أزمة القيادة في بلد الأزمات

قبل تحرير العراق من براثن الدكتاتورية التي كانت جاثمة على صدور العراقيين لثلاثة عقود من الزمن، والتي أحجمت دور الكفاءات من التكنوقراط ذات الاختصاص الدقيق من تطوير قابياتهم لقيادة المجتمع، وانحسار القيادة في مجموعة من الذين تمرنوا على توزيع الظلم على الشعب دون استثناء، بحجج واهية ما أنزل الله بها من سلطان، ومنعهم من مواكبة التقدّم الهائل في عصر التقنيات والتكنولوجيا الحديثة.

مما اضطر العديد منهم للهجرة وترك الوطن الأم نتيجة للضغوطات التي كانت تمارس ضدهم لمجرد عدم انتمائهم للعمل السياسي الموجه من قبل حزب معين، ليعملوا في دول أجنبية ترعى أصحاب العقول وتوظف قدراتهم العلمية لخدمة مجتمعاتهم التي وجدت لخدمة الإنسانية، بشكل عام، مع وضع الدولة كافة إمكانياتها تحت تصرفهم لفسح المجال لهم للإبداع في اختصاصاتهم.

ومن المسلّم به أنّ القيادة هي فن التأثير على الآخرين وتوجيههم للعمل نحو تحقيق الأهداف المرسومة وفق آلية استراتيجية، تضع خدمة المواطن نصب عينيها وبكل أمانة وإخلاص ونزاهة، بعيدة عن الصفات اللامسؤولة التي تجعل من القائد صغيراً بأعين من هم بمعيته وتفقد الثقة بينهم. لكن بدأت في الآونة الأخيرة، وتحت غطاء ومسميات مقبولة من الديمقراطية، وبأسلوب الانتخابات غير النزيهة المدعومة من جهات لها مصالحها في اختيار شخصيات هزيلة لا تنسجم ومعطيات المرحلة الراهنة، في الوقت الذي يعاني فيه العراق من دمار للبنى التحتية وتفشي الفساد المالي والإداري في جميع مؤسسات الدولة، وفقدان الأمن والعمل وفق مبدأ المحسوبية والمنسوبية، ووضع المصلحة الشخصية فوق المصلحة العامة، ومن هنا يمكن القول حقيقة، بأنّ العراق يعاني من أزمة بروز القادة والشخصيات القوية الذين يتمكنون من انتشال البلد من الوضع المزري الذي يمر به نتيجة للصراعات بين أطراف العملية السياسية، والعمل على خرق بنود الشراكة الحقيقية وفقدان التوازن والتوافق على القرار السياسي والتعمد في تهميش وإقصاء البعض، مما زاد الطين بلة.

في العراق، والتي تعتبر الدولة الوحيدة التي تختار قادتها بالأموال والرشاوى دون النظر إلى سمات القيادة التي يجب أن تتوفر في الشخص المختار، وعليه فالفشل يكون حليفهم جيلاً بعد جيل، والمجتمع يعاني من أبسط الخدمات الضرورية للعيش برفاه وأمان، وتتحمل القوى السياسية كافة مسؤولية ما وصل إليه البلد من فشل إلى فشل على مدى سنوات من الخلاص من النظام البائد.

أما آن لهذا الوطن أن ينعم بقائد وطني، في الوقت الذي طال انتظاره، بالرغم من أنّ البلد يزخر بالكفاءات الوطنية ممن يتّصفون بصفات القيادة، وبما يؤهله لقيادة العراق إلى بر الأمان ليوصل الليل بالنهار لخدمة شعبه ويطوي حقبة من الظلم والتهميش والمعاناة التي جعلت من العراق لقمة سائغة لكل من هب ودب للتحكم بمقدراته غير مراعٍ لمعاناتهم وهمومهم اليومية التي أصبحت حديث الشارع العراقي، فإلى متى يبقى البعير على التل؟

حسن شنكالي

ليفانت – حسن شنكالي