أوروبا بين كماشة الإسلام السياسي واللاجئين

فادي عيد

كانت ورقة اللاجئين أخطر ورقة يلوي بها الرئيس التركي ذراع اقتصاد دول الاتحاد الأوروبي، بينما كان الإسلام السياسي أقوى ورقة يهدّد بها التركي استقرار دول أوروبا.

وكي نطلع أكثر عما ذكر، فلنقرأ بعض فصول التاريخ القريب، وبالتحديد في أبريل 2019 بعد إعلان فوز رئيس حزب “فيديسز”، فيكتور أوربان، برئاسة الوزراء لولاية ثالثة، والذي كان يشدّد دوماً فى حملته على أنّ أي هزيمة له بالانتخابات ستؤدّي إلى فوضى في ملف الهجرة وانتصار لأعداء المجر الذين يريدون تجريد المجريين من بلادهم.

وقبل تصريحات رئيس الوزراء والمعارض الليبرالي الذي تحوّل إلى بطل يميني، فيكتور أوربان، كان الرئيس المجري، يانوش لازار، يعزف على نفس الوتر، حينما قال: “إنّ العاصمة النمساوية فيينا أصبحت مكاناً سيئاً بسبب المهاجرين والأجانب”، وهو الأمر الذي تسبب فى ردود فعل غاضبة من قبل السياسيين النمساويين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الشاب، سباستيان كورز.

وهنا كان علينا إلقاء الضوء ليس على الانتخابات المجرية ومجرياتها، فكل ما جاء بها وبعدها متوقع ولم يحدث شيء خارج النص، ولكن عما كان يقال داخل أروقة صنع واتخاذ القرار بهذا البلد العريق الذي يقع منتصف أوروبا بتلك الفترة، والتى تعكس لنا حقيقة الوضع الأوروبي الحالي وكم التحديات والتهديدات التي تواجه أوروبا التى تتعرّض للضغوط من كل ما حولها، بداية من صديقة الأمس بريطانيا التي خرجت من الاتحاد الأوروبي، مروراً بالولايات المتحدة الأمريكية التى تنقض على مصالح أوروبا بالشرق الأوسط، كالأسد على فريسته، ثم روسيا التى تلوي ذراعها بالغاز، وصولاً لتركيا التي تتعامل مع الإرهابيين بمعسكراتها شرق تركيا وورقة المهاجرين على أنّهم القوى الإنكشارية التى ستمدّ نفوذ الإمبراطورية العثمانية الجديدة لما هو أبعد من إسطنبول وأزمير.

فقد صرّح رئيس برلمان المجر، لاسلو كوفير، خلال كلمته التي ألقاها بمنتدى سوبرون (مدينة غرب المجر)، أبريل 2019، قائلاً: “إنّ 500 كنيسة أغلقت أبوابها في العاصمة لندن منذ عام 2001 مقابل بناء 423 مسجداً جديداً في المدينة، وإنّ عدد المسلمين والمسيحيين المؤدّين للصلوات في لندن سيبلغ ما بين 800 إلى 900 ألف شخص، ولكن سيكون أعمار 50 بالمئة من المصلين المسيحيين أكثر من 65 عاماً، بينما 50 بالمئة من المصلين المسلمين أقل من 25 عاماً، وإن كانت التركيبة السكانية والثقافية للمملكة المتحدة أصبحت على هذا الشكل، فالسؤال لنا الآن، هل تريد المجر أن تكون على نفس الشكل أيضاً أم تتجنب حدوث مثل هذا الوضع؟”.

وهنا قد جاءت رؤية رئيس البرلمان المجري لشكل القارّة العجوز جرّاء تدفق موجات اللاجئين العرب والمسلمين لأوروبا بسبب الحروب بالمنطقة، كرؤية رئيس الوزراء، فيكتور أوربان، الذي قال: “إنّ معظم اللاجئين في أوروبا قادمون من الدول الإسلامية، وفي حال استمرار الوضع على هذا الحال سيكون سكان كبرى المدن الأوروبية من المسلمين”.

وإذا كان ذلك هو وضع أوروبا، وذلك هو السؤال الذي طرحه رئيس برلمان المجر على شعبه، فالآن السؤال الذى نطرحه أمامكم، وهو ما يخصنا، أي إسلام حينها هو الذي سيكون في أوروبا؟

أي إسلام فى ظلّ توغل الإخوان المسلمين وسيطرتهم على أغلب المؤسسات الإسلامية بأوروبا تقريباً إن لم يكن جميعها؟ فالنمسا وزيورخ وروما وباريس، ومن قبلهم لندن، باتت أكثر أمناً وهدوءاً لقيادات وعناصر جماعة الإخوان من إسطنبول، حتى صارت أوروبا الآن بين كماشة الإسلام السياسي.

وما أصاب أوروبا، وبالتحديد أكبر أمتين بالقارة العجوز، فرنسا وألمانيا، ليس بالقليل، فهم أكثر المتضررين من ملف اللاجئين، بالتزامن مع اختراق المخابرات التركية لأغلب دوائر تلك الدول، ولنا فى كم العمليات الإرهابية الضخمة التى شهدتها فرنسا وألمانيا دون غيرها من دول العالم دليل، برغم أنّه كان يفترض أن تكون بريطانيا هي المستهدفة بحكم دورها الفج في غزو العراق 2003، والحرب على سوريا وليبيا واليمن.

وهذا أمر لم يكن مفاجئاً للدولة العميقة بباريس، ونتذكر حديث رئيس أركان فرنسا الأسبق، إدوارد جيو، عام 2012، لمجلة “لوبوان”، عندما سألت الصحيفة رئيس الأركان عن الخطر الذي يهدّد مستقبل القارة الاوروبية. فقال: “إنّ الجهاديين والتكفيريين الذين يتم تدريبهم بمعسكرات شرق تركيا، بعد انتهاء مهمتهم في الشرق الأوسط سيزحفون علينا عاجلاً أم آجلاً”.

خلاصة القول، فى ظلّ أمواج الهجرة من الشرق الأوسط وأفريقيا غير المتوقفة للقارّة العجوز، وتأثر مسلمي أوروبا الذين ولدوا وعاشوا فى المجتمع الأوروبي بالفكر الداعشي (حسب تقارير تلك الدول)، حتى رأينا قيادات لداعش فى سوريا والعراق من أصول وجنسيات أوروبية، بالتزامن مع تحوّل تركيا من دولة ممر للتكفيريين والإرهابيين إلى دولة مقرّ، فى ظلّ رؤية أردوغان لهولاء الإرهابيين على أنّهم القوى الإنكشارية الجديدة التى ستمدّ نفوذ دولته خارج حدود تركيا، يبدو أنّه بات واضحاً كيف سيكون شكل الإسلام الذي سيتمدّد بأوروبا في المستقبل القريب.

فادي عيد
ليفانت – فادي عيد