الأسديون باعوا البلد

غسان المفلح
غسان المفلح

ظهر مصطلح البلقنة من صراعات القرن العشرين قي منطقة البلقان وبعد تقسيم إرث الإمبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الأولى قي البلقان إلى دول إثنية عرقية أو على أساس ديني أو طائفي. البلقنة Balkanization مصطلح سياسي جغرافي يقصد به تفتيت أو تقسيم منطقة أو دولة إلى مناطق أو دويلات أصغر، والتي غالباً ما تكون غير متعاونة مع بعضها، أو إقامة دولة تحمل في بنيتها التأسيسية إشكالية تفجرها المزمنة، كالعراق ولبنان، أو إبقاء دول في خضم حرب أهلية أو داخلية حتى تتحوّل إلى إشكاليّة مزمنة أيضاً، كأفغانستان والصومال. 

اللبننة Lebanonization، الصوملة Somalization، الأفغنة Afghanization، والعرقنة Iraqization، والفلسطنة Palestinization، والآن السورنة syriaization، حتى بالإنكليزية لم يتم إدراج هذه المفردة بعد، لكي تستقر في الحقل السياسي المتداول. ولكل مصطلح من هذه المصطلحات دلالاته الأخرى، نظراً لخصوصية كل وضعية على حدة، لكن يجمعها جامع واحد هو دور المجتمع الدولي، وخاصة الدول الكبرى في ذلك، وفي طريقة معالجتها لهذه الأوضاع في تلك المناطق والبلدان، وهنالك بالطبع دون أن نغفل الخصوصيات التاريخية لكل دولة أو منطقة.

خصوصية الدولنة السورية أو السورنة syriaization:

كنا أشرنا في مقالات سابقة، ومنذ انطلاق الثورة السورية قبل عشر سنوات، وقبل أن يهزمها العالم، إنّ الدولنة في منطقة ما يعرف ببلاد الشام بدأت مع تأسيس دولها الأربعة بين عامي 1916 و22 نوفمبر 1943، تاريخ إعلان دولة لبنان.

إضافة إلى الأردن وفلسطين. فلسطين التي لم تلحق تشم نفسها الإنكليزي حتى فلسطونها إسرائيلياً وغربياً Palestinization. بيعت بشكل علني أرضاً وشعباً من قبل الإنكليز. صار هنالك دولة إسرائيل، يقابلها ملايين بلا وطن مشردين في أصقاع العالم. اكتشاف النفط في المنطقة كان الخطوة الثانية لدولنة المنطقة. الخطوة الثالثة كانت تأسيس دولة إسرائيل على حساب الشعب الفلسطيني.

استقرّ الوضع في الأردن، حيث تراجعت الدولنة إلى خلفية المشهد بشكل لم تعد ملحوظة إلا في حالات انتقال الملك. اما في سوريا ولبنان فلم تتراجع الدولنة، رغم القمع واستمرار النظام الأسدي بغطاء دولي منذ أكثر من خمسين عاماً. حيث رافقت الدولنة كل ممارسات السلطة الأسدية، كسلطة زبائنية. منذ حرب تشرين 1973 وفيما بعد دخول جيشها للبنان، نتيجة كثافة الدولنة في لبنان.

أيضاً خلال محاولة انتفاضة الشعب السوري نهاية السبعينيات وما حدث من مجازر. كانت الدول متدخلة على طول الخط في الحدث السوري، داخلياً وإقليمياً. كمثال أيضاً ما تزال فرنسا نفسها تتدخل في محاولة تشكيل أي حكومة لبنانية حتى الآن.

بعد الذكرى السنوية الأولى للثورة السورية، حاولت تلمس هذا الأمر وما تشكله الدولنة- السورنة، كما أسميتها آنذاك، من خطر على مصير الثورة السورية، “ما يحدث الآن في هذه الثورة السورية- الأسطورة، يجد أن هذه الثورة تواجه نظاماً إقليمياً كرّسته دول كثيرة، وعلى رأسها إسرائيل والغرب والاتحاد السوفييتي السابق، وحلّت روسيا الآن محلّه، والتي تغيرت سياساتها عالمياً إلا في سوريا كآخر موقع لها في الشرق الأوسط. استطاعت هذه الثورة رغم وقوف كل هذه الأطراف ضد التغيير عملياً في سوريا، وضد تحوّل هذا البلد إلى بلد ديمقراطي، أن تنسف النظام الإقليمي برمته، ولم يعد صالحاً للاستمرار كما هو، ولا كما يمكن أن يتم التحكم بمعطياته الجديدة، خاصة بعد الربيع العربي، وهذا ما عقد حركتنا كمعارضة سورية على مستوى الخارج، لأننا كنا نتصرّف بأدوات قديمة وما نزال، أمام أوضاع مستجدة وتحتاج إلى طرائق تفكير جديدة وأدوات جديدة”. (سوريا المدولنة وثورتها 06 مايو 2012).

في هذا السياق، لا يمكن نقاش السورنة دون المرور على الدور التركي أيضاً. الدور التركي لم يخرج خارج الدولنة الإسرائيلية- الروسية التي تحدثنا عنها حتى اللحظة، رغم صخب التصريحات الأردوغانية. فكانت أستانا أيضاً تتويجاً للمساهمة التركية في هذه السورنة. مع حفظ الفارق بين الدور التركي والدورين الروسي والإيراني.

منذ قبل هذا التاريخ، بدأت تطفو مظاهر الدولنة أو السورنة على السطح خطوة خطوة. كان من الواضح أنّ الأسد باع منذ الأشهر الأولى للثورة، حصة ما من السيادة السورية لإيران عبر حزب الله، ومن ثم عبر الميليشيات الشيعية التي جلبتها إيران ومولتها، من العراق وباكستان وأفغانستان، التي ساهمت بارتكاب مجازر بحق شعبنا، بقيادة فيلق القدس الإيراني.

كتعبير عن هذه الخطوة الجديدة في السورنة، بدأت تطفو على السطح تصريحات وتلميحات من الطرف الإيراني أنّه لولاه لسقط الأسد. هذا تعبير من جهة أخرى على أنّها تقبض ثمن ذلك بشكل شرعي وقانوني. من جهة أخرى كان الروس يتقدّمون أيضاً خطوة خطوة عبر مدّ الأسد بالسلاح واستخدام الفيتو باستمرار لمصلحة الأسد في مجلس الأمن.

لكن بوتين كان ينتظر الغرب وإسرائيل ويتفاوض معهما من أجل مقدار حصته في سوريا. حيث توّجت هذه الخطوات باحتلال روسي مباشر لحلب 2015. لم يطل الأمر بعدها حتى صار الروسي أيضاً يصرّح “أنّه لولاه لسقط الأسد”.

النظام يضعف لصالح روسيا وإيران سيادياً وتدخلياً، حتى وصلنا لاتفاقيات أستانا 23 و24 يناير 2017. حيث كان الروس والإيرانيون يتفاوضون نيابة عن الأسديين وبالقسر. نتيجة المساحة التي باتت لهم في سوريا على الأرض، وسيادياً بالمعنى القانوني والسياسي. آخر خطوات السورنة هي احتلال أمريكا للجزيرة السورية. هذه الدولنة خاصة بسوريا الأسد تحديداً. إنّها سورنة سيتم كشف الغطاء عنها لاحقاً من الدول صاحبة القرار عندما تصير سوريا ملفاً بارداً.

انطلاقاً من هذه العجالة في إعادة طرح مفهوم السورنة التي وصلنا إليها، باتت هذه السورنة عبارة عن مقدمة لابد منها لمناقشة أية مسألة بخصوص هذا الحقل والحقل السوري عامة، وهي أنّ الأسديين باعوا البلد قانونياً ووفقاً للقانون الدولي والداعم الدولي. بوصفهم ممثلي سوريا بالأمم المتحدة ومؤسساتها. هذه نقلة نوعية وغير مسبوقة في أي بلد بالعالم. نقلة نوعية في مزيد من دولنة سوريا كي لا يقدموا تنازلاً واحداً للشعب السوري، أي نقاش بدون هذه المقدمة والبناء عليها من وجهة نظري لا يقدّم ولا يؤخر في محاولات المعارضين السوريين البحث عن حلول لمأزق البلد، مهما كان مفيداً معرفياً.

وأختم باقتراح أحد الأصدقاء في نقاش هذه القضية: لا يوجد حلّ سوى مطالبة المجتمع الدولي بإعلان سوريا دولة فاشلة ووضعها تحت الانتداب الدولي. المطالبة والإلحاح وتأمين الدعم الدولي من قبل أصدقاء الشعب السوري لتأييد هذا المشروع قد يكتب له النجاح، وبرأيي إنّ أمريكا والغرب لن يمانعوا بذلك. لكن يغيب عن بال الصديق أن أصدقاء الشعب السوري أو من يدّعون ذلك، هم من أسسوا لهذه السورنة بقيادة أمريكا.

غسان المفلح

ليفانت – غسان المفلح