التوسّع التركي في ليبيا يهدّد بانقسام الناتو

حسن منصور

على الرغم من أنّ أطراف الأزمة الليبية يتوصّلون تدريجياً إلى الحلّ السياسي، يتوتر الوضع داخل البلاد وحولها. وتزيد الدول الأجنبية المتورّطة في الصراع الليبي من التوترات أيضاً. في نفس الوقت، يؤثر عدم الاستقرار في ليبيا تأثيراً سلبياً على العلاقات الدولية ويتسبب في تناقضات متزايدة بين الشركاء الاستراتيجيين. على وجه الخصوص، تثير الأنشطة العسكرية التركية مخاوف ثلاثة أعضاء بالناتو على الأقل، فرنسا وإيطاليا واليونان.

تتفاقم العلاقات بين أنقرة وشركائها بحلف شمال الأطلسي بسبب تحركات القيادة التركية، التي لا تقوم فقط بتسليم الأسلحة إلى بلاد أفريقيا الشماليّة تجنّباً لحظر توريد الأسلحة المفروض من قبل الأمم المتحدة، بل تقوم أيضاً بالتنقيب الجيولوجي لحقول الهيدروكربون في شرق البحر الأبيض المتوسط.

بدأت التناقضات بين شركاء الناتو تتخذ شكل اشتباكات خفيّة. على سبيل المثال، اقتربت الفرقاطة الفرنسية “كوربيه” العاملة في إطار عملية “سي غارديان”، التابعة لحلف شمال الأطلسي، بهدف منع تهريب الأسلحة إلى ليبيا من ثلاث سفن حربية تركية وسفينة شحن، في 10 يونيو من العام الماضي. حاول الفرنسيون تفتيش سفينة مدنية يشتبه في أنّها تحمل أسلحة بشكل غير قانوني إلى البلاد مزقتها الحرب. رداً على ذلك، استهدفت السفن الحربية التركية “كوربيه” برادار ثلاث مرات.

وانسحبت باريس من عملية “سي غارديان” بعد هذا الحادث. علاوة على ذلك، أدان مستشار الأمن القومي الحالي للولايات المتحدة، روبرت أوبراين، التحرّكات العسكرية التركية وأعرب عن دعمه لفرنسا. “الولايات المتحدة متعاطفة للغاية مع فرنسا في نزاعها مع تركيا ولا يتعيّن على حلفاء الناتو تحويل رادارات السيطرة على النيران إلى بعضها البعض” – قال أوبراين.

التناقضات بين فرنسا وتركيا واضحة أيضاً في المجال الجيوسياسي. وتعتبر باريس قائد الجيش الوطني الليبي، خليفة حفتر، أحد الشخصيات الرئيسية في حل الصراع الليبي، بينما ترفض أنقرة الاعتراف به كقوة سياسية مهمة في البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، هناك توترات متزايدة بين تركيا وإيطاليا. تعاونت روما كأكبر مستورد للنفط الليبي مع السلطات الليبية في مجالي النفط والغاز. بعد إلقاء ثقلها خلف حكومة طرابلس، تسعى تركيا إلى مراجعة الوضع الراهن في مجال صناعة الهيدروكربونات الليبية من خلال تهميش توتال الفرنسية وإيني الإيطالية في محاولة بسط السيطرة الكاملة على الموارد الطبيعية في ليبيا. على الرغم من أنّ تركيا تحثّ الدول والشركات على التعاون المشترك، فمن غير المرجّح أن يوافق عليها أحد، معتبراً هذا الاقتراح كأحد الأصول السامة.

ليبيا

بدورها، تنزعج اليونان من الاتفاقات بين أنقرة وطرابلس التي تحرم أثينا من حقها القانوني في الجرف البحري بين رودس وكريت. ينتمي هذا الجزء من الجرف القاري لليونان وقبرص، لكن تركيا تحاول الدفاع عن حقوقها في الحقول من خلال مذكرة التفاهم بمناطق النفوذ البحرية مع حكومة الوفاق الوطني، التي سبقتها حكومة الوحدة الوطنية المشكلة حديثاً. أرسل الجانب التركي سفناً حربية إلى البحر الأبيض المتوسط لتعزيز شرعية أفعاله، وهو ما اعتبرته أثينا أمراً سلبياً. ازداد الوضع سوءاً لدرجة أنّ العديد من الخبراء لم يستبعدوا اندلاع مواجهة مسلحة بين الحلفاء.

في السنوات الأخيرة، أتبعت تركيا سياستها، التي تتعارض مع حلفائها بالناتو، وترفض إحالة المصالح الوطنية لمصالح الحلف. يمكن القول إنّ تصريحات نائب مدير صندوق البحوث الاستراتيجية، برونو تيرتري، في مقابلة مع صحيفة الفرنسية، لها ما يبررها تماماً. وقال: “يجب أن يقوم الحلف على القيم والمصالح المشتركة. لكن في حالة تركيا وأردوغان، نحن لا نشترك في أي منهما”. والعملية التركية في ليبيا هي مكلفة للغاية بالنسبة للجمهورية التركية في حين أنّ الوضع الاقتصادي في البلاد يقترب بشكل متزايد من الأزمة.

ليفانت – حسن منصور