انتخابات المجالس المحلية والبرلمانية، في رسالةٍ يوحي بها بأنّه صاحبُ الشرعية في قيادة دولةٍ ذات (سيادة)، لها دستورها الذي ينصُّ على إقامة الانتخابات في إطارها القانوني، وبشكلٍ دوري، دون أن يأبه لوجود معارضةٍ سياسية أو مسارِ حلٍّ سياسي، بما في ذلك اجتماعات اللجنة الدستورية. واليوم وبمجرد أن تلاشى مؤتمر جنيف عن واجهة الاهتمام، بعد فشله في تحقيقِ أية نتائج تؤدي إلى حلّ سياسي للصراع المسلح الدائر في سوريا، شرع النظامُ السوري يعدُّ العدّةَ لإجراء انتخاباتٍ رئاسية رابعة، لينهي بذلك أيّ أملٍ بإمكانية التوصل إلى تسويةٍ سياسيةٍ قائمة على تنفيذ البند الأهم في إعلان جنيف، وهو تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحياتٍ كاملة من النظام والمعارضة، للإشراف على إنهاء الصراع، وإعداد العدّة للانتقال إلى وضعٍ سياسي جديد.

وازدادت خلال الأشهر الماضية، وتيرةُ التصريحات من قبل مسؤولي النظام السوري حول انتخابات 2021، إذ لم يتركوا فرصة دون التأكيد على إجرائها وفق الدستور الحالي، ضاربين بعرض الحائط أيّ تحركاتٍ سياسية من قبل المجتمع الدولي، بهدف التوصل إلى دستورٍ جديدٍ ضمن اجتماعات اللجنة الدستورية، يمهد لانتخاباتٍ تحت إشراف الأمم المتحدة، وآخر هذه التصريحات ما قاله الأسد في مقابلة مع قناة (زيفزدا) الروسية، ( إنّ الأشياء التي يطلبونها تؤدي إلى إضعاف الدولة وتفكيكها، كما يحصل في مناطق مختلفة أخرى تتدخل فيها الولايات المتحدة وتضع دستوراً يؤدي للاضطراب والفوضى، بدلاً من أن يؤدي للاستقرار، وهذا الشيء نحن لا نقبل به، ولا نفاوض حول أشياء تمسُّ استقرار سوريا)، لذا يسعى النظام ومن خلفه الروس إلى إجراء الاستحقاقات الانتخابية في وقتها، وبالتالي القول للمجتمع الدولي بأنّ النظام باقٍ لسنواتٍ مقبلة، وعليكم أن تتفاوضوا معه.

في هذا السياق، وبعدما جسدتِ الأملَ المتبقي للسوريين في مواجهة النظام الدموي، جاء رئيسُ هيئة التفاوض السورية، نصر الحريري، ليقلّل من أهمية اللجنة الدستورية التي شُكلتْ من المعارضة والنظام لوضع دستورٍ جديد تحت إشراف الأمم المتحدة، وقال الحريري (أرى شخصياً أنّ اللجنةَ الدستورية بصيغتها الحالية وحراكها الحالي، ورغم إخلاصنا كقوى ثورة ومعارضة في العمل مع فكرةِ اللجنة وجهودِ الأمم المتحدة، وعلى الرغم من الحماس والدعم الدولي الكبيرين لها، إلا أنها لن تؤدي إلى نتيجة)، في وقتٍ لم تفرزِ المعارضةُ فيه قيادةً بديلةً تتمتع بالمصداقيةِ أمام المجتمع الدولي، وطيلة مسار النزاع السوري، ساهم العديد من العوامل في الحدّ من قدرة المعارضة على لعبِ دورٍ فعّال كقوةٍ سياسية يُعتدُّ بها، من بينها قضايا تتعلّق بالمعارضة نفسها، وخياراتها، ومناحي قصورها، حيث لم تضع قطّ أهدافاً استراتيجية واضحة، إضافة إلى فشلها في منافسة العديد من اللاعبين السياسيين المُنخرطين في الصراع السوري، بما في ذلك الجماعات الإسلامية المتطرفة، فيما كانت هي في الوقت عينه تعاني من الأجندات المتباينة لداعميها الخارجيين.

بالمقابل، وحسب خبراء وسياسيين، استفاد الأسد، لضمان استمراريته، من تقاطع عوامل داخلية، أبرزها تحكّمه بالقوات الأمنية والعسكرية، وخارجية، على رأسها تلكؤ الغرب في استخدام القوة ضده، مقابل دعم عسكري حاسم من إيران ثم روسيا، يضاف إلى ذلك الصبر واستثمار عامل الوقت، وهي الصفة المشهود بها لعائلة الأسد التي تحكم سوريا منذ بداية السبعينات، وعطفاً عن ذلك، لم تفرز بنية النظام شخصيات قيادية يمكنها لعب دورٍ بارز في مواجهته، لا بل قطعت الطريق على أي شخصية حاولت أن تبني حيّزاً لها في مستقبل البلاد، وذلك وسط الرّهان على تركيبة المجتمع الطائفية المعقدة، ويُضاف لها بالطبع فشل المعارضة السورية، على اختلاف مكوّناتها، بتوحيد صفوفها وتقديم بديلٍ جدي عن النظام، وذلك بعد خسائر ميدانية وسياسية متتالية، ساهمت في كبح صوتها، وتشتيت قياداتها التي تتحرك بالأصل وفق أجندات داعميها، فافتقدت إلى رؤيةٍ وطنيةٍ مفصّلة لسوريا ما بعد الأسد، وإلى خطةٍ عمليةٍ لتحقيق التغيير، وواجهت عقبات (كأداء) أمام احتمال تحوّلها إلى طرف وازن داخل سورية.

ورغم الفشل الذريع الذي حققته في مواجهة النظام، جاء موقفُ المعارضة السورية من الاستحقاق الرئاسي القادم مهوّلاً وقاحة الأسد في استسهال الانتخابات القادمة، حيث قال رئيسُ الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية (إنّ إعلانَ نظام الأسد عن موعدِ مسرحية انتخاباتٍ ستكون بإشرافِ الأجهزة ِالأمنية، كما العادة، يؤكد بؤسَ هذا النظام واستمراره في الانفصال عن واقع الشعب السوري، الذي ثار عليه ولفظه منذ عشر سنوات. لقد ماتت شرعية النظام مع سفك أول قطرة دم، ولو اجتمع كل مجرمي الدنيا فلن يستطيعوا إعادة الحياة لجثته)، من جانبه، قال رئيس المكتب السياسي في (الجيش الوطني السوري) الموالي لتركيا، مصطفى سيجري: (نحن في المعارضة وقوى الثورة السورية غير معنيين بهذا الإعلان، ونعتبر برلمان الأسد فاقداً للشرعية، ودعوته باطلة ولن تعدو كونها مسرحية هزلية جديدة، ومحاولة بائسة لإعادة إنتاج الأسد ونظامه الإرهابي).

وكان قد أعلن رئيسُ مجلس الشعب السوري، حمودة صباغ، رسمياً إجراء انتخابات الرئاسة يوم 26 أيار/ مايو القادم، ودعا الراغبين بالترشح إلى تقديم أوراقهم، على أن يكون المرشح للرئاسة قد عاش السنوات العشر الأخيرة على الأقل في سوريا. وبلغ عددُ المرشحين ثمانية عشرة مرشحاً من بينهم ثلاث نساء وكردي. ودون عراقيل تذكر ستجرى الانتخابات الرئاسية في موعدها المحدد، وما زال أكثر من نصف الشعب السوري بين لاجئ، ومهجر، ومشرّد، وسجين، أو تحت بند ما يسمى الإخفاء القسري. ويذكر أنّ آخر انتخابات شهدتها البلاد جرت في يونيو/ حزيران عام 2014، وأدّى الرئيس الأسد اليمينَ الدستورية بعد الإعلان عن فوزه بأكثر من 88 % من الأصوات في الانتخابات، التي شارك فيها إلى جانبه كلّ من رجل الأعمال والوزير الأسبق، حسان النوري، إضافة إلى النائب في البرلمان عن مدينة حلب، ماهر حجار.

ليفانت –  عبير نصر